الرواية الأولى

نروي لتعرف

هموم وقضايا / السفير د. معاوية التوم

بين شبح الحرب وفرص الدبلوماسية. هل تقود أزمة واشنطن وطهران إلى انفجار جديد في الشرق الأوسط؟

السفير د. معاوية التوم


لم تعد الأزمة بين الولايات المتحدة وإيران مجرد نزاع سياسي عابر حول الملف النووي والباليستي أو النفوذ الإقليمي، بل تحولت إلى واحدة من أخطر بؤر التوتر في النظام الدولي المعاصر، نظرًا لتداخلها مع أمن الطاقة العالمي، وأمن الملاحة البحرية، والتوازنات العسكرية في الشرق الأوسط، ومستقبل الردع الإقليمي.
وفي ظل استمرار التصعيد السياسي والعسكري، تبدو المنطقة وكأنها تتحرك فوق حافة مواجهة مفتوحة، بينما تحاول القوى الدولية والإقليمية إبقاء خطوط الاتصال قائمة لمنع الانفجار الكبير.

أولًا: انسداد سياسي وتمسك بالخطوط الحمراء
تكشف المواقف الأخيرة أن الأزمة دخلت مرحلة “إدارة الصراع” أكثر من البحث عن تسوية نهائية. فالولايات المتحدة ما تزال ترفض أي رد إيراني يُنظر إليه بوصفه محاولة لفرض معادلات جديدة بالقوة، بينما ترفض طهران الضغوط الأمريكية وسياسة الإملاءات، معتبرة أن التراجع تحت الضغط يهدد فلسفة الردع التي بنتها منذ عقود.
وفي هذا السياق، يتمسك كل طرف بخطوطه الحمراء:
• واشنطن تريد تقليص البرنامج النووي والصاروخي الإيراني، وكبح النفوذ الإقليمي لطهران.
• وإيران ترى أن التخلي عن أدوات الردع يعني فتح الباب أمام استهدافها عسكرياً، استراتيجيًا وسياسيًا.
ولهذا، فإن الأزمة تبدو عالقة بين سقفين متناقضين: لا حرب شاملة يريدها الجميع، ولا تسوية حقيقية يستطيع أي طرف تقديم تنازلات كبرى بشأنها، مما يبعد نجعة التفاوض.

ثانيًا: الحصار الأمريكي وحرب الاستنزاف الطويلة
تواصل الولايات المتحدة سياسة الحصار الاقتصادي والعقوبات المركبة ضد إيران، مستهدفة قطاع الطاقة، والتحويلات المالية، والقدرات العسكرية، وسلاسل الإمداد المرتبطة بالبرنامجين النووي والصاروخي.
غير أن طهران حاولت تحويل الضغوط إلى أوراق قوة مضادة، عبر:
• تعزيز حضورها الإقليمي،
• وتطوير قدراتها البحرية،
• واستخدام الجغرافيا الاستراتيجية للمضائق والطبوغرافيا كورقة ردع مؤثرة.
وبذلك، تحولت العقوبات إلى حرب استنزاف ممتدة، لا تقتصر على الاقتصاد، بل تشمل إعادة تشكيل موازين القوة في المنطقة.

ثالثًا: مضيق هرمز… من ممر اقتصادي إلى سلاح استراتيجي
تمثل أزمة مضيق هرمز أخطر حلقات التصعيد الراهن عالمياً ، لأن التهديد لم يعد متعلقًا فقط بالبرنامج النووي الإيراني، بل بأمن التجارة والطاقة العالميين.
فإغلاق هرمز – ولو بصورة جزئية أو عبر خلق بيئة عالية المخاطر – يهدد الاقتصاد الدولي بأسره، وليس الولايات المتحدة وحدها. فالمضيق يمثل شريانًا حيويًا لتدفق النفط والغاز نحو الأسواق العالمية، وأي اضطراب فيه ينعكس فورًا على أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد العالمية.
وفي هذا الإطار، فإن الحديث عن احتجاز مئات السفن على ضفتي المضيق وخليج عمان يعكس حجم التوتر والارتباك الذي أصاب حركة الملاحة الدولية، فضلا عن منع ١٨٠ باخرة من الوصول للموانئ الإيرانية .
وهنا تبرز المفارقة الاستراتيجية الكبرى:
فبينما كان البرنامج النووي الإيراني يمثل مركز القلق الغربي لعقود، بدأت ورقة هرمز تتقدم بوصفها أداة الردع الأخطر، لأنها تمس مباشرة الاقتصاد العالمي واستقرار الأسواق الدولية.

رابعًا: عسكرة المضائق وعودة مشروع “حرية الملاحة”
إزاء هذا الواقع، برزت مجددًا الدعوات الأمريكية والدولية لإحياء ترتيبات “حرية الملاحة” وتعزيز التحالفات البحرية الدولية في الخليج والبحر الأحمر، رغم احجام دول اوربا وآسيا.
لكن هذه المقاربة تحمل مخاطر كبيرة، لأن عسكرة الممرات البحرية ترفع احتمالات:
• الاحتكاك المباشر،
• وسوء التقدير العسكري،
• والانزلاق إلى مواجهة غير محسوبة.
فكل زيادة في الوجود العسكري داخل المضائق تعني ارتفاع احتمالات الصدام العرضي، خصوصًا في بيئة يغلب عليها التوتر وانعدام الثقة.

خامسًا: إيران في حالة تأهب… وواشنطن وتل أبيب لا تغلقان باب الحرب
تبدو إيران اليوم في حالة تأهب عسكري مرتفع، وهي تحاول إيصال رسالة واضحة مفادها أن الضغوط لن تدفعها إلى الاستسلام، وأنها ما تزال تمتلك أدوات الردع والقدرة على تهديد المصالح الحيوية لخصومها.
في المقابل، فإن التصريحات الأمريكية والإسرائيلية التي تؤكد أن “بنك الأهداف لم يُستكمل بعد” تعكس أن الخيار العسكري لا يزال مطروحًا، حتى وإن لم يكن الخيار الأول حاليًا.
وهذا يعني أن التهدئة القائمة ليست تسوية استراتيجية، بل أقرب إلى وقف مؤقت للتصعيد، يمكن أن ينهار في أي لحظة إذا حدث خطأ ميداني أو تقدير سياسي خاطئ.

سادسًا: لماذا لا يريد أحد الحرب رغم التصعيد؟
رغم ارتفاع مستوى التوتر، فإن جميع الأطراف تدرك أن الحرب الشاملة ستكون شديدة الكلفة.
الولايات المتحدة تدرك أن:
• أي مواجهة واسعة مع إيران قد تؤدي إلى انفجار إقليمي متعدد الجبهات،
• وتهديد القواعد الأمريكية،
• وتعطيل إمدادات الطاقة العالمية،
• وارتفاع غير مسبوق في أسعار النفط.
أما إسرائيل:
فتعلم أن الحرب المفتوحة قد تفتح عليها جبهات متزامنة، وتستنزف قدراتها الأمنية والعسكرية لفترة طويلة.
وإيران أيضًا:
تعرف أن حربًا طويلة تحت الحصار والعقوبات قد تفرض ضغوطًا داخلية هائلة، اقتصاديًا واجتماعيًا وأمنيًا.
ولهذا، فإن الجميع يحاول البقاء عند “حافة التصعيد” دون السقوط الكامل في الحرب.

سابعًا: هل ما تزال الدبلوماسية ممكنة؟
رغم قتامة المشهد، فإن نافذة الدبلوماسية لم تُغلق بالكامل.
غير أن العودة إلى ما قبل الحرب لم تعد ممكنة بالصيغة القديمة، لأن البيئة الاستراتيجية تغيرت بصورة عميقة. ولذلك، فإن أي تسوية مستقبلية ستحتاج إلى مقاربة جديدة تشمل:
• الملف النووي الإيراني،
• أمن الملاحة البحرية،
• منظومة الردع الإقليمي،
• النفوذ الإيراني في المنطقة،
• الضمانات الأمنية لإسرائيل،
• ومصالح القوى الدولية الكبرى.
وفي هذا السياق، قد تلعب بعض القوى أدوارًا محورية، مثل:
• سلطنة عمان بما تملكه من خبرة في الوساطات الهادئة،
• قطر عبر قنوات الاتصال المفتوحة،
• وبعض القوى الأوروبية الساعية لمنع انهيار الاستقرار الإقليمي،
• إضافة إلى الصين التي تنظر إلى استقرار الخليج باعتباره ضرورة استراتيجية لأمن الطاقة،
• وروسيا التي لا ترغب في انفجار إقليمي واسع يعيد خلط التوازنات الدولية.

خاتمة: المنطقة بين الاحتواء والانفجار
تقف المنطقة اليوم أمام مفترق بالغ الحساسية.
فاستمرار التصعيد العسكري، وتضخم حسابات الردع، واتساع عسكرة المضائق، كلها عوامل تجعل احتمالات الانفجار قائمة في أي لحظة.
لكن في الوقت نفسه، فإن حجم الكلفة المتوقعة لأي حرب شاملة يدفع القوى الكبرى والإقليمية إلى البحث عن مسارات احتواء تمنع الانهيار الكامل.
ومن هنا، فإن مستقبل الأزمة سيتحدد بين مسارين متوازيين:
• إما نجاح الجهود الدولية في إعادة الأطراف إلى تفاهمات جديدة تحفظ الحد الأدنى من الاستقرار،
• أو الانزلاق إلى مواجهة واسعة قد لا تبقى محصورة بين واشنطن وطهران، بل تمتد لتشمل أمن الطاقة العالمي، والملاحة الدولية، والتوازنات الاستراتيجية في الشرق الأوسط بأسره، بتأثير أكبر على منطقة الخليج.

١٢ مايو ٢٠٢٦

اترك رد

error: Content is protected !!