الشراكة الروسية–الصينية تجاه إيران: إدارة التوازنات في نظام دولي قيد التحول!؟

تشهد بنية النظام الدولي منذ سنوات حالة إعادة تشكل متسارعة، تتداخل فيها الحرب الأوكرانية مع التوترات في الشرق الأوسط، وتتصاعد فيها المنافسة بين الولايات المتحدة من جهة، وكل من روسيا والصين من جهة أخرى. وفي هذا السياق، تبرز العلاقة الروسية–الصينية تجاه إيران باعتبارها أحد أكثر مسارات التفاعل الدولي تعقيداً، إذ تجمع بين الدعم السياسي المحدود، والتنسيق الدبلوماسي المحسوب، وتقاطعات المصالح التي لا ترقى إلى مستوى التحالف الصلب، لكنها تتجاوز في الوقت نفسه حدود التنسيق التكتيكي العابر.
كما أن الشراكات التقنية الاستراتيجية بين هذا الثلاثي (روسيا–الصين–إيران) تظل مقيدة ومضبوطة السقف، خاصة في مجالات التسليح ونقل التكنولوجيا والخوض المباشر في النزاعات، وهو ما يعكس حرص الأطراف الثلاثة على تجنب الانزلاق إلى التورط المباشر في الحروب الجارية، سواء في الحالة الأوكرانية أو في مسار التصعيد بين إسرائيل وإيران، بما يحافظ على هامش المناورة السياسية ويمنع تحويل التعاون التقني إلى التزام عسكري مفتوح.
تتضح أهمية هذه الشراكة في كونها تعكس نمطاً جديداً في إدارة التوازنات الدولية، حيث لم تعد العلاقات بين القوى الكبرى تُبنى على اصطفافات ثابتة، بل على شبكات مرنة من المصالح المتقاطعة، تُدار وفق حسابات دقيقة بين المكاسب والخسائر في ساحات متعددة.
أولاً: الفيتو المزدوج وإعادة تعريف الشرعية الدولية
يمثل الاستخدام المتكرر للفيتو الروسي–الصيني في مجلس الأمن بشأن ملفات مرتبطة بإيران أحد أبرز تجليات هذا النمط الجديد. غير أن دلالة هذا الفيتو تتجاوز البعد الإجرائي، لتصل إلى مستوى إعادة تعريف قواعد الشرعية الدولية نفسها، وجعل الحرب بلا غطاء شرعي.
فمن منظور موسكو وبكين، تتحول أدوات مجلس الأمن من آلية لتكريس الإجماع الدولي إلى ساحة صراع على تفسير القانون الدولي. وعليه، فإن تعطيل مشاريع قرارات تستهدف إيران لا يعكس بالضرورة تبنياً كاملاً لسياساتها، بقدر ما يعبر عن:
• رفض احتكار الولايات المتحدة وحلفائها لصياغة القرار الدولي.
• مقاومة توظيف العقوبات كأداة سياسية خارج الإطار الأممي.
• تثبيت مبدأ تعددية مراكز إنتاج الشرعية داخل النظام الدولي.
بهذا المعنى، تصبح إيران نقطة ارتكاز في اختبار أوسع يتعلق بحدود الهيمنة الغربية داخل المؤسسات الدولية.
ثانياً: روسيا وإيران — شراكة وظيفية في ظل الحرب الأوكرانية
تتعامل روسيا مع إيران ضمن منطق “الشراكة الضرورية” التي فرضتها ظروف الحرب في أوكرانيا والعزلة الغربية المتزايدة. فموسكو، وهي تخوض صراع استنزاف طويل الأمد، باتت بحاجة إلى منافذ سياسية واقتصادية وجيوسياسية تخفف من وطأة العقوبات.
في هذا الإطار، تبرز إيران كشريك وظيفي في عدة مجالات:
• دعم محدود في المجال العسكري والتقني.
• قنوات اقتصادية بديلة لتجاوز العقوبات الغربية.
• تنسيق سياسي في بعض الملفات الإقليمية ذات الاهتمام المشترك.
لكن هذه العلاقة تظل محكومة بسقف واضح، إذ تتجنب روسيا تحويلها إلى تحالف استراتيجي شامل، حفاظاً على توازناتها مع قوى إقليمية أخرى، وعلى قدرتها على المناورة في ملفات الطاقة والأمن الإقليمي.
ثالثاً: الصين وإيران — براغماتية اقتصادية وضبط سياسي صارم
تتخذ الصين مساراً مختلفاً في تعاملها مع إيران، يقوم على الفصل بين الطموح الاقتصادي والانخراط السياسي. فبكين تنظر إلى إيران من زاوية وظيفية ترتبط بثلاثة اعتبارات رئيسية:
• الأمن الطاقوي: ضمان مصادر مستقرة للطاقة في بيئة عالمية متقلبة.
• الموقع الجغرافي: إدماج إيران في مسارات مبادرة الحزام والطريق.
• توسيع النفوذ الاقتصادي دون تكلفة عسكرية أو سياسية عالية.
لكن في المقابل، تحرص الصين على تجنب الانزلاق في صدام مباشر مع الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، ما يجعل دعمها لإيران محدوداً ومحسوباً، يتمثل في حماية دبلوماسية داخل المؤسسات الدولية، واستثمارات اقتصادية انتقائية، دون التورط في أبعاد أمنية أو عسكرية، بنحو مشابه لروسيا.
رابعاً: إيران كفاعل توظيفي داخل بيئة دولية منقسمة
لا يمكن اختزال دور إيران في هذه المعادلة بوصفها طرفاً متلقياً للدعم، بل هي فاعل يسعى إلى إدارة التناقضات الدولية وتوظيفها لصالحه. تقوم الاستراتيجية الإيرانية على:
• تنويع الشراكات بين الشرق والغرب.
• الاستفادة من التباينات بين القوى الكبرى.
• الحفاظ على هامش مناورة إقليمي واسع.
غير أن هذه المقاربة تظل عرضة لقيود بنيوية، أبرزها اعتمادها على استمرار الانقسام الدولي، وعدم قدرتها على بناء منظومة تحالفات مستقرة وطويلة الأمد، ما يجعل موقعها في النظام الدولي قائماً على التوازنات الهشة أكثر من الثوابت الاستراتيجية.
خامساً: أوكرانيا والشرق الأوسط — تشابك مسارات الصراع
تتضح أبعاد الشراكة الروسية–الصينية تجاه إيران بشكل أكثر عمقاً عند ربطها بالحرب في أوكرانيا. فهذه الحرب لم تعد مجرد مواجهة إقليمية بين روسيا والغرب، بل تحولت إلى مركز ثقل يعيد توزيع الأولويات العالمية.
في هذا السياق:
• تسعى روسيا إلى تعويض عزلتها الغربية عبر توسيع حضورها في الشرق الأوسط.
• تعمل الصين على إدارة التوازن بين مصالحها الاقتصادية العالمية وتجنب التصعيد العسكري.
• بينما تحاول الولايات المتحدة الحفاظ على تفوقها عبر إدارة متعددة الجبهات.
هذا التشابك يجعل من إيران جزءاً من منظومة أوسع لإعادة تشكيل النفوذ العالمي، حيث تتقاطع ساحات الصراع بدل أن تنفصل.
سادساً: حدود الشراكة — تقاطع مصالح بلا تحالف صلب
رغم مظاهر التقارب الروسي–الصيني في الملف الإيراني، إلا أن هذه العلاقة تظل محكومة بجملة من القيود:
• اختلاف الأولويات الاستراتيجية بين موسكو وبكين.
• حساسية الصين تجاه استقرار أسواق الطاقة العالمية.
• براغماتية روسيا في إدارة علاقاتها الإقليمية المتعددة.
• استقلالية القرار الإيراني وتعدد مساراته الخارجية.
وبالتالي، فإن ما يجمع هذه الأطراف لا يرتقي إلى مستوى “محور استراتيجي”، بل يظل في إطار “التقاطع المرن للمصالح”، وصراع الارادات والنفوذ،القابل للتعديل وفق تغير موازين القوة الدولية.
خاتمة
تكشف الشراكة الروسية–الصينية تجاه إيران عن تحولات بنيوية في طبيعة النظام الدولي، حيث تتراجع أنماط التحالفات الصلبة لصالح ترتيبات مرنة تقوم على تقاطع المصالح وإدارة التوازنات بدل الحسم الاستراتيجي. وفي هذا السياق، تبدو إيران ليس فقط طرفاً في معادلة إقليمية، بل عقدة مركزية في صراع أوسع على إعادة توزيع النفوذ العالمي وإعادة تعريف قواعد الشرعية الدولية.
غير أن التطور الأكثر حساسية في هذا المشهد يتمثل في التباين المتزايد داخل المعسكر الغربي ذاته، ولا سيما في الموقف الأوروبي من الاصطفاف الأمريكي–الإسرائيلي في مسارات الحرب وتداعياتها الإقليمية. هذا التباين، وإن لم يصل إلى حد القطيعة الاستراتيجية، يعكس درجة من التمايز في الحسابات الأوروبية المرتبطة باستقرار الطاقة، وأمن المتوسط، وتداعيات التصعيد الإقليمي على الأمن الأوروبي المباشر.
هذا الانقسام النسبي داخل المنظومة الغربية يفتح هامشاً إضافياً لإيران في إدارة علاقاتها الخارجية، ويعزز من قدرتها على توسيع مساحات المناورة الدبلوماسية والاقتصادية، سواء عبر قنوات غير غربية أو عبر استثمار التباينات داخل المعسكر الغربي نفسه. كما يمنح روسيا والصين مساحة أوسع لتثبيت مقاربتهما القائمة على تعددية الأقطاب، وتعميق فكرة أن النظام الدولي يتجه نحو توازنات غير أحادية، تتداخل فيها التحالفات التقليدية مع اصطفافات ظرفية متغيرة.
وعليه، فإن مستقبل الشراكة الروسية–الصينية تجاه إيران سيظل مرهوناً ليس فقط بتوازنات القوة بين الشرق والغرب، بل أيضاً بدرجة التماسك داخل الغرب ذاته، وبقدرة الأطراف جميعاً على إدارة صراعاتها دون الانزلاق إلى إعادة إنتاج شاملة للفوضى الاستراتيجية في النظام الدولي.
—————
٢٩ أبريل ٢٠٢٦م



