الرواية الأولى

نروي لتعرف

الرأي

الحوار السوداني ـ السوداني .. الحل يولد من الداخل

سالي زكي

كيف يُحكم السودان؟ سؤال ما زال جوابه مرتبطًا بفكفكة جذور الأزمة السودانية. وبينما يعالج السودانيون أزمة الحكم بالجواب علي من يحكم السودان؟ تتسع أزمة السؤال الأهم: كيف يُحكم السودان؟

توحيد الرؤية حول نظام الحكم أصبح ضرورة، لأن أزمة الحكم وشرعيته واحدة من أزمات التنمية السياسية الخمس حديثًا، أو الثلاث الأساسية كما ذكرها Samuel P. Huntington. وإذا لم نطور مقدراتنا السياسية لفهم جذور الأزمة، سنظل ضمن دول العالم الثالث، بينما يتميز العالم الأول بقدرته على حل قضاياه عبر تطوير أدواته الديمقراطية.

لذلك، وجب على السودان اليوم، بكل مستوياته، معالجة جذور أزماته. هذه القضايا أصبحت واضحة حتى لعامة الشعب، من أزمة الهوية، إلى الشرعية، والمشاركة السياسية، وتوزيع الموارد، بالإضافة إلى أزمة التغلغل. وهي أزمات تندرج تحتها معظم أزمات السودان والعالم الأفريقي.

إذا أردنا الوصول إلى دولة العدالة والمساواة في المواطنة، بقانون يشبه التنوع السوداني وإرادة شعبه، فلا بد من الجلوس إلى دائرة مستديرة تجمع أهل السودان برمزياتهم المختلفة.

هذا الحوار ظللنا ننادي به طويلًا، كما استجاب له المجتمعان الدولي والإقليمي، وحتى الفواعل السياسية. لكن محاولات تهيئة المناخ ظلت عاجزة عن فرض قرارات قابلة للتنفيذ على أرض الواقع. والسبب الأهم أن القرار يجب أن يكون سودانيًا، كما أن الحوار نفسه يجب أن يكون سودانيًا.

وأي محاولة للفرض أو التدخل الخارجي، حتى إن جاءت تحت مسمى “التسهيل”، تظل نوعًا من التدخل السياسي، خاصة أن قضية السيادة الوطنية أصبحت شديدة الحساسية في ظل التدخل الإقليمي والدولي في الحرب السودانية.

ورغم ذلك، لعبت المبادرات الخارجية دورًا إيجابيًا في تهيئة المناخ وبناء الثقة لأنها جمعت أصحاب القضية السودانية على طاولة واحدة، وأسهمت في تخفيف الاحتقان. لكنها ما زالت عاجزة عن الوصول إلى مخرجات قابلة للتنفيذ كما انها في بعض الأحيان كانت تعمق الأزمة وتربك المشهد، بسبب غياب سلطة وطنية تملك القدرة على تنفيذها.

إذًا، المتفق عليه هو ضرورة قيام حوار سوداني يجمع السودانيين وأصحاب المصلحة، على مبادئ واضحة. أهمها الحفاظ على وحدة السودان أرضًا وشعبًا، وصون سيادته، والإيمان بأهمية التحول الديمقراطي، وصولًا إلى دولة مدنية ديمقراطية عبر صناديق الاقتراع والانتخابات.

المأزق الحقيقي الآن أننا ما زلنا نعاني من أزمة ثقة، كما أن تضارب المصالح يعرقل الوصول إلى إجماع سياسي.

وبما أن أزمة السودان أصبحت واضحة للجميع، فإن الحقيقة الأساسية هي أن أي عملية سياسية تبدأ بالحوار. وهنا يبرز السؤال هل يبدأ الحوار السياسي الآن أم بعد انتهاء الحرب؟

للإجابة على هذا السؤال، لا بد من النظر إلى إمكانية أن يقود الإجماع السياسي وتوحيد الرؤية إلى مشروع وطني واضح. ولكي تصبح مخرجات الحوار ملزمة، يجب أن تتم تحت رعاية الدولة، مع أهمية حصولها على مباركة أصدقاء السودان، خصوصًا بعد جهودهم الطويلة في بناء الثقة عبر الاجتماعات التحضيرية.

إذًا، في كل مرة يحدث انقلاب مدني باستعانة عسكرية، ماذا لو حدث هذه المرة استقرار سياسي باستعانة المدنيين بالمؤسسة العسكرية، من أجل حوار شامل لا يُقصي إلا من عليه عقوبات أو إدانة، أو من لا يؤمن بوحدة السودان وسيادته، أو من لا يريد له أن يصبح دولة ديمقراطية؟

الوقت الآن مواتٍ للتنازل والتسامي فوق الخلافات الصغيرة من أجل السودان والسودانيين.

والحقيقة أن الحوار، إذا تم تحت رعاية الدولة وبتسهيل منها، سيكون أقصر طريق نحو الاستقرار والسلام المستدام، والمصالحة الوطنية والدولية، من أجل كرامة أهل السودان .

اترك رد

error: Content is protected !!