
—-

✍🏼 د. محمد حسب الرسول
عظيم هو الرزء حين تنطفئ منارة الفكر في لجة التيه، وفادحة هي الخسارة حين يترجل من كان لليل الأمة مصباحاً وفي ظلمات الأزمات هادياً. غاب عن دنيانا الدكتور سيف الدين محمد أحمد، فحل الأسى في مكان ذلك الحضور الذي كان يضوع حكمة ووقاراً، وأظلمت من بعده آفاق كان هو بصيرتها التي تستشرف القادم بوعي نافذ
اجتمع في سيف عقلٌ استراتيجي فذٌ يُشار إليه بالبنان، وقامةٌ أخلاقية شامخة ترفّعت عن الدنايا في زمن تهافتت فيه الهمم. كان نَدِيّاً حَفِيّاً لم تغره المغانم، سخّر عبقريته لخدمة وطنه بصمت الواثقين وعطاء المخلصين، لا يبتغي من الدنيا جاهاً ولا من السلطان مكاناً. لقد ارتقت به همته فآثر الفكرة على كل زائل، وفضل المبدأ على ما سواه، فاجتمع فيه رصانة العالم وعفة الزاهد، وجزالة العلم ورقة السجايا، فكان تجلياً لنبل نادر.
كان خفيض الصوت، دائم التدبر، كأنما يستنطق الغد بهدوء مهيب. وفي زحام المغريات، تشبّث بأخلاقه فلم ينحنِ، وتمسك بفكره ووفائه كعقيدة لا تقبل المساومة. استقر حبه في سويداء القلوب بعيداً عن بريق زائف وزخرف متاع فاني، فكانت سيرته باذخة ومعدنه نقياً لم يزده الابتلاء جوهره إلا لمعاناً. وفي مثله يقال:
حَسَنُ الخَلائِقِ، نَقِيُّ الثَّوْبِ، مُنْتَهِيٌ … عَنِ الدَّنَايَا، صَدُوقُ الوَعْدِ، وَفَّاءُ
لقد كان سيف “أمة في رجل”، حمل في جبينه ذكاءً متأصلاً وعبقريةً مشهودة، ومضى بهما إلى حواضن العلم الأمريكية، متوجاً بدكتوراه الدراسات الاستراتيجية والمستقبلية في العلاقات الدولية، ومبدعاً لنظرية فذة في استشراف الأزمات والقضايا، اعتمدتها القوى العظمى منهجاً في قراءة التحولات الدولية منذ عقود وما تزال. ومع ذلك، حين ناداه الوطن، ترك الرفاه خلف ظهره، وعاد ليضع أول استراتيجية وطنية في الاقليمين العربي والأفريقي. عاش على الكفاف برغم قدراته التي كانت لتفتح له خزائن الأرض، فاختار أن يكون غنياً بقناعاته، وفياً لأفكاره، بسيطاً في عيشه، عظيماً في أثره. وقد صُبَّ ذلك كله في قالب من التواضع جميل:
كَأَنَّكَ رُوحٌ في جُسُومٍ كَثِيرَةٍ … وَإِنَّكَ شَمْسٌ وَالمُلُوكُ كَوَاكِبُ
لم يختبر القدر أحداً كما اختبر سيفاً؛ فالسجون لم تكسر شموخه، والفقر لم يخدش أنفته، والمرض لم يُفلّ عزمه. واجه بطش القريب وضيق ذات اليد بأخلاق الأنبياء، صابراً في صمت العارفين الذين يرقبون وراء المحنة حكمة الله، فلم ينزف وجعه في آذان الناس، بل احتسبه عند الله، وسكبه حباً وإحساناً وعطاءً لا ينقطع. كانت يده ممدودة بالخير برغم جراحه النازفة، معتبراً الابتلاء معبراً لصفاء الروح وطهارة المقصد. وقد صدق فيه قول القائل:
أَفِيضُ عَلَى النَّفْسِ الصَّبُورِ تَعَفُّفاً … وَأَبْسُطُ كَفِّي لِلْمَكَارِمِ وَالْوَفَا
وحين نستحضر سيرته، نتذكر أيضاً قول الشاعر نصر الدين شاويش:
إِلَهِي يَسِّرْ عَلَيْهِ فَقَدْ تَوَلَّى *** حَمِيدَ العَهْدِ مَحْمُودَ الخِصَالِ
يَقُودُ الخَيْلَ لِلْعَلْيَاءِ تَتْرَى *** وَيَرْعَى الحَقَّ في الحِلِّ الحَلَالِ
يُقَاسِي الوَصْبَ مُحْتَسِباً صَبُوراً *** لِيَخْتِمَ بِالصَّلاحِ وبِالْكَمَالِ
نعم، كان حميد العهد، نقي السريرة، حسن الخلق. ذاك الجسد النحيل الذي حمل عقلاً استثنائياً وروحاً زاهدة، فارساً لا يركن للوهن، يرعى الحق حيث يكون. قاسى الألم محتسباً، فكانت آلامه آخر محطات التنقية، ليرحل وقد تكامل فيه النقاء والصفاء الإنساني.
سيف.. صبر الأنبياء في محراب الفكرة.. وسيرة باذخة في عمر من كفاف؛ ذلك هو سيف الدين، تلخيص سيرة في سطر، واختزال عمر في كلمات
واليوم، وقد توارى ذلك الجسد الذي حمل أعباء أمة، نستذكر أن “المنايا تصطفي كل سمح النفس الوفي”. ستشتاق الصباحات لوقارك يا سيف، وتبكيك الأيام والسنون، وتبكيك الفكرة التي آوَتْ إليك، والوطن الذي لم يعد يسمع وقع خطاك، ورفاق الحق الذين فقدوا فيك ظلاً وسنداً. رحلت خالي الوفاض من زينة الدنيا، موفور الحظ من حب الناس وقبول القلوب، فغادرتنا بجسدك لتسكن ضمير التاريخ سيرة وضاءة لا يطفئها الزمن.
فسلام على روحك الطاهرة، وعذراً إن قصرت العبارة في وصف من كان “سيفاً” للعقل و”درعاً” للقيم. سنظل على العهد، نحمل الأمانة من بعدك، متشبثين بالوفاء للمبدأ والإنسان. سنذكرك كلما التقينا على كلمة صادقة، وكلما تذكرنا معنى الصمود في وجه المحن.
اللهم ارحم نفساً عفت فاستعفت، وصبرت فظفرت، واجعل الفردوس مستقراً لها. رحلت عنا يا سيف صفنا، بعد أن أوفيت بالوعد، وحفظت الأمانة، وبذلت الجهد. لك منا وفاء الذاكرة، وصدق الدعاء. إلى جنات النعيم في السابقين المقربين، يا صابراً محتسباً، يا نقي السريرة ناصع العطاء. رحمك الله رحمة تسع الأرض والسماء.
مَا كُنْتُ أَحْسَبُ قَبْلَ دَفْنِكَ فِي الثَّرَى … أَنَّ الكَوَاكِبَ فِي التُّرَابِ تَغُورُ





