الرواية الأولى

نروي لتعرف

الرواية الأولى / مجدي عبدالعزيز

حين ينزل رئيس الوزراء الي سوق امدرمان الكبير

مجدي عبدالعزيز

▪️ليست كل القرارات تُصنع خلف المكاتب المغلقة، ولا كل الرسائل السياسية تُلقى عبر المنصات الرسمية. أحيانًا تكون أكثر الرسائل تأثيرًا تلك التي تُقال وسط الناس، في الأسواق، وبين أصحاب الدكاكين، وعلى أرصفة المدن التي أنهكها عدوان المليشيا الغادر لكنها لم تنكسر.

▪️ومن هذه الزاوية يمكن قراءة الزيارة المهمة التي قام بها رئيس الوزراء البروفيسور كامل إدريس إلى سوق أمدرمان الكبير – برفقة وزير الإعلام ووالي الخرطوم وأمين عام مجلس الوزراء – في مشهد حمل أبعادًا تتجاوز حدود الجولة التفقدية التقليدية، ليؤسس لمعنى جديد في علاقة السلطة بالمواطن بعد سنوات الحرب القاسية.

▪️فسوق أمدرمان الكبير كما تعلمون ليس مجرد مركز تجاري عادي، بل ذاكرة اقتصادية واجتماعية ووطنية تختصر روح السودان ،، وحين يختار رئيس الوزراء أن يذهب بنفسه إلى هناك، وأن يستمع مباشرة للتجار وأصحاب المصالح ، ويتابع تفاصيل إمدادات الكهرباء والمياه و تحصيل الرسوم والتصاديق، فإنه يبعث برسالة واضحة مفادها أن الحكومة تضع يدها على الجرح الحقيقي للمواطن في المعيشة والاستقرار والخدمات.

▪️اللافت في الزيارة لم يكن فقط الطواف وسط شوارع السواق والمحلات ، وإنما طبيعة القرارات التي صدرت من قلب السوق ووسط تجمعات اصحاب المصالح وهي قرارات تحمل فهمًا واقعيًا لما خلفته الحرب من أعباء اقتصادية خانقة على النشاط التجاري والأسواق.

▪️القرار الخاص بإلغاء أو معالجة الرسوم المقررة خلال سنوات الحرب، والتوجيه بتعميم ذلك على كافة أسواق السودان، يُعد خطوة بالغة الأهمية في تخفيف الضغوط عن التجار، خاصة أولئك الذين صمدوا في ظروف بالغة القسوة، وحافظوا على دوران عجلة الاقتصاد رغم الانهيار والاضطراب الأمني وتعطل الخدمات.

▪️كما أن تخفيض رسوم التصاديق الموسمية من 800 ألف إلى 400 ألف جنيه يحمل بعدًا اقتصاديًا ونفسيًا مهمًا، لأنه يبعث برسالة مفادها أن الدولة لا تنظر إلى التاجر باعتباره مجرد وعاء للتحصيل والجباية، وإنما شريكًا أساسيًا في عملية التعافي الوطني وإعادة بناء الاقتصاد.

▪️ولعل أكثر ما يستحق التوقف عنده هو حديث رئيس الوزراء الواضح والصريح عن محاربة التحصيل غير القانوني، ووصفه الدقيق بأن ( الجبايات غير القانونية أفقرت المواطن ولم تغنِ الدولة ) هذه العبارة وحدها تختصر سنوات طويلة من المعاناة التي عاشها المواطن والتاجر معًا تحت وطأة الرسوم المتعددة والعشوائية التي أنهكت الاقتصاد وأضعفت حركة السوق.

▪️إن الانتقال نحو الدفع الإلكتروني عبر منصة “بلدنا” يمثل كذلك خطوة في الاتجاه الصحيح، ليس فقط لضبط الإيرادات ومحاربة الفساد، بل أيضًا لبناء دولة حديثة تقوم على الشفافية وتقليل الاحتكاك المباشر الذي طالما فتح أبواب التجاوزات والاستنزاف غير القانوني.

▪️ثم تأتي الرسالة الأهم في ختام الزيارة، حين أكد رئيس الوزراء أن الخرطوم آمنة ومستقرة، وأنها ستظل كذلك رغم كل الاستهداف. ففي ظل الحرب النفسية والشائعات ومحاولات بث الخوف، تصبح مثل هذه الزيارات الميدانية فعلًا سياسيًا ومعنويًا كبيرًا، يعيد الثقة للناس، ويشجع عودة النشاط الاقتصادي، ويطمئن المستثمر والتاجر والمواطن معًا بأن الدولة موجودة وسط شعبها، لا بعيدة عنه.

▪️لقد أدركت الشعوب التي خرجت من ويلات الحروب أن إعادة الإعمار لا تبدأ بالإسمنت وحده، وإنما تبدأ أولًا بإعادة بناء الثقة. والثقة لا تُبنى بالبيانات الرسمية فقط، وإنما بحضور القيادة وسط الناس، وبالقدرة على اتخاذ قرارات شجاعة تُخفف عن المواطن وتعيد الحياة إلى الأسواق والشوارع ومؤسسات الدولة.

▪️ومن هنا فإن القيمة الحقيقية لهذه الجولة لا تكمن فقط في القرارات التي أُعلنت خلالها، بل في الفلسفة التي تقف خلفها ، فلسفة الدولة القريبة من مواطنيها، التي تستمع إلى شكاواهم مباشرة، وتتعامل مع الاقتصاد باعتباره قضية استقرار وطني لا مجرد أرقام في دفاتر الإيرادات.

▪️كما أن مثل هذه الزيارات تساهم في ترميم الحالة النفسية العامة للمجتمع، لأن المواطن الذي يرى رئيس وزرائه يتحرك وسط الأسواق ويخاطب همومه اليومية، يشعر بأن الدولة استعادت عافيتها تدريجيًا، وأن مرحلة جديدة بدأت بالفعل، عنوانها العمل الميداني والانحياز الحقيقي لمعاش الناس.

▪️ولا شك أن الأسواق السودانية، التي عانت من التراجع والركود وارتفاع تكاليف التشغيل خلال سنوات الحرب، تحتاج اليوم إلى حزمة واسعة من الإجراءات المشجعة، تبدأ بتخفيف الرسوم، وتمر بتحسين الخدمات، ولا تنتهي عند توفير الأمن والاستقرار. ولذلك فإن القرارات الأخيرة تمثل بداية مهمة يمكن البناء عليها إذا ما استمرت الدولة في ذات النهج العملي الواقعي.

▪️إن السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى خطابات الأمل، بل إلى صناعة الأمل على الأرض كما يفعل الان رئيس الوزراء . وهذا ما تمنحه مثل هذه الجولات حين تتحول الدولة إلى قيادة تتحرك بين الناس وتلمس احتياجاتهم مباشرة.

▪️وإذا استمرت حكومة الأمل بهذا النهج القائم على الحضور الميداني، والمعالجة الواقعية، والانحياز الصادق للمواطن، فإنها ستنجح في استعادة جزء مهم من الثقة الوطنية التي يحتاجها السودان اليوم أكثر من أي وقت مضى.

فالأسواق حين تطمئن… تطمئن البلد ..

والي الملتقي

اترك رد

error: Content is protected !!