
لم تكن إلا تلك الأيام الشاغلة بالتكاليف والعمل حين فجعني نبأ رحيل الصديق النادر الشيخ طه المهدى الكباشى وقد مضت عليه أيام، الوسائط لا تعرف القربى ولا المواساة ولا تحفل أن يقف قلبك من المفاجأة ولا تعرف أين وكيف تكون، ولا تعلم أننا قد شتت بنا الديار ونزعت بنا المدن وقلت طاقتنا على الاحتمال، وهو ما اختارته لى فى يومى ذاك من زمانى هذا وهى تضع يدها الباردة على كتفى وتشير الى الفراغ المفزع الكبير الذي تركه الرجل الكبير.
توهمت لأول وهلة أن الشيخ طه قد أسلم روحه إلى بارئها فى ألمانيا حيث ذهب مستشفياً قبل أعوام ولكن ما أن جاءني صوت إبنه خالد طه الكباشى حتى تيقنت من أن الإنسان يموت على النحو الذى عاش حياته، أكد لى خالد أن والده توفى في المدينة المنورة جوار الجوار الكريم الذى عشقه وظل يشد الرحال اليه كل عام وأحياناً مراتٍ فى العام الواحد، ودفن فى البقيع مع الجماعة الكريمة الممتدة بظلها الصالح وأريجها العبق عبر القرون وحيث يهفو كل مسلم أن تكون ضجعته الأخيرة بينهم. كانت رسالة خالد واضحاً تذكرنى أن والده مات موتاً جميلاً يليق به، وكما عاش بين أبنائه وأهله لم يغب منهم أحد، فهو منذ أن رأى الأجل يدنو به إلى البرزخ الأبدى بين الحياة والموت حيث يبصر الصالحون من النساء والرجال ويرون هنا وهنالك، يرون طواف الملائك ويسمعون حديث أهلهم إلى جوارهم، لكن الشيخ طه دعا بناته وأبنائه ليكونوا حوله فى مدينة الرسول عليه السلام، ثم تداعى الأقربون من الأعمام والأخوال وأبناء الأخ وأبناء الأخت، كأنما الكباشى قد جمعت خلاصتها الصافية فى مدينة الصفاء، هل قلت كأنما بل هى جمعت صفها الأنقى حول الرجل الأنقى، وهو فى كامل هيئته لم ينقص من حضوره المهيب شئ فلم يهزل جسمه ولم يشحب لونه ولم يهرف عقله، بل طلب منهم جميعاً السكون والهدوء عن أيّما حركة والصمت عن الكلام وتلاوة القرآن وحدثهم أن الملائكة تحضرهم وتحضره فى هذه اللحظة الفارقة قبل أن يغمض عينيه للمرة الأخيرة ويختم رحلة الدنيا نحو الضفة الأخرى، نحو عالمٍ فسيح تحفه الرحمة ويسبغه الجمال.
لقيت الشيخ طه أول مرةٍ فى العام ١٩٨٦ والليل يمضى نحو الهزيع الأخير فى ذات داره المطلة على واحة الكرم والكرامة، أيامنا تلك كنا ننشط كالنحل نجوب مدن السودان وقراه وقفاره وأصقاعه النائية، نزعم أننا ندعوا السودانيين إلى سفينة نوح فى يقين صوفى من ركب معنا فقد نجا، وحين انتهى بنا الترحال إلى مركز الكباشى دعتني الجبهة الإسلامية لمرافقة السيدة الكريمة والحديث معها فى الندوة السياسية ولم يكن لي إلا أن أجب، وحين انختمت المناسبة وتهيئنا للعودة إلى ديارنا في الخرطوم، ارتفعت الأصوات أن هنالك موقف لابد من الوقوف عنده منزل الشيخ طه وقد كان. أذكر أن الشيخ وقد اصطفت سياراتنا عند بابه يخرج إلينا بذات طلعته الوضيئة وهدوئه السابغ الذي لم يفارقه أبداً، لم يصخب ولم يرتفع صوته ولم يتنزل علينا بالحلائف أو يخاصمنا بالطلاقات بل دعانا فى هدوء إلى النزول ومباركة ذبيحته وذوق طعامه، ذلك تقليد دارج ومعتاد فى هذه الديار لكن فى ذلك الزمن المتأخر وفي حضرة السيدة، السيدة قطعت قول هاجس وخطيب ( أهلنا قالوا لو قعدته للحول ما تفوت بخاطر زول ). واليوم بعد كل تلك الأعوام والسنين هل استحقت تلك الرحلة كل ذلك العناء أم أن ما بحثنا عنه وكدحنا فى سبيله قد تركناه خلفنا ببسطام، أما كانت تكفى الكباشى وابو قرون وكدباس والشيخ الياقوت والشريف الناجى فى كردفان وقلعة السمانية فى أمدرمان مسيد الشيخ الفاتح ابن الشيخ قريب الله ونقاط التيجانية المضيئة حيث كانوا، وغيرهم كثير مما هو أكبر وأكرم من مقالتي فلم أذكر إلا ما يحضرنى ممن تشدنى اليهم وشائج وعلاقات ، أكان لزاماً نلقى أولئك الأغراب ونكلف الناس كل ذلك العناء.
لقد ظل مركز الكباشى إحدى الرواسي التى كانت تحفظ أرضنا أن تميد شأن مراكز اخرى لا تعرف كيف تسميها قرية أم مدينة أو حاضرة بل مركز فى زمن تترقرق فيه الركائز، كان الشيخ طه مركز فى المركز ولا ريب أن الشيخ عبد الوهاب خليفة تلك السجادة قد تلفت مرتين يتبين الأرض حوله عندما بلغه نبأ وفاة أخيه وعمه طه، ولا ريب أن رحيل طه قد بعث كل أحزان الذين رحلوا وتركوا الارض كأنها بلقع لا تحفظ الماء ولا تنبت الكلأ، وفي أولهم منارة الكباشى لزمان خلى الشيخ بابكر العاقب الكباشى رفيق طه وقريبه فى رحلة العمر القصيرة، فما كان فقدان طه فقد واحد ولكنه بنيان قومٍ تهدما. عمل طه منذ صباه الباكر فى كل مجال فى الزراعة منذئذٍ ومات ومازالت مزارعه يانعة من كل زوج بهيج وممتدة سواراً يحيط بالكباشى، كما عمل فى التجارة وأوسع الله له رزقه منها من استيراد السيارات وبيعها بل وتأسيس مراكزها التى أضحت مشهورةً فى الخرطوم بل وفى السودان كله واتسعت تجارته لتشمل كل سلعة، كما كان نشيطاً حيث فسح له العمل الصالح مجال وطفقت المساجد والخلاوي تحمل إسمه من جوار الكباشى الى أطراف المنطقة المعروفة اليوم بشرق النيل، ولعله من القائل الذين جمعوا بين عمل المراكز الصوفية وعمل الادارة الأهلية فهو أيضاً العمدة طه، يحدثك أن له من الأعمام والعمات بضع وثلاثين فقد تزوج والده مثنى وثلاث ورباع وورث عنه العمودية على كل أولئك، وكأنما لم يكن يكفيه ذلك فشمل نشاطه العمل الريفى وتوثقت صلته بصفةٍ خاصةٍ مع مراكز الزاكياب من قريب ومع مراكز البطاحين الأبعد عنه وشدته اليهم وشائج عميقة من العمل الصالح، فمنذ أيام الرئيس جعفر نميرى إنتظم فى لجان الريف، وصحبه أى الرئيس نميرى إلى ليبيا حيث شارك لجانهم الشعبية فى افتتاح النهر العظيم وحيث كانت العظمة شأن كل عمل ليبي يوم إذٍ، وقبل ذلك وبعده وأثنائه فهو مشدود إلى قباب أجداده ومركزهم الروحى لا يكاد يغفل عن شأن من شؤونها، يحفظ سنتهم وتقاليدهم ولا ينى يُحيّ صفاتهم الكريمة وعلى رأسها الكرم الحاتمي المدرار الذي لا ينحسر مهما شدت الظروف فضلاً عن أن ينقطع أو يقف.
والحق أن الشيخ طه منذ وقفتنا تلك فى العام ٨٦ ظل موصولاً بالجبهة الإسلامية ومشروعها وعملها، ولعله أول من كسر على حكومة الإنقاذ عزلتها حين دعاها إلى مركز الكباشى فى أول لقاء جماهيرى ظهر فيها قادتها ولما تمضي أشهر على إنقلابها، كما ظل سنداً لأنصارها فى محيطه ومنطقته إلى أن نقضت غزلها وتفاصلت وجوهها فكف عنها وصمت دون نزاعها، فقد كان سماته رحمه الله الوضوح والجهر سوى أن شقاقنا ذاك ألزمه الصمت فقد كان شأنه شأن الكثيرين يضع علينا آماله ويرى فينا النجاة لحاضره ولمستقبل أجياله المقبلة، فقد كان أفقنا مبهراً وخلابّاً ولم يكن كله سراباً إذا جئته لم تجد فيه شئ.
رحم الله الشيخ طه فكما قابلته أول مرة في داره بالكباشي حيث غاصت الجذور وسمقت القامة، لقيته فى المرة الأخيرة فى شقته بالقاهرة وقد لجمت الحرب لسانه مرةً أخرى وهو يتجرع مع الملايين مرارة المنفى، ولكنه كذلك فى هدؤه السابل لم تبدله الحرب كما بدلت الكثيرين ولم تجعله صخاباً ولا لعاناً، بل وكأنه يصوب نحو المجهول المعلوم لا بارك الله فيمن أشعل النار وأخرج الناس فى غفلتهم من ديارهم، وبارك الله في بناته و أبنائه دفع الله والنيل والكباشى ومحمد وخالد والعزاء موصول لهم و زوجته ورفيقة دربه الطويل القصير الحاجة زينب ولأهل الكباشى كافة فقد فقدوا عماداً في زمانٍ كثيرٌ زعازعه.







