
عندما كانت المليشيا المجرمة تَتَبختَر فى شوارع الخرطوم وتَفتخِر بإنتهاك الأعراض وسفك الدماء وقتل الأبرياء فى طول البلاد وعرضها كانت جماعة ( ظلوط ) تُغَنِّى لها : عقبال بيك نفرح يا زينة نشرب شرباتك يازينة نوقد شمعاتك يا زينة ..!! وتتبادل معها أنخاب الخيانة فرحاً بتقدم الكلاب المسعورة وإستباحتها لولايتى الجزيرة وسنار .. فرأينا رقصة الهياج والفرح الهستيرى الصاخب الذى عَمَّ مضارب القوم وحوائطهم وصفحاتهم الشخصية .. وحينها كان الناس فى بلدى ينتحبون فى صمت والأخبار والأحداث تتوالى : ( مدنى سقطت .. مشروع الجزيرة أُحتُلَّ .. ود النورة والهلالية والسديرة وغيرهما يتعرضون للإبادة الجماعية .. قُرَى الجزيرة بأكملها تتهاوى ..!! ) .
وعلى الرغم من التمالؤ الإقليمى الدولى ومساندتهم للمليشيا التى ظَلَّت تنهش فى جسد دولتنا وتبتلع وتزدرد بعض أجزائها إلاَّ أن أهل السودان لم يتيهوا عن الطريق القويم والصراط المستقيم فأوصدوا أبواب الغدر والخيانة أمام تلك الفقاعات المسمومة التى أرادت أن تنشر خبثها .. ولبس الأوفياء منهم لَامَّة الحرب وقاموا بالواجب الوطنى ( عَينَاً وكفاية وجمعوا بين الحُسنيين نصراً وشهادة ) وأفشلوا المخطط الذى قادته الدويلة الخبيثة لإفراغ بلادنا من أهلها ليعيشوا ما تبقى من أعمارهم فى المنافى والملاجئ بمهانة وحسرة حُزناً وألماً على فقدان الأهل الأحبة ورفقاء العمر وتلف المال وضياع الدور والأصول .. وظَلَّ الشعب المقهور طيلة فترة الحرب وإلى اليوم يبصق على شاشة الجزيرة وضيوف أحمد طه الذين كانوا يتراقصون طرباً بسقوط المدن والبلدات ويستنكرون مطالبة المليشيا بالخروج من منازل المواطنين والأعيان المدنية وينظر إليهم بإزدراءٍ شديد ..!! ورغم كل ذلك ظَلَّت عاصمتنا شامخة كأنه لم يمسها الضر ، ووجدها أهلها بعد أن بدأوا فى الرجوع إليها أكثر قوةً وصلابة رغم سواد الأبخرة ورماد الحريق .. ونيلها أكثر عذوبةً وأرضها أكثر خصوبةً وشوارعها أكثر نظافةً .. ولم يجدوها ركاماً وأطلالاً كما أُريد لها .. والناظر إليها هذه الأيام يجد أنَّ مبادرة تشجير الخرطوم لتكون أكثر خُضرةً ونضارةً التى تتبناها مجموعات شبابية واعية قد كشفت عن طاقات وعقول يُتَوَسَّم فيها الخير الكثير لو نجحت الدولة ممثلة فى السلطة التنفيذية من إحتضانها ورعايتها للإستفادة منها فى حملة الإعمار وإعادة البناء فهم لايحتاجون من الدولة إلاَّ الرعاية وفتح الأبواب الحكومية المغلقة وتوفير البيئة المهيأة وتجهيزهم بأدوات الإنتاج لإطلاق مشاريع التنمية فلديهم عبقرية مدهشة ومبهرة فى تحويل القدرات الإبداعية إلى طاقة إنتاجية ضخمة .. فإن لم تفعل الدولة مايجب فعله تجاه أولئك الشباب فسيأتى غيرها ويوجه طاقاتهم نحو الخراب والتدمير بدلاً عن البناء والتعمير كما حدث من قبل حيث إستطاعت قلة منحرفة وطنياً التأثير على أكثرهم بما تملك من أدوات وبما تملك من مال للإستحواذ على إرادتهم وتدمير أفكارهم على نحوٍ مغاير للوطنية والقيم السودانية لإلحاق الضرر والأذى بالدولة ومؤسساتها العسكرية والأمنية والمدنية ، فرأينا ليالىَ للمتاريس وليس ليلة واحدة ..!!
وهاهو المارد السودانى الشاب يتحرر من محبسه بعد أن عاش المآسى نزوحاً ولجوءًا وقد أدرك أن ضياع الوطن يعنى ضياع كل شئ وفقدانه فقدانٌ للذات وللهوية وهلاكاً بين مراكب الموت عبر البحار ومركباته عبر الصحارى والجبال .. كما أن شبابنا أدركوا أن الثورة والنضال لايكونان بالتظاهر ليل نهار ولا بالإعتداء على المؤسسات العامة والخاصة ولابالتتريس وتعطيل مصالح العباد إنما بمثل هذه الأعمال الإيجابية التى إنتظمت البلاد من تشجيرٍ ونظافةٍ وتجميلٍ .. وأدركوا أنّ الوطنية الحَقَّة إنتماءٌ وولاءٌ ومساهمة فى البناء والإعمار ، وهو أمرٌ لايتأتى جبراً ولا غصباً ولا فرضاً ولا إلزاماً بل هو إحساسٌ صادق تُحرّكه النفس الأبيَّة .
بورك فى شبابنا وهم يَسُدُّون الخَلل حيثما كان ، ويزيلون من وجه عاصمتنا البثور والدمامل ويُجملونها ويُجمرونها ويغرسون فى أرجائها الأشجار والزهور ويجهزونها لأهلها كما تُجهز العروس ليلة عرسها .. فما أجملكم يا شباب السودان وأنتم تستشرفون مستقبلاً أفضل لوطنكم من بين فرث الماضى ومعطيات الحاضر .. والكأس كاسكم وإنتوا أهله ..!!
حفظ الله بلادنا وأهلها من كل سوء .
✍🏾 لواء شرطة ( م ) :
د . إدريس عبدالله ليمان
السبت 14 فبراير 2026م


