

تعقد المانيا مؤتمرا في برلين في ١٥ ابريل الجاري حول السودان. وجريا على ما سبقه من المؤتمرات التي عقدت حول السودان منذ اندلاع الحرب – في لندن وباريس ونيويورك – لم تُدع الحكومة السودانية للمشاركة. غير أن هذا المقال لا ينشغل بمسألة من شملتهم الدعوات ومن استبعدوا منها. ولا بما سيناقش في المؤتمر أو لن يناقش. وإنما ينصرف لسؤال أكثر جوهرية، هو: لماذا ألمانيا! وما لألمانيا والسودان؟
فعند النظر في المؤشرات التقليدية التي تحكم أولويات السياسة الخارجية لدى معظم دول أوروبا تجاه العالم الثالث – التي هي التجارة والهجرة – نجد أن السودان لا يحتل موقعا متقدما في الحسابات الألمانية. فالتبادل التجاري بين البلدين ظل محدودا لعقود طويلة. وترتيب السودان في قائمة الشركاء التجاريين لألمانيا هو ١٣٤. ذلك أن حجم تجارة السودان وألمانيا في العام ٢٠٢١ لم يتجاوز ١٢٨ مليون يورو، فيما يبلغ حجم التجارة الخارجية لألمانيا ثلاث تريليونات. وبينما يعد المهاجرون في ألمانيا من الأتراك والسوريين ودول شرق أوروبا بالملايين ومئات الالاف، فألمانيا لم تكن يوما وجهة للمهاجرين من دول أفريقيا. والمهاجرون السودانيون فيها ليسوا ممن يذكرون بسبب ضآلة عددهم مقارنة مع غيرهم. إذا لم تكن لألمانيا مصلحة تجارية مع السودان، ولا هي تتخوف من هجرة بنيه اليها، فقد يظن البعض أن ألمانيا إنما تعقد هذا المؤتمر من منطلقات ودوافع إنسانية. غير أن ذلك الظن الحسن لا يصمد أمام الفحص والتحقيق. فألمانيا لم تعرف بتبني الوساطات المباشرة لإنهاء الحروب في افريقيا. فحالات تدخلها على قلتها – مثلما حدث في مالي وجنوب السودان – تنصب على جوانب ادارية وانسانية محددة ولا تصل درجة إطلاق مبادرات لفض النزاعات او عقد مؤتمرات دولية. ولذلك خلفية تاريخية من المهم أن نتوقف عندها قليلا. إذ سبق أن طردت ألمانيا من أفريقيا، بل اهينت وأوصدت الأبواب من ورائها.
كان ذلك في الحرب العالمية الأولى. اذ مع اندلاع تلك الحرب، في اغسطس ١٩١٤، وفي الأسابيع الأولى منها، احتل الحلفاء (بريطانيا، وفرنسا، وبلجيكا، وجنوب افريقيا البيضاء) المستعمرات الألمانية في افريقيا وتقاسموها. وكان ذلك تحت حجة مسيئة مفادها أن “الألمان ليسوا بمؤهلين لإدارة الشعوب الأخرى”! إذ اتهم الحلفاء الإدارة الاستعمارية الألمانية بارتكاب فظائع وبإساءة معاملة السكان الأصليين. بعدها لم يفت على الحلفاء أن يقننوا لذلك الطرد إمعانا في الإذلال. فضُمنت معاهدة فرساي مادة تجبر ألمانيا على الاعتراف بالتخلي عن مستعمراتها. وجعلت عصبة الأمم رفاهية وتطوير هذه الشعوب “امانة مقدسة للحضارة”sacred trust of civilization يضطلع بها البريطانيون والفرنسيون تحت نظام الانتداب كونهم مؤهلون حضاريا لذلك. ومضى الحلفاء في اذلال المانيا أشواطا بعيدة. فحين احتلت فرنسا المانيا في نهاية الحرب جاءت بجنود من أفريقيا الفرنسية ليتمركزوا في برلين ومدن ألمانية أخرى. بالنسبة لألمانيا، كانت تلك من أكثر لحظات الحرب قساوة. وقد عبرت عن المرارة التي استشعرها الألمان حملة عنصرية أطلقت في ذلك الحين سميت “العار الأسود” Schmach Die Schwarze. هكذا فإن خروج المانيا من افريقيا لم يكن مجرد خسارة أرض، بل كان طقوس اذلال قصد بها أن تكون أفدح ما تدفعه ألمانيا تحت ما سمي “ذنب الحرب” war guilt. ولا يظن ظان أن ذلك تاريخ غابر لم يعد له أثر في عالم اليوم. إذ لا يزال الألماني المعاصر يشقى لمجرد ذكراه أيما شقاء.
ومثلما أن “ذنب الحرب” لا يزال غائرا في نفوس الألمان أفرادا، فهو لا يزال يطبع سياسة بلادهم جمعاء، ذلك رغم كل ما فيها من مؤسسات ومراكز دراسات. ولهذا فان المانيا، وبالرغم من أنها تعد من أكبر المانحين للمساعدات التنموية في افريقيا – عبر الوكالة الألمانية للتعاون الدولي وبنك التنمية الألماني – وبالرغم من مساهماتها في بعض بعثات الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي في أفريقيا، التي غالبا ما تقتصر على تقديم الدعم اللوجستي، فإن ألمانيا لم تُعرف بالاهتمام بفض النزاعات الأفريقية على نحو مباشر. وقد يكون الاستثناء الوحيد – منذ توحيد المانيا في تسعينيات القرن الماضي – هو جمعها الأطراف الليبية والدولية للضغط من أجل وقف إطلاق النار في ليبيا. وربما كان ذلك بسبب تورط حلف الناتو فيما جرى هناك. ومن ثم فإن مؤتمر برلين المزمع عقده حول السودان يقف شاخصا كحدث يتيم. وإذا علمنا أن “ذنب الحرب” العالمية الأولى هو الذي أقصى ألمانيا عن افريقيا ووساطاتها، فإن ذنبا آخر هو الذي يعيدها بعد أيام الى افريقيا من بوابة السودان. ذلك هو “ذنب الهولوكوست”. او ما يسمى “المسؤولية التاريخية” عن جرائم النازية. فما من دولة في العالم ترزح تحت الذنوب والخطايا والعقد بأكثر من ألمانيا.
يحكم المانيا اليوم مبدأ يسمى “سبب وجود الدولة” raison d’etat. وخلاصة هذا المبدأ هي أن علة ومبرر وشرعية وجود الدولة الألمانية وغايتها هي حماية أمن إسرائيل. ويعتبر تصريح المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل أمام الكنيست (٢٠٠٨) بأن “أمن إسرائيل جزء من مصلحة الدولة الألمانية” هو التفسير الأحدث والأدق لهذا المبدأ. فهذا المبدأ لا يعني مجرد التعاطف السياسي مع إسرائيل. وإنما هو التزام شبه دستوري. وهو قناعة راسخة في الوعي السياسي الألماني. وهو معيار يُقاس به السلوك الخارجي لدولة المانيا. بل هو عنصر رئيس من مكونات هوية الدولة الألمانية بعد الحرب العالمية الثانية. وإذا كانت المعاملة القاسية للأفارقة هي التي أوجدت “ذنب الحرب” العالمية الأولى، فإن إبادة اليهود في مذابح الهولوكوست هي التي أوجدت التزاماً دائما لألمانيا ليس تجاه الماضي فقط، بل تجاه منع التكرار في المستقبل. ويكون ذلك بعملية “مواجهة الماضي” التي أصبحت جزءاً من القانون والتعليم والسياسة الخارجية. وهكذا فإن دعم إسرائيل سرا وعلانية والبحث عما يخدم مصالحها ليس مجرد خيار سياسي عادي، وإنما هو تعبير عن هوية الدولة الألمانية الحديثة. وقد تُرجم هذا المبدأ عمليا بجعل “الأمن الوجودي” لإسرائيل جزءا من الأمن الألماني. ومن ثم صارت ألمانيا أكبر مصدري السلاح لإسرائيل بعد الولايات المتحدة. بل هي الأولى في توريد الأنظمة البحرية. وهذا التسليح لا يتم على أسس تجارية، وإنما بشروط ميسرة وبتمويل حكومي ألماني. ويستمر توريد السلاح الألماني لإسرائيل حتى في ظروف الخلاف السياسي، او أثناء الحملات الدولية ضد إسرائيل من شاكلة ما حدث أثناء حرب غزة، وبعيد صدور قرار محكمة العدل الدولية بشأن ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية. وتشمل الترجمة العملية لهذا المبدأ توفير الحماية الدبلوماسية داخل الاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة. ذلك بتخفيف أو موازنة القرارات المنتقدة لإسرائيل. كما تشمل الخطاب الرسمي الذي يركز على حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها، والذي يعرب عن حساسية مفرطة تجاه كل ما يعد مظهرا من مظاهر معاداة السامية.
إذا راقبنا الخط البياني لدخول ألمانيا السودان لوجدناه مرتبط بشكل وثيق بالمساعي الإسرائيلية التي نشطت بعد سقوط الإنقاذ. ففي ظل عدم إمكانية تحرك إسرائيل دبلوماسيا بحرية في السودان كان التدخل الألماني إحدى الوسائل المهمة لإسرائيل في سعيها لإيجاد نظام سوداني بديل يكف عن التعاطف مع الحق الفلسطيني، وينأى عن المقاومة الفلسطينية. بل نظام صديق، مستعد للتطبيع والتوقيع على الاتفاقيات الابراهيمية. ومن ثم تزامن دخول ألمانيا مع دخول إسرائيل الى السودان خطوة بخطوة. فما أن أدى الدكتور عبد الله حمدوك القسم كرئيس للوزراء في ٢١ أغسطس ٢٠١٩ حتى كان هايكو ماس وزير الخارجية الألماني أول الواصلين الى مطار الخرطوم. كان ذلك في ٣ سبتمبر ٢٠١٩. وبسبب أنه ليست لألمانيا علاقة تذكر بالسودان، بل ليس لها كبير اشتغال بأفريقيا كلها، فالراجح أن سبب ذلك الاهتمام المفاجئ هو “ذنب الهولوكوست”. أكد هذا انه بعد أسابيع قليلة زار وزير الخارجية الإسرائيلي إيلي كوهين الخرطوم، في ٢٠ أكتوبر ٢٠٢٠، ليعلن منها أن السودان بصدد الانضمام للاتفاقيات الابراهيمية. بعد أن غادر كوهين ما هي الا بضعة أسابيع حتى أعقبه للخرطوم الرئيس الألماني فرانك – فالت رشتاينماير، الذي وصل الخرطوم في ٢٧ فبراير ٢٠٢٠ ليكون أول مسؤول ألماني بهذا المستوى يحل ضيفا على الخرطوم. وبلغت “حميمية” تلك الزيارة درجة جعلت الرئيس الألماني يمضي ليلته تلك في الخرطوم لتمتد الزيارة ليوم ثان. وما هي الا أشهر معدودة حتى استضافت ألمانيا مؤتمرا للمانحين في برلين، في يونيو ٢٠٢٠، تعهد المشاركون فيه بدفع ١،٨ بليون دولارا للسودان. وفي ٧ يناير ٢٠٢١ تم تعيين فولكر بيرتس رئيساً لـبعثة الأمم المتحدة لدعم المرحلة الانتقالية في السودان “يونيتامس”. وفولكر بيرتس ليس مجرد مواطن ألماني، أو حتى دبلوماسي عادي. بل هو من كان مديراً للمعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية، الذي هو مركز صناعة السياسة الخارجية الألمانية. ويعكس تعيين فولكر انتقال ألمانيا من “الدعم من الخلف” إلى التأثير في الانتقال الدستوري السوداني عبر المؤسسات الدولية.
ومثلما جاء اقبال ألمانيا على السودان فجأة، انتهى فجأة. إذ تبخر ذلك الاهتمام الكبير بمجرد اتخاذ المسار الانتقالي السوداني خطا لا يخدم المصلحة الاسرائيلية. ويعد هذا شاهد اخر على ما ذهبنا له في توصيف الدوافع التي تحرك المانيا للاهتمام بالسودان. فمنذ أن أطيح بحمدوك في أكتوبر ٢٠٢١ لم تطأ أرض الخرطوم أقدام أي مسؤول ألماني! بل لا تكاد تعثر لألمانيا على تصريح أو بيان في الشأن السوداني اللهم الا في إطار جماعي. هذا بالطبع بخلاف بيان إدانة “انقلاب 25 أكتوبر 2021”. وبمجرد ان اندلعت الحرب، اغلقت المانيا سفارتها وغادرت البلاد.
ولا ينبغي أن ننسى عاملا مساعدا كان مهما في حث الخطى الألمانية تجاه السودان. ذلك هو العامل الإماراتي. فالإمارات هي بوابة المانيا للشرق الأوسط. وهي شريك صناعي وتكنولوجي مهم لألمانيا. يبلغ حجم التجارة الثنائية بين البلدين حوالي العشرين مليارا سنويا. نعم، ليس هذا بالرقم الضخم والمؤثر بمعايير الاقتصاد الألماني العملاق. لكنه كاف لأن يجعل للأمارات “خاطر” لدى ألمانيا. وربما تكون عودة المانيا المرتقبة للسودان والمتمثلة في هذا المؤتمر جبرا لخاطر الامارات. ولا نستبعد أن تكون الامارات هي التي طلبت من شريكها الألماني إدراج بند ثالث في أجندة المؤتمر، يضاف لبندي “حشد الدعم الإنساني” و”الدفع نحو وقف إطلاق النار” الموروثين من المؤتمرات السابقة. وربما لم تمانع المانيا من ذلك، ومن ان يكون البند الجديد تحت عنوان “توحيد القوى المدنية”، خاصة إذا تعهدت الامارات بتسمية من يشاركون تحت هذا البند وباستجلابهم.
هذا هو ما كان من أمر الجولة السابقة لألمانيا بالسودان … وهذا هو الذي يدفعها للتفكير في جولة جديدة، ربما تستأنف بهذا المؤتمر. فهل من سبب يجعل حكومة السودان، أو أي سوداني غيور، يأبه لعدم تلقي دعوة لهذا النادي المغلق!
9 أبريل 2026




