
دخلت دولة الإمارات العربية المتحدة سباق اختيار الأمين العام القادم للأمم المتحدة بترشيح وزيرة الدولة بوزارة الخارجية، لانا زكي نسيبة، في خطوة تستحق من السودان قراءة تتجاوز حدود الخبر الدبلوماسي إلى ما يمكن أن يترتب عليها من تحولات في موازين التأثير داخل المنظمة الدولية. فالدولة التي تتهمها الخرطوم بدعم مليشيا الدعم السريع، وتسعى إلى مساءلتها عن دورها في الحرب، باتت تطمح إلى إيصال إحدى أبرز دبلوماسياتها إلى أرفع منصب في الأمانة العامة للأمم المتحدة. وهنا يبرز سؤال استراتيجي ينبغي أن تنشغل به مؤسسات الدولة السودانية منذ الآن: ماذا لو أصبحت الدبلوماسية الإماراتية أميناً عاماً للمنظمة التي تتولى إدارة جانب أساسي من الملف السوداني؟
جاء الترشيح رسمياً في الحادي والعشرين من أكتوبر 2026م، في توقيت تتكثف فيه الاتصالات الدولية لاختيار خليفة للأمين العام الحالي أنطونيو غوتيريش. وتتمتع نسيبة بخبرة مؤسسية معتبرة اكتسبتها خلال عملها مندوبة دائمة للإمارات لدى الأمم المتحدة بين عامي 2013م و2024م، وشغلت خلالها مواقع متعددة، بينها رئاسة مجلس الأمن مرتين أثناء عضوية بلادها غير الدائمة. وهي خبرة تمنح ترشيحها وزناً يتعين التعامل معه بجدية، بعيداً عن الاستهانة أو الافتراض المسبق باستحالة نجاحها.
وتخضع عملية اختيار الأمين العام للمادة السابعة والتسعين من ميثاق الأمم المتحدة، التي تقضي بتعيينه بواسطة الجمعية العامة بناءً على توصية مجلس الأمن. ويتطلب اعتماد التوصية تسعة أصوات من أعضاء المجلس الخمسة عشر، دون اعتراض أي من أعضائه الدائمين الخمسة. وتسبق ذلك عادة مشاورات واقتراعات استطلاعية غير رسمية لقياس فرص المرشحين، بينما تمنح الإجراءات المطورة الجمعية العامة مساحة أوسع لمناقشة برامجهم ومؤهلاتهم. أما الأعراف المتعلقة بالتناوب الجغرافي، والتوجه المتزايد لاختيار امرأة للمرة الأولى، فهي اعتبارات سياسية مؤثرة، لكنها ليست شروطاً قانونية ملزمة.
وتكشف الممارسات السابقة أن مفتاح الوصول إلى المنصب يوجد عملياً لدى القوى الخمس الدائمة العضوية، وأن المرشح القادر على تجاوز اعتراضاتها يمتلك أفضلية حاسمة، مهما كانت التفضيلات الإقليمية. ومن هنا تكتسب الحسابات الأمريكية أهمية خاصة؛ إذ يمكن أن تجد واشنطن في نسيبة شخصية مقبولة بحكم العلاقات الاستراتيجية مع الإمارات وخبرتها الطويلة في العمل متعدد الأطراف. كما قد تنظر إسرائيل بإيجابية إلى ترشيحها في ضوء العلاقات الإماراتية الإسرائيلية، وإن كانت لا تمتلك صوتاً في مجلس الأمن. وقد تسعى أبوظبي إلى توظيف علاقاتها مع قوى أوروبية وآسيوية وأفريقية لبناء توافق أوسع، مع بقاء الموقفين الروسي والصيني عاملين حاسمين. غير أن هذه الاحتمالات تظل تقديرات سياسية، ولا يجوز الخلط بينها وبين تأييد معلن أو اتفاق محسوم.
وتنبع أهمية منصب الأمين العام من موقعه عند تقاطع الشرعية الدولية والدبلوماسية متعددة الأطراف. فهو المسؤول الإداري الأول للمنظمة، وصاحب سلطة مؤثرة في تعيين كبار مسؤوليها، وإدارة مساعي الوساطة، وتحديد أولويات الأمانة العامة، وإعداد التقارير والتقديرات المرفوعة إلى مجلس الأمن، فضلاً عن صلاحياته بموجب المادة التاسعة والتسعين من الميثاق في تنبيه المجلس إلى ما يهدد السلم والأمن الدوليين. وهذه الصلاحيات لا تمنحه حق إصدار قرارات ملزمة نيابة عن مجلس الأمن، لكنها توفر قدرة معتبرة على التأثير في كيفية تعريف الأزمات وترتيب أولوياتها وتوجيه الاهتمام الدولي نحوها.
وبالنسبة للسودان، تتضاعف حساسية المنصب في ظل حرب أصبحت الأمم المتحدة أحد أهم ميادين إدارتها السياسية والإنسانية. فالتقارير المتعلقة بحماية المدنيين، وتدفقات السلاح، والانتهاكات، والمساعدات الإنسانية، ومسارات وقف إطلاق النار، تشكل جميعها عناصر مؤثرة في صياغة المواقف الدولية. والخطر المحتمل في وصول نسيبة لا ينحصر في انحياز مباشر أو قرار عدائي صريح، وإنما يمتد إلى القدرة على التأثير في البيئة المؤسسية التي تتشكل داخلها المواقف الدولية. فاختيار المبعوثين، وتحديد أولويات الوساطة، وصياغة التقديرات، وتوقيت طرح المبادرات، قد تكون في مجموعها أشد تأثيراً من موقف سياسي معلن.
وقد تجد الخرطوم نفسها أمام مقاربات تمنح الأولوية لتسوية سياسية تتجاوز مطالبها المتعلقة بمساءلة الجهات المتهمة بتسليح المليشيا، أو تدفع نحو مساواة سياسية بين الدولة وتشكيل مسلح ينازعها سلطتها. كما قد تتأثر درجة الاهتمام الأممي بمسارات الدعم الخارجي للحرب، أو طبيعة التعامل مع المبادرات التي تتبناها أبوظبي. وهذه احتمالات تستوجب الاستعداد دون افتراض وقوعها، خاصة أن المادة المائة من ميثاق الأمم المتحدة تقرر استقلال الأمين العام وموظفي الأمانة العامة عن توجيهات الحكومات، بينما تجعل المادة الحادية بعد المائة الكفاءة والنزاهة من الاعتبارات الأساسية في اختيار موظفي المنظمة. ومن ثم فإن المخاوف السودانية ينبغي أن تتمحور حول ضمانات الاستقلال المؤسسي، بعيداً عن اتخاذ جنسية المرشحة وحدها أساساً للاعتراض.
والأهم أن ترشيح نسيبة يضع السودان أمام اختبار لقدرته على الانتقال من دبلوماسية الاعتراض إلى دبلوماسية التأثير الاستباقي. والمطلوب تشكيل فريق دبلوماسي وقانوني متخصص يتولى متابعة عملية الاختيار، وتقدير فرص المرشحين، وتحليل مواقف الدول الخمس الدائمة العضوية، والتواصل مع الدول العربية والأفريقية والشركاء الدوليين. كما ينبغي إعداد مذكرة سودانية تستند إلى الوقائع الموثقة بشأن التدخلات الخارجية في الحرب، وتطرح معايير واضحة لضمان استقلال الأمانة العامة وحيادها، بالتوازي مع تفعيل البعثة السودانية في نيويورك وبناء علاقات عمل مبكرة مع جميع المرشحين.
ولا يملك السودان حق الاعتراض المنفرد على تعيين الأمين العام، لكنه يمتلك أدوات سياسية ودبلوماسية يمكن توظيفها قبل الاختيار وبعده. فكفاءة الدبلوماسية تتجلى في قدرتها على التأثير في مسارات الاختيار، وفي استعدادها لحماية مصالح الدولة والتعامل مع نتائجها، أياً كانت. والمعركة الحقيقية تتعلق بضمان أن يظل الملف السوداني محكوماً بالقانون الدولي وحقائق النزاع، بعيداً عن تأثير المصالح المتعارضة مع سيادة الدولة ووحدتها.
إن وصول نسيبة إلى الأمانة العامة احتمال لم يتحول بعد إلى واقع، لكن الدول التي تحسن قراءة التحولات لا تنتظر اكتمالها حتى تبدأ الاستعداد لها. وربما يكون الدرس الأهم في هذا الترشيح أن النفوذ الدولي لا يُصنع فقط بما تملكه الدول من موارد وقوة، وإنما أيضاً بما تحجزه لنفسها من مواقع داخل المؤسسات التي تصوغ القرارات وتؤثر في مستقبل النزاعات.
وعلى السودان أن يدرك أن أخطر المفاجآت الدبلوماسية ليست تلك التي تقع دون إنذار، وإنما تلك التي تصل إشاراتها مبكراً، ثم تجد الدولة نفسها غير مستعدة للتعامل معها.



