الرواية الأولى

نروي لتعرف

آفاق رقمية / د. محمد عبدالرحيم يسن

الإنترنت ما وراء الشاشة.

د. محمد عبدالرحيم يسن


digital.start23@gmail.com
(٢/١)

استجابة لمداخلات بعض قراء آفاق رقمية، في الكتابة عن البنية التحتية للإنترنت، وكيف تنتقل البيانات عبر العالم، والدور الذي تؤديه الكوابل البحرية والأقمار الصناعية في ربط القارات، نخصص مقالين لهذا الموضوع: يتناول الأول رحلة البيانات والبنية التي تحملها، فيما يبحث الثاني في آثار انقطاع الاتصالات وسبل ضمان استمرارية الخدمات الرقمية.
نستخدم الإنترنت يوميا لإرسال الرسائل، وإجراء المكالمات المرئية، وإدارة الحسابات المصرفية، وتشغيل أنظمة الأعمال، والاستفادة من تطبيقات الذكاء الاصطناعي، وقد يبدو أن هذه المعلومات تنتقل مباشرة بين الأجهزة، غير أن وراءها شبكة واسعة من الكوابل والأجهزة ومراكز البيانات والأقمار الصناعية.
لنتتبع رسالة ترسل من هاتف من اي مدينة عربية إلى هاتف في الخرطوم. يحول الهاتف الكلمات إلى بيانات رقمية، تقسم وفق بروتوكولات الاتصال إلى حزم صغيرة، ثم تنتقل عبر شبكة الاتصالات إلى أجهزة التوجيه التي تحدد المسارات المناسبة نحو وجهتها، وتعبر هذه الحزم كوابل أرضية وبحرية، قبل أن تصل إلى شبكة المستلم وهاتفه.

الكوابل البحرية:
تمثل كوابل الألياف الضوئية البحرية العمود الفقري للاتصالات الدولية، ووفقا للاتحاد الدولي للاتصالات، تنقل هذه الكوابل أكثر من ٩٩% من حركة البيانات الدولية، وتنتقل المعلومات داخل ألياف زجاجية دقيقة في صورة نبضات ضوئية، تتيح نقل كميات هائلة من البيانات بين القارات بكفاءة عالية. وتتوزع ملكية هذه الكوابل بين شركات الاتصالات ومجموعات من المستثمرين والشركات التي تتشارك في تمويلها وتشغيلها، وخلال السنوات الأخيرة، دخلت شركات التقنية العالمية هذا المجال باستثمارات كبيرة، ومن أبرزها قوقل وميتا وأمازون ومايكروسوفت، إذ تمتلك حصصا في بعض الأنظمة البحرية، أو تستثمر في إنشائها، أو تشتري سعات لنقل بيانات خدماتها ومراكز بياناتها، ولذلك أصبحت الكوابل البحرية جزءا من البنية الاقتصادية والاستراتيجية للاقتصاد الرقمي العالمي.
ولا تنتهي رحلة البيانات عند الكوابل البحرية، إذ تربطها محطات ساحلية بشبكات الألياف الضوئية الأرضية، التي توصل المعلومات إلى المدن ومراكز البيانات ومزودي خدمات الإنترنت.

الأقمار الصناعية..
تؤدي الأقمار الصناعية دورا مهما في توفير الاتصالات للمناطق النائية والصحراوية، والسفن والطائرات، والمواقع التي يصعب الوصول إليها بالكوابل، وتختلف قدراتها بحسب ارتفاع مداراتها وتصميم منظوماتها، فالأقمار ذات المدار الثابت توفر تغطية واسعة، بينما تتيح منظومات الأقمار ذات المدار المنخفض، مثل ستارلينك، اتصالا بزمن تأخير أقل نسبيا.
وتتنوع ملكية الأقمار الصناعية بين الحكومات والمؤسسات الوطنية والشركات الخاصة، فمنظومة ستارلينك تتبع شركة سبيس إكس، فيما تعمل منظومة ون ويب ضمن شركة يوتلسات. وتمتلك دول عديدة أقمارا للاتصالات، أو تشارك في تشغيلها، لخدمة احتياجاتها الحكومية.
ولا يعني وجود القمر الصناعي أن البيانات تستغني عن الشبكات الأرضية، ففي كثير من الحالات تنتقل الإشارة بين المستخدم والقمر، ثم إلى محطة أرضية متصلة بالإنترنت، وتستخدم بعض المنظومات روابط بين الأقمار لنقل البيانات قبل وصولها إلى المحطات الأرضية.
وهي منظومة متكاملة
تتكامل الكوابل البحرية والأرضية والأقمار الصناعية ومراكز البيانات وأجهزة التوجيه لتوفير الاتصال العالمي، وتتحمل الكوابل البحرية العبء الأكبر من حركة البيانات الدولية، بينما تتيح الأقمار الصناعية الوصول إلى مناطق يصعب ربطها بالشبكات الأرضية، وتوفر خيارات إضافية للاتصال.
وتكشف هذه البنية عن حقيقة مهمة: الإنترنت ليس خدمة افتراضية منفصلة عن العالم المادي، وإنما بنية تحتية عالمية تتطلب استثمارات ضخمة، وإدارة مستمرة، وحماية من الأعطال والمخاطر.
في المقال القادم من آفاق رقمية، نتناول ما يحدث عند انقطاع كابل بحري أو تعطل منظومة فضائية، وكيف يمكن للدول والشركات المحافظة على استمرارية خدماتها الرقمية في مثل هذه الظروف.

اترك رد