
منتصف سبتمبر والقاهرة تودع الصيف، وتستقبل “البوابة الرقمية للخدمات الطبية” وموقع المستشارية الطبية في “سفارات السودان بجمهورية مصر العربية”، و(سفارات) هنا ليست خطأً إملائيًا بل هذا ما أعنيه، والسفير الفريق عدوي تقبل الله منه جهده لا يرأس مجرد بعثة بل منظومة عمل دبلوماسي وقنصلي متعددة الأبعاد، وكل مستشارية فيها أو وحدة تقوم بعمل كبير للغاية، يساوي سفارة كاملة في محطة أخرى، لاحظ أن هذا يضاف إليه قنصليات السودان بالإسكندرية وأسوان إلى جوار السفارة الأم.
المستشارية الطبية تكاد تكون سفارة بذاتها، وبقية المستشاريات كذلك.
جاءتني الدعوة الكريمة من المستشار الطبي بالسفارة، د. خضر فيصل أبو بكر، عبر زميلتنا المجتهدة د. مروة قباني، وترأس الحفل السفير الفريق عدوي، ومعه أركان دبلوماسيته السفير عمر الفاروق والسفير قذافي عبد الله، ودعوني أتوقف قليلًا أمام هذا المشهد المهيب الذي يليق بسوداننا العزيز، فقد عزينا السفير عمر الفاروق من قبل في شقيقه ضابط القوات المسلحة شهيد الفاشر بعد حصار طويل وبطولة تاريخية، وعزينا السفير قذافي في ابنه الذي جاء من الخارج ليشارك في معركة الكرامة ويرتقي شهيدًا على مشارف بارا، هم ماتوا لننعم بالكرامة والسيادة التي نعيشها الآن.
هذا فقط لنعلم نحن في السودان أنها معركة مصيرية نخوضها كلنا بالدماء في مواجهة العدو، وبالعطاء في حضرة الشعب السوداني كما نرى في ممثلي الجيش الأبيض في المستشارية الطبية.
شرحها لنا بتمهل المهندس الشاب أحمد، البوابة الرقمية عبارة عن واجهة أو مدخل لعمل كبير، حيث تتيح للمستفيدين الوصول إلى المعلومات المتعلقة بالخدمات الطبية، وتقديم الطلبات والاستفسارات، ومتابعة الإجراءات، والتعرف على المتطلبات والخدمات المتاحة، بما يسهم في تسهيل الإجراءات وتقليل الحاجة إلى الحضور الشخصي متى ما كان ذلك ممكنًا.
في زيارة سابقة، حظيت قبل التدشين بتنوير مذهل من د. خضر ووقفت بنفسي كيف جمعت المستشارية طاقمًا من الأطباء السودانيين المتخصصين والاستشاريين وكيف يقدم هؤلاء الأخيار جهدهم عبر المستشارية في استلام البيانات الأولية وإرشاد طالب الخدمة للمكان الأفضل والأكثر ملاءمة لظروفه، لا سيما وأن معظمهم مرت عليهم الكثير من الحالات.
يأتي تدشين البوابة امتدادًا لجهود سابقة في مجال التحول الرقمي، والتي شملت إطلاق خدمة التسجيل الإلكتروني لبطاقة التأمين الصحي “عافية”، وهنالك عمل إنساني كبير بالتعاون بين المستشارية ومركز الملك سلمان ومنظمة الصحة العالمية، في رعاية مرضى القصور الكلوي، كما شرعت في حصر مرضى زراعة الكبد، والاورام، والسكري، وذات النجاح الذي تحقق مع مركز الملك سلمان والشراكات الذكية، سيتكرر بإذن الله.
غني عن القول أن هنالك الكثير من طلبات الأوراق والإفادات وتقييم العلاج، والخدمات في القسم القنصلي وكل المستشاريات في السفارة وليس الطبية وحدها، تمضي نحو “الأتمتة” حيث يعبئ المتعامل بياناته عبر الموقع، ويذهب للسفارة ليكمل إجراءاته بسرعة قياسية.
تحدثت من قبل عن جهود المستشارية الثقافية في هذا الصدد، وسنأتي لاحقًا، وكذلك الجوازات، والقسم الاجتماعي.
أنهينا هذا العرض الماتع الباتع، وخرجنا مع الزملاء إلى المقهى الخارجي لنحتسي القهوة ونهنئ الزميل عادل الصول، الفنان والموسيقي والكاتب، على العدد رقم ألف من إصداره السودان الآن، وعادل أحد أعمدة السودانيين في مصر، رئيس اتحاد الفنانين السودانيين في مصر، وأمين عام جمعية الصحفيين السودانيين. عادل دائم الحضور و”القيافة” والبشر والترحاب، الجدير بالذكر أنه اعتمد على موارده تمامًا طيلة الفترة السابقة.
حقيقة هذا الجهد الكبير في عمل المستشارية الطبية أكد لي أن السودان بخير، وأن بعثتنا محروسة، ولكنني لا بد أن أقف وقفة حول العلاقات المصرية السودانية، فقد أكدت معركة الكرامة أن العدو واحد والاستهداف شامل والحرب يقصد بها وادي النيل شمالًا وجنوبًا.
لا تزال هنالك ملفات تحتاج إلى تدخل على مستوى الدبلوماسية الرئاسية، لأن كل ما يمكن أن تجتهد فيه السفارة اكتمل، والأمر يحتاج إلى قمة بين الرئيس عبد الفتاح السياسي والرئيس عبد الفتاح البرهان، نعم، صحيح، تقنين الأوضاع للوجود السوداني مهم للغاية، ولكن هنالك حوادث بعينها تؤكد ضرورة التدخل العاجل والحاسم. ورسالتنا للسيد الفريق البرهان، ورئيس الوزراء كامل إدريس، تحتاجون للاجتماع مع الجالية كما تحتاجون للاجتماع مع السفارة وربما أكثر.
عمومًا لدينا مشكلة من جانبنا في السودان، إذ لا توجد مراكز تفكير جماعي تدرس العلاقة الاستراتيجية مع مصر لتخرج لنا بتصور محدد، اتحاد اندماجي عبر مراحل، أم تكامل اقتصادي فقط؟ كيف يتم تطوير اتفاقية الدفاع المشترك وما هي لوازمها الدستورية والتشريعية؟ هل هي مسئولية جيوش فقط، أم هنالك دور شعبي ومجتمعي فيها؟ والسيئ أننا في السودان لا نخرج بمنتجات قومية من اجتهاداتنا الفردية المبعثرة، ثم نلوم الإخوة المصريين عندما يضعون تصورهم ومقترحاتهم لهذه العلاقة عبر مراكزهم وهيئاتهم المتخصصة، ونقول لماذا يتحدثون من وجهة نظرهم ومصالح بلادهم فقط؟
شكرًا جزيلًا للمستشارية الطبية التي منحتنا هذه السانحة للتأمل، ونقول للسفير عدوي: قد أتعبت من يأتي بعدك، ولكن لعلك مدخر لمهمة لا تقل عما قدمت.
مما يحضرني هنا، أن الفريق عدوي اشتهر أيام قيادته للمنطقة الغربية أنه لا يمنح إجازة أو إذن إلا بورقة عسكرية، وهي مصطلح يعني تقديم بحث ولو مختصر في حل معضلة أو مقترح تطوير شأن عسكري، في التسليح في القدرات في الأجهزة في الإنضباط، فالرجل عقلية الإبداع والاختراع عنده متجذرة ويؤمن بمشاركة الجميع فيها.





