شهادة الموقف وأصالة الوجدان .. قراءة ثقافية في مقال الدكتور حمد عبدالعزيز الكواري (السودان.. متى يستعيد عافيته ؟ )

_ حين تشتد الأزمات وتلتبس مسارات الرؤية في تاريخ الأمم والشعوب لا تغدو الكتابة مجرد حبر ينسكب على الورق أو تدوين عابر لمجرى الأحداث _ بل تتسامى لتصبح موقفًا أخلاقيًا باذخًا وشهادة حضارية تضيء العتمة .
من هذا المنظور الفكري والثقافي العميق جاء المقال الأخير لسعادة الدكتور حمد بن عبدالعزيز الكواري — الدبلوماسي والرائد الثقافي والحاصل على الدكتوراه في العلوم السياسية ووزير الدولة ورئيس مكتبة قطر الوطنية — والذي حمل عنوان (السودان.. متى يستعيد عافيته ؟ ) والمنشور بتاريخ 30 أغسطس 2026م _ ليصوّر لوحة وفاء ناصعة وتجليًا عميقًا لمفهوم الدبلوماسية الثقافية حين تنتصر للإنسان وذاكرته الوطنية .
وأنا أقرأ المقال لأول مرة تأكد عندي أنه في جوهره يتجاوز حدود التحليل السياسي المباشر ليُشكل قراءة منصفة تستحضر جلال التاريخ السوداني وعمقه وإنسانيته .
_ وأقول هنا بأنه قد تجلت في كلمات الدكتور الكواري أصالة المثقف العربي الذي لا يكتفي بمشاهدة التحولات من بعيد ، بل ينطلق من مخزون وجداني وعلاقة ممتدة بدأت منذ سنوات الشباب الأول _ واستمرت راسخة عبر محطات فكرية ودبلوماسية متعددة .
ومن أجمل اللفتات الأدبية التي توقف عندها سعادة الدكتور الكواري ، محطته الدبلوماسية في باريس حين رشح له السفير السوداني الراحل بشير البكري الشاعر والمفكر السوداني الكبير صلاح أحمد إبراهيم ليكون سندًا وعضدًا له .
لم تكن تلك المحطة مجرد تعاون بروتوكولي في أروقة العمل الدبلوماسي _ بل كانت تثاقفًا وتآخيًا فكريًا رفيعًا فدخل السودان تجربة الكواري المعرفية من باب الأدب والشعر قبل أبواب السياسة .
ويُعد الراحل صلاح أحمد إبراهيم أحد أعمدة الشعر العربي الحديث ومن أبرز رواد مدرسة الغابة والصحراء التي مازجت بين الهوية العربية والأفريقية ، حيث جمع في مسيرته بين العمل الدبلوماسي والاشتغال الأدبي المبدع فهو صاحب الدواوين المرموقة التي أذكر منها غابة الأبنوس وغضبة الهبباي
وتجلت نبرته المعتزة بتلك الهوية المزدوجة في قوله :
أَنَا مِنْ إِفْرِيقِيَا صَحْرَائِهَا الكُبْرَى وَخَطِّ الاِسْتِوَاءْ
شَحَنَتْنِي بِالحَرَارَاتِ الشُّمُوسْ
لَفَحَتْنِي فَأَنَا مِنْهَا كَعُودِ الاَبْنُوسْ .
وهي رمزية ثقافية تؤكد أن الروابط بين الأمم حين تُبنى على الفكر والأدب تصبح عصية على الاندثار وتتسامى فوق عوادي الزمن .
إن هذه المحبة التي فاض بها قلم سعادة الدكتور الكواري تعكس حقيقة متبادلة يدركها أهل النيل جيدًا _ ففي قلوب أهل السودان مكانة راسخة لدولة قطر قيادة وشعبًا _ مكانة تأسست عبر عقود من المواقف المشرفة والوقوف المخلص مع السودان في جميع ظروفه ومحنه ، تجسيدًا لأخوة صادقة لا تتغير بتبدل الأحوال .
إن القواسم الثقافية التي تجمع الشعبين الشقيقين ضاربة في عمق الهوية العربية والإسلامية _ بدءًا من الشغف المشترك بالشعر واللغة ، مرورًا بقيم النخوة والكرم والاعتزاز بالتراث الأصيل ، وصولًا إلى العناية السامية بالذاكرة المعرفية .
وما إشارة الدكتور الكواري إلى حرص قطر وقيادتها الأمينة ومؤسساتها — وفي مقدمتها مكتبة قطر الوطنية — على حماية الذاكرة السودانية وإيقاظ تراثها إلا دليل ناصع على أن الثقافة بالنسبة لقطر وأعلامها هي رسالة بناء وجسور ممتدة ، تتجلى قيمتها الكبرى في حفظ الهوية الحية للأمم .
ولم يخل النص من التشخيص الحضاري المنصف ، فلم يكن المقال مرثية للسودان ، لأن المثقف الحقيقي يبصر ما خلف الفوضى العابرة .. فأكد الكاتب بيقين واثق أن السودان بأرضه وحضارته الضاربة في عمق التاريخ ، وإنسانه المبدع ، لم يفقد أسباب النهوض ، بل فقد لبعض الوقت القدرة على جمعها في دولة مؤسسات _ وهي رؤية تعيد إنتاج الأمل وترسخ الثقة بقدرة هذا البلد العظيم على التعافي .
إن هذا النص في ملمحه الثقافي الرفيع يشكل وثيقة محبة وتأكيدًا على أصالة الوجدان العربي المشترك .
_ تحية إجلال وشكر لسعادة الدكتور حمد بن عبدالعزيز الكواري على هذا النُبل الفكري والموقف الأصيل الذي يمثل أبهى صور شهادة المواقف وأصالة الوجدان للمثقف القطري والعربي .
وحين يستعيد السودان عافيته بفضل عزيمة أبنائه ووفاء أشقائه المخلصين ، سيتذكر الجميع أن للكلمة الصادقة أثرًا لا يمحوه الزمن ، وأن الجسور التي تبنى بالفكر والمحبة تبقى عصية على الهدم .




ليس بجديد على الاخوه القطرين دايما سباقين بالخير مع الشعب السوداني
والكاتب السوداني موقف عبد الرحمن رد وشكر بلسان الشعب السوداني
صراحة عجز اللسان وجف القلم… ولا اعرف ماذا اقول فان قلت فسأقول بارك الله فيك ايها الشهم الجسور واطال الله في عمرك وجزاك الله خير ورحم الله والديك… وهذا المقال ان دل انما يدل على الانسانية وطيب الخلق ونعم الاخلاق…