
و أنا أهنّئه بنيله درجة ( الماجستير ) ،
أبديت له استغرابي :
كيف تأتّى له ذلك ، و أين وجد
الوقت ، و أنا لا أفتأ أراه صُبحاً
و عشيَّا ، و هو في حِراك موصول ؟
فأجابني بما أقنعني ..
إنه ( شكرالله خلف الله ) ،
الذي يطيب لي أن أدندن حوله
قليلاً بين يدي هذه التهنئة ..
فقد سألني عزيزٌ يوماً :
إلى أي فصيلٍ ينتمي ؟
قلت له إنه سؤال ذو شجون ،
إذ أن ( شكرالله ) عندي ،
ينتمي إلى ( الناس ) جميعاً ،
على اختلافهم ،
فهو محسوب على الجميع ،
بقدر احتياجهم إليه ،
و تفهمهم له ،
و ميله إليهم ،
و قد لا يروق هذا للذين يريدونك
معهم دون غيرهم ..
نعم ،
تجده إلى جانبك كلما احتجته
أو زفَّتْه إليك موْجَةُ محبةٍ ،
و لا يحبسه عنك تباين ( انتماءٍ )
أو شُبهة ( ميلان ) ،
و هو أشبه ( بزهرة القرنفل ) ،
التي تُزهِرُ في كل حينٍ ،
و على أيِّ حالٍ
و لكل قاصدٍ منتفع ..
و هذه الخليقة عنده ، مبعثها
تلك ( السماحة ) التي تسِمُه ،
و هي ( سماحة ) ظلت تنأى به
عن ( التعصب ) ..
و لَمَّا قالوا :
( لا تُنَاقِشْ عَاشِقًا وَ لَا مُتَعَصِّبًا ،
فَالْأَوَّلُ يَحْمِلُ قَلْبًا أَعْمَى ،
وَالثَّانِي يَحْمِلُ عَقْلًا مُغْلَقاً ) ،
فإني موقن من ( الثانية ) ،
أي أنه قد استبرأ من سوآت ( التعصب ) و أدرانه في ( سعيه )
بين الناس ،
ذلك ( السعي ) الذي لا يهدأ
و لا تخمد جذوته ،
و هذا ما ألفته منه ،
أن أجده الأقرب و الأحب لأصفياء
يبادلونه القرب و الحب ،
و هم كُثُر ،
لن أحصيهم عدَّاً ،
فبين مريدي ( الشيخ أحمد
الشيخ دفع الله الصايم ) ،
حاضر و له مَحَبات و قُرُبات ،
و في كثير من المواطن التي
تقر فيها عيناي برؤية الأستاذ ( التيجاني حاج موسى ) ،
أو الأستاذ ( عبدالوهاب هلاوي ) ،
أجد ( شكرالله ) ثاني اثنين ،
و أجده ثالث ثلاثة في حضرة
البروف ( عمر قدور ) ،
و الدكتور ( الفاتح حمدتو ) ،
و ما اجتمع نفر حول الأستاذ ( أبوعركي البخيت ) ، إلا و كان
( شكرالله ) بينهم ، إن لم يكن
هو الجامع الناظم ..
و عشرات ، ( منهم ) و ( منهن ) ،
فما التقى قبيلٌ من أهل صنعته
أو مودته أو ذائقته ، إلا و رأيته
بينهم خفَّاقاً مُرفرِفاً ..
و ( أنا ) اغتبط ، أيما غبطة ،
و هو يباشرني ، بمودة ،
في كل حين ،
و أذكر هنا ،
عندما آل إليّ أمر ( إدارة البرامج ) ،
في ( تلفزيون السودان ) ،
وجدتني محاطاً بثلة من ( المخرجين ) ،
أولي العزم و الأهلية و التفانين ،
دنوت منهم ، فمنحوني من
محبتهم و عطائهم ما جعل
فترتي تلك زاهيةً ذاتَ بهجةٍ
و ألوان ،
و من بين أعزائي ( المهندسين ) المُتقِنين ،
و( البرامجيين ) الحاذقين ،
و ( الفنيين ) البارعين ،
و ( الإداريين ) المتمكنين ،
و ( العمال ) المِهَرة ،
أذكرهم ، أي ( المخرجين ) ،
من أدركت منهم ،
و من أدركني ،
و من تبعهم بإتقان ..
و هُم :
الحبيب الراحل ( بدر الدين حسني ) ،
الزعيم ( إسماعيل عيساوي ) ،
البروف ( محمد حسن السيد ) ،
النحرير الراحل ( محمد سليمان دخيل الله ) ،
المُلهِم ( عبدالحليم عبدالله ) ،
الفذ الراحل ( عصام الدين الصايغ ) ،
الودود ( صالح مطر ) ،
المحبوب الراحل ( عيسى تيراب ) ،
القدير ( سيد محمود ) ،
الجِهْبِذ ( محمد المصطفى أرباب كردش ) ،
الوديع ( عبدالعظيم قمش ) ،
النقي الراحل ( الفاتح البدوي ) ،
الشفيف الراحل ( صلاح أوندي ) ،
الجميلة الراحلة ( فاطمة عيسى ) ،
الهميم ( مجدي خضر مبيوع ) ،
الوقورة ( وصال ناصر ) ،
الفنان ( مجدي مكي ) ،
الوَرِع ( سيف المُلثم ) ،
الراسخ ( إبراهيم بشير ) ،
الغالية ( غالية حسن ) ،
الراقي ( الفاضل سليمان ) ،
المُرهفة ( سلوى درويش ) ،
البشوش ( الأرقم لجيلاني ) ،
الحاذق ( طارق فريجون ) ،
المقتدر ( محمد مخاوي ) ،
النابه ( مرتضى الطيب ) ،
المبروك الراحل ( الشاذلي الريح ) ،
و ( شكرالله خلف الله ) ..
و ( شكرالله ) ،
الذي أخصّه ، هنا ، بهذا الإكبار ،
فقد آثرني بخالصةِ معزته ،
و كان لي ظهيراً ، مع آخرين ،
و هو خُلُقُهُ عندما يُقبل عليك ،
و يأنس من جانبك اصطفاءً ..
و كثيرة تلك المواقف التي يزدحم
بها خاطري ،
كان حاضراً مُلبيا ،
و أنا أرتب ( لتلك ) ،
و استكشف ( هذا ) ،
و اسعى ( لذاك ) من ( الذين )
و ( اللائي ) ..
قلت له يوماً كيف السبيل إلى هذا
( الشاب ) ، الذي تضج به الآفاق ،
و أصبح حديث ( الشباب ) ،
فقد استعصى على ( رُسلي ) إليه
و تمَنَّع !!
و كان لسان حاله يومها :
( أنا آتيك به ) ،
و لم يمضِ وقت طويل حتى
سعدت برؤية ( شكرالله ) ، في ( الأستديو ) ،
( الحجل بالرجل ) ،
و هو يقوم بإعداد و إخراج أول استضافة له ،
و ( محمود عبدالعزيز ) ،
يشدو مستهلاً اللقاء :
( أنا فاكرك معايا
وين حبيبي فاكرك معايا
تسعد بي سعادتي
و تشقى عشان شقايا
أنا فاكرك معايا و انت مع المظاهر
ما راعيت وفايا ظلمك لي ظاهر ) ..
من كلمات ( حسن الزبير ) ،
و غناء ( محمد أحمد عوض ) :
و قد أسند تقديمها للأستاذ
( جمال حسن سعيد ) ..
و قد بقي ( محمود ) في بؤرة اهتمامي ،
إلى آخر ( ثلاثة أيام ) في حياته ،
و أنا أسرع إلى ( الأردن ) للإطمئنان عليه ،
و أقضي يوماً إلى جانبه في معية
أخي ( هيثم كابو ) ،
و ( الأردن ) بيضاء تغطيها الثلوج ،
و انضم إلينا ( حاتم ) و ( حنين ) ،
حيث جاءا برفقة والدتهما
( نجوى العشي ) ،
لنكون إلى جانب والدته حاجة ( فايزة ) ، و شقيقه ( مامون ) ،
و خاله ( أمين ) ..
و ذكرت ، مرات ، كيف عبَّد طريقي
إلى مراقي ( الوُّد ) ..
و ( احبَّك..
احبَّك..
احبَّك..
لا الزمن حوّلْنى عن حُبّك..
ولا الحسرَهْ..
وخُوفي عليكَ يمْنَعْنى..
وطول الإلفَهْ والعُشْرَهْ..
وشوقي الليك طوَّل..
لسّه معاي..
ولى بُكْرَهْ ) ..
و ذلك عندما رأى تلَهُفي و تشوقي
إلى ( محمد وردي ) ،
و الذي كان يومها مُغاضباً في
( مصر ) ، و ناقماً على الأوضاع
في البلاد ..
و صحَّ منا العزم يومها ،
و غادر ( شكرالله ) قاصداً ( وردي ) ،
و كان ( مشوار العيد ) ،
سهرة في غلاوة و حلاوة و طلاوة
( أعزَّ الناس ) ،
و ( يا أعز الناس حبايبك نحنا
زيدنا قليل حنان
ده العمر زادت غلاوتو معاك
و صالحني الزمان
يا أحن الناس حنان ) ..
من تقديم ( الطيب عبدالماجد ) ..
و بعد أن بثت السهرة و التي كانت
حديث المشاهدين و احتفائهم ،
أكرمني ( وردي ) باتصال في حضور
مُحِبِهِ الشاعر الودود
( منتصر محمد سعيد ) ،
مبدياً ثناءه و اغتباطه بالسهرة ..
و فيما بعد ،
انعقد بيني و بينه من ( الود ) ،
ما أودعته ( حدق العيون ) ،
حتى آخر لقاء لي به ،
و أنا أسعى لأطمئن عليه ،
في بيته ،
قبل و فاته بأيام ،
لأجد في معيته الأستاذ ( أبوعركي ) ..
و نحن نودعه ، و ( عركي ) يتقدمني ،
ناداني ضاحكاً :
( يا حسن تنزلوا في غناي ساكت ) ..
و وطأ لي ( شكرالله ) صلةً كانت
لي أشبه ( بيوم المهرجان ) ،
لكثرة و تنوع تفاصيلها المُبهِجة
في مسيرتي العملية ..
و من يكون غير ( السر قدور ) ..
فكان أن أخبرني ، يوماً ، و هو في ( القاهرة ) أنه كثيراً ما يلتقيه في
دار ( مجدي حدوب ) ،
فأوصيتُه و حرََضْتُه..
و بعد محاولات من جانبنا ،
و تأبِّي من جانبه ، نجحنا أخيراً
في إقناعه ، ليتحفنا بحلقات
دافئات بمعية ( شكرالله ) حيث استضاف :
( محمود يسن ) ،
و ( نور الشريف ) ،
و ( عفاف شعيب ) ،
و (محمد منير ) ،
و ( إبراهيم خان ) ،
و ( فاروق شوشة ) ،
و ( فاروق جويده ) ،
و ( الأبنودي ) ..
و بعدها استأثرت به ،
و تواترت لقاءاتي معه ،
مرةً و مرات ،
و كل مرة كانت في خيالي
و في شعوري ألف مرة ،
حكمة و فناً و أدباً و معارفاً ..
و عندما عملت في ( مصر ) ،
كان الأقرب إلي ،
و كنت أحمل له من ( فروض )
المحبة و الإجلال ما يشجيني ،
فلا يمر يوم إلا و يغشاني ،
و يسعدني بلطائفه و حكاويه ..
و من رحم تلك ( الصلة ) الأنيسة ،
ولدت لدي فكرة أشهر و أنضر
برنامج توثيقي غنائي ،
( أغاني و أغاني ) ،
و الذي دشَّنتُ به فترة تكليفي
في ( قناة النيل الأزرق ) ،
و التي بدأت في مارس ٢٠٠٦ ،
و هو ما بسطت حوله القول
في مقالي بتاريخ ٢ مايو ٢٠٢٢ ،
و أنا أودعه بعنوان :
( السر قدور ) .. و ( أغاني و أغاني ) ..
و الذي جاء في خاتمته :
( و ياااا ( السر قدور )
حاولت أكتب عنك و أصوِّر الاحساس
و أقول فيك كلام زي النجوم
و الماس
و لكن
آآآه تعبت
تعبت ألقا كلام ماسمعوا بيهو الناس
و سبت الكلام و مشيت
و أقول ياريت
أقول ياريييييييت
بأوجع و أحرَّ مما يُنْشِدُ ( ترباس )
من كلماتِك
ياريت ياريت ياريت ) ..
و بإمكاني أن استرسل ،
فكثيرة تلك المآثر التي يظل
يبذلها ،
فمع ( السماحة ) جُبل على ( الإيثار ) ،
و الذي قوامه البذل ،
البذل من النفْسِ ،
و النفَسِ ،
و النفيس ،
و هو بذل موصول غير ممنون ،
ظل يمنحه من ( خبراته ) الغنَّاء ،
و ( مشاعره ) الفيحاء ،
و( بشاشته ) الزهراء ،
و من ( جيوبه ) التي تتجافى
عن ( المال ) ، إنفاقاً في العظيم
و العُظَيَّم و دفع اللأواء ..
و بالطبع له عيوب ،
و لكنها عندي مما تُعد ،
( و من ذا الذي تُرضي سجاياه كلُّها
كفى المرء نبلاً أن تُعدَّ معايبُه ) ..
و السلام ..
١٠ سبتمبر ٢٠٢٦ ..





