الرواية الأولى

نروي لتعرف

موطئ قلم / د. اسامة محمد عبدالرحيم

من الاتهام إلى التحقق… السودان واختبار الدليل في ملف الأسلحة الكيميائية

عقيد بحري ركن (م) د. اسامة محمد عبدالرحيم

دخل ملف الاتهامات الأميركية للسودان باستخدام الأسلحة الكيميائية مرحلة جديدة بعد الرد الذي قدمته الحكومة السودانية، وما أعقبه من تصريحات للمتحدث باسم الخارجية الأميركية لـ«الشرق بلومبيرغ». فالمسألة لم تعد خبراً منشوراً في صحيفة، أو تسريباً منسوباً إلى مصادر استخباراتية مجهلة، أو عقوبات أميركية تستند إلى تقييم لم تُعرض أدلته للرأي العام؛ وإنما باتت القضية أمام موقفين رسميين متعارضين، يتضمنان ادعاءات ووقائع يمكن، من حيث المبدأ، إخضاعها للاختبار والتحقق.

ومع انتقال السجال إلى هذا المستوى من التصريحات الرسمية المتقابلة، يصبح من الضروري نقل الملف من معركة الروايات إلى قضية تحسمها الأدلة وآليات التحقق.

الحكومة السودانية تقول بوضوح إنها لم تنتج أو تخزن أو تستخدم أسلحة كيميائية، وإن الكلور الموجود في البلاد مخصص للاستخدامات المدنية، وفي مقدمتها تنقية المياه والصناعة والطاقة. والأهم من النفي أنها تقول إنها طلبت من الولايات المتحدة تقديم الأدلة، ودعت خبراء أميركيين إلى السودان للتحقق ميدانياً، واقترحت تشكيل فريق تحقيق مشترك، ثم وافقت على اجتماعات تقنية في دولة محايدة، وتؤكد استعدادها لاستقبال فريق متخصص من منظمة دولية محايدة.

في المقابل، جاء الرد الأميركي أكثر حسماً؛ إذ قال إن تقييم الولايات المتحدة هو أن السودان استخدم أسلحة كيميائية بالمخالفة لالتزاماته الدولية، وطالب الخرطوم بوقف جميع أنشطة الأسلحة الكيميائية، والإعلان عن جميع الأسلحة ومرافق الإنتاج، ثم تدميرها بصورة يمكن التحقق منها وتحت إشراف دولي.

غير أن الرد الأميركي يطرح هنا مسألة تتجاوز مجرد تأكيد الاتهام، وتتعلق بطبيعة الاتهام نفسه وحدوده.

هناك فارق كبير بين القول إن السودان استخدم مادة كيميائية في واقعة محددة، والقول إن لديه أسلحة كيميائية ومرافق لإنتاجها. الأولى واقعة تحتاج إلى إثبات: أين وقع الاستخدام؟ ومتى؟ وما المادة المستخدمة؟ وكيف تم تحديدها؟ وما العينات التي جُمعت؟ ومن جمعها؟ وكيف حُفظت ونُقلت وفُحصت؟ أما الثانية فتتعلق بوجود أسلحة ومخزونات ومنشآت وقدرات إنتاجية، وهي ادعاءات يفترض أن تكون قابلة للتحديد المكاني والفني والتوثيق بصورة أكثر وضوحاً.

والتصريح الأميركي الأخير، بهذا المعنى، لا يكرر اتهاماً سابقاً بالاستخدام فحسب، وإنما يوسّع نطاق الادعاء نفسه. فعندما تطالب واشنطن السودان بالإعلان عن «جميع الأسلحة الكيميائية ومرافق الإنتاج» وتدميرها، فإنها تستخدم لغة تفترض، في أصل المطالبة، وجود أسلحة ومنشآت إنتاجية يتعين الإعلان عنها وتدميرها. وكلما أصبح الادعاء أكثر تحديداً واتساعاً، أصبحت المطالبة بالأساس الذي يستند إليه، وإخضاعه للتحقق المهني المستقل، أكثر إلحاحاً.

ولذلك فإن المطلوب من الحكومة السودانية الآن ليس إصدار المزيد من بيانات النفي وحدها، وإنما نقل الملف بكامله من ساحة الاتهام السياسي والإعلامي إلى ساحة التحقق الفني والقانوني الدولي.

السودان دولة طرف في اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، وهذه الحقيقة تضع عليه التزامات، لكنها تمنحه كذلك إطاراً مؤسسياً وقانونياً يمكنه التحرك من خلاله. وفي ضوء الموقف الذي أعلنته الخرطوم واستعدادها للتحقق، فإن منظمة حظر الأسلحة الكيميائية ينبغي أن تصبح في قلب استراتيجيتها لإدارة الأزمة. والأفضل أن يبادر السودان بنفسه، وبأقصى قدر ممكن من الشفافية، إلى مخاطبة المنظمة، وطلب المشورة والمساعدة الفنية، وتفعيل القنوات والآليات التي تتيحها الاتفاقية لتوضيح الادعاءات والدفع نحو مسار تحقق مؤسسي وفق اختصاص المنظمة وإجراءاتها.

والخطوة الثانية هي مطالبة الولايات المتحدة، عبر القنوات الرسمية، بتحويل «التقييم» الذي تتحدث عنه إلى ادعاءات قابلة للتحقق. فإذا كانت واشنطن تقول بوجود أسلحة كيميائية ومرافق إنتاج، فعلى السودان أن يطالبها بصورة رسمية ومحددة بتوضيح المواد المقصودة، والمواقع، والفترات الزمنية، وطبيعة الأنشطة التي يستند إليها هذا التقييم، وما يمكن إحالته من أدلة إلى الجهة الدولية المختصة.

ليس المطلوب أن تكشف الولايات المتحدة بالضرورة عن مصادرها وأساليبها الاستخباراتية، فهذه مسألة مفهومة في عمل الدول، لكن لا يمكن في المقابل مطالبة دولة بالإعلان عن أسلحة ومرافق تقول إنها غير موجودة أصلاً، ثم مطالبتها بتدميرها، من دون تقديم أساس فني يمكن اختباره بواسطة جهة دولية مختصة ومحايدة.

أما الخطوة الثالثة فتتمثل في بناء ملف سوداني متكامل، لا مجرد رد إعلامي. يجب جمع سجلات استيراد الكلور، والجهات المستفيدة منه، وكمياته، ومواقع تخزينه، وحركته بين القطاعات المدنية، واستخداماته في محطات المياه والصناعة والطاقة، وإخضاع هذه البيانات للمراجعة الفنية. فالشفافية هنا ليست تنازلاً سياسياً، وإنما أداة دفاع قانونية.

فوجود مادة كيميائية ذات استخدامات مدنية واسعة لا يثبت بذاته وجود سلاح كيميائي أو نشاط محظور؛ والعبرة في مثل هذه القضايا بطبيعة الاستخدام، والسياق، وطريقة التوظيف، وما يثبته الفحص الفني المستقل.

ويجب كذلك إعداد تسلسل زمني موثق للاتصالات التي أشار إليها الرد الحكومي، وإتاحة ما يمكن نشره منها دون الإضرار بالمسار الدبلوماسي: متى طُلبت الأدلة من واشنطن؟ متى تعهد الجانب الأميركي بتقديمها؟ متى وجهت الدعوة للخبراء الأميركيين؟ وما طبيعة الاعتذارين اللذين تحدثت عنهما الحكومة؟ وكيف تم الاتفاق على الاجتماعات التقنية في الدولة المحايدة؟ فهذه التفاصيل، إذا كانت موثقة بالمراسلات الرسمية، تنقل الرواية السودانية من مستوى التصريح إلى مستوى الحجة.

الخطوة الرابعة تتعلق بإدارة الملف دولياً. من الخطأ التعامل معه باعتباره خلافاً ثنائياً بين الخرطوم وواشنطن فقط، لأن اتهام دولة باستخدام أسلحة كيميائية يمس صورتها الدولية وعلاقاتها المالية والدبلوماسية، وقد يتحول لاحقاً إلى أساس لإجراءات وعقوبات وضغوط إضافية. ولذلك يحتاج السودان إلى فريق أزمة دائم يجمع الخارجية والعدل والجهات الفنية المختصة، إلى جانب خبراء في القانون الدولي ونظام اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، ويتولى الملف برسالة واحدة ووثائق واحدة وخطاب منضبط.

والأهم أن يتجنب السودان تحويل القضية إلى معركة شعارات مع الولايات المتحدة. قوة الموقف السوداني لن تأتي من ارتفاع صوت النفي، وإنما من قدرته على القول للمجتمع الدولي: هذه منشآتنا المدنية ذات الصلة، وهذه سجلات المواد واستخداماتها، وهذه دعوتنا للتحقق، وهذه الجهة الدولية المختصة التي نطلب منها أن تفحص الوقائع وفق قواعدها وإجراءاتها.

وفي الوقت نفسه، ينبغي ألا تقبل الخرطوم قلب عبء الإثبات بطريقة تجعلها مطالبة بإثبات عدم وجود شيء في كل مكان. فعندما تقول واشنطن إن هناك أسلحة كيميائية ومرافق إنتاج، يصبح من المشروع مطالبتها بتقديم المعلومات التي تسمح للآليات الدولية المختصة بالتحقق من هذا الادعاء.

هذا الملف أخطر من أن يُدار بردود متفرقة أو لجان لا يسمع الناس عنها بعد تشكيلها. والسودان أمام فرصة لتحويل الأزمة من نقطة ضغط إلى اختبار عملي لصدقية الروايتين. فإذا كانت الحكومة قد عرضت بالفعل دخول الخبراء، والتحقيق المشترك، والاجتماعات التقنية، والتحقق بواسطة منظمة دولية محايدة، فعليها أن تذهب بهذا العرض إلى نهايته، وأن تحوله إلى إجراءات رسمية معلنة ومؤرخة وموثقة.

في ملف بهذه الخطورة، أفضل دفاع عن السودان ليس النفي وحده، وإنما فتح الطريق أمام تحقق دولي مهني يجعل الدليل، لا التسريب ولا التقييم السياسي، هو الذي يقول الكلمة الأخيرة.

فالولايات المتحدة أعلنت اتهامها رسمياً، والسودان أعلن نفيه واستعداده للتحقق. والخطوة التي ينبغي أن تسعى إليها الخرطوم الآن هي نقل هذا التناقض إلى المؤسسة الدولية المختصة، حيث تصبح الأسئلة أكثر تحديداً: أين السلاح؟ أين المنشأة؟ ما الوقائع المحددة للاستخدام؟ وما الأدلة والنتائج الفنية التي يمكن إخضاعها للتحقق المستقل؟

عندها ينتقل السودان من موقع الدولة التي تواجه اتهاماً مفتوحاً إلى موقع الدولة التي تطالب واضع الاتهام بإخضاعه للدليل والاختبار.

اترك رد