حظر السلاح على السودان… المساواة بين الدولة والمليشيا ليست حياداً(قراءة في مقال والتز وبولس وتقرير بعثة تقصي الحقائق الأممية)

ليس الخلاف حول ضرورة وقف تدفق السلاح إلى السودان؛ فكل سلاح يصل إلى جهة غير مشروعة، وكل مرتزق يعبر الحدود، وكل شبكة تمويل أو إمداد تعمل خارج سلطة الدولة، تمثل وقوداً إضافياً للحرب. لكن السؤال الأكثر أهمية هو: هل يكون علاج تدفق السلاح بتجريد الدولة نفسها من حقها في الدفاع عن سيادتها، ووضع جيشها الوطني في المرتبة القانونية والسياسية ذاتها مع مليشيا مسلحة تمردت عليها؟
هذا هو السؤال الذي يفرض نفسه عند قراءة المقال الذي نشره مايكل والتز، سفير الولايات المتحدة لدى الأمم المتحدة، ومسعد بولس، مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، في مجلة Foreign Policy تحت عنوان: «لا يمكن للسلام في السودان أن يزهر إلا بعد فرض حظر على الأسلحة».
المقال يبدأ من حقيقة يصعب الاختلاف حولها: السودان يعيش كارثة إنسانية هائلة، والسلاح القادم من الخارج أسهم في إطالة أمد الحرب وزيادة كلفتها البشرية. لكنه ينتقل من هذه المقدمة الصحيحة إلى نتيجة تحتاج إلى مراجعة عميقة، حين يقترح توسيع حظر السلاح المفروض على دارفور بموجب القرار 1591 ليشمل كامل الأراضي السودانية، ويضع القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع تحت القاعدة نفسها.
وهنا تظهر الإشكالية الأساسية في هذا الطرح.
فالدولة، في القانون وفي النظام الدولي الذي أنشأ الأمم المتحدة نفسها، ليست مجرد «طرف في نزاع». والقوات المسلحة السودانية ليست تنظيماً عسكرياً نشأ خارج الدولة حتى تصبح مساواتها بقوات الدعم السريع مسألة حياد. إنها مؤسسة رسمية من مؤسسات دولة عضو في الأمم المتحدة، بينما الدعم السريع قوة خرجت على سلطة الدولة، واستولت على مدن ومؤسسات ومنازل مواطنين، وأقامت لاحقاً هياكل سياسية وإدارية موازية.
ولهذا فإن المساواة في تطبيق الحظر قد تبدو حياداً في الصياغة، لكنها ليست بالضرورة حياداً في الأثر؛ لأن منع المليشيا من الحصول على السلاح يضيّق قدرتها على الاستمرار خارج الدولة، بينما منع الجيش الوطني من الحصول عليه يضيّق قدرة الدولة نفسها على استعادة سلطتها وحماية حدودها ومؤسساتها ومواطنيها.
والأكثر إثارة للتساؤل أن المقال الأمريكي نُشر بعد يوم واحد فقط من تقرير بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان، وهو تقرير يقدم مادة كان يفترض أن تدفع النقاش في اتجاه أكثر دقة.
فالتقرير لم يكتف بالحديث المجرد عن «الدعم الخارجي للطرفين»، وإنما تتبع شبكات عابرة للحدود مرتبطة بدعم قوات الدعم السريع، وتحدث عن تجنيد وتدريب ونشر مقاتلين أجانب، وعن متعاقدين عسكريين كولومبيين شاركوا في تشغيل المسيّرات والمدفعية والأسلحة المتقدمة، كما أورد معلومات بشأن أفراد وكيانات ووسطاء ومسارات إمداد عابرة للحدود، وتناول صلات وشبكات مرتبطة بكولومبيا والإمارات، إلى جانب مسارات عبور عبر تشاد وجنوب شرق ليبيا وبوصاصو في الصومال، وفق ما خلصت إليه البعثة ومستوى الأدلة التي استندت إليها.
هذه ليست تفاصيل هامشية. إنها تنقل القضية من السؤال: كيف نمنع السلاح عن السودان؟ إلى سؤال أكثر تحديداً: من يسلح من؟ ومن أين يأتي السلاح؟ ومن يموله؟ وعبر أي دولة ومطار وميناء وحدود يصل؟
والمفارقة أن والتز وبولس يقران في مقالهما نفسه بوجود رعاة مدعومين من دول، وممولين، ووكلاء مشتريات، وموردي مسيّرات وشبكات عابرة للحدود. وهذا الإقرار يجعل السؤال أكثر إلحاحاً: إذا كانت شبكات تغذية الحرب قابلة للتحديد والملاحقة، فلماذا يُستعاض عن استهدافها المباشر بإجراء شامل يضع الدولة ومن يقاتلها تحت القيد ذاته؟
صحيح أن التقرير أشار أيضاً إلى وجود أسباب معقولة للاعتقاد بأن القوات المسلحة استخدمت مسيّرات موردة من الخارج في عمليات ألحقت أضراراً بمدنيين وأعيان مدنية، وهي اتهامات ينبغي التعامل معها قانونياً ومهنياً والتحقيق في كل واقعة على حدة. لكن التقرير نفسه أظهر فارقاً مهماً في طبيعة الأدلة المتاحة؛ فتحقيق البعثة بشأن الدعم الخارجي للقوات المسلحة ما يزال في مرحلة مبكرة، بينما عرض في جانب الدعم السريع شبكة أكثر تفصيلاً من الأفراد والوسطاء والمرتزقة ومسارات الإمداد.
وهنا تظهر مشكلة أخرى في الخطاب الدولي حول السودان: الخلط بين مساءلة السلوك العسكري وبين تحديد الوضع القانوني والسياسي لأطراف الحرب.
يمكن مساءلة جيش دولة عن أي انتهاك محتمل للقانون الدولي الإنساني، من دون أن يعني ذلك إسقاط صفته كمؤسسة للدولة. ويمكن إدانة أي استهداف للمدنيين، من دون تحويل الجيش والمليشيا إلى كيانين متماثلين. فالقانون الذي يقيد استخدام القوة لا يلغي حق الدولة في امتلاك أدواتها وممارسة وظائفها السيادية.
ثم إن الواقع على الأرض يطرح سؤالاً أكثر صعوبة: ماذا يحدث إذا حُظر التسليح على الدولة بينما ظلت الحدود الطويلة والمفتوحة وشبكات التهريب والتمويل والمرتزقة تعمل؟
لكن الحظر، مهما اتسعت نصوصه وتشددت أحكامه، لا ينفذ نفسه على الأرض.
والطرف الذي يملك شبكات غير رسمية للتهريب والتمويل والعبور قد يكون أكثر قدرة على الالتفاف عليه من دولة تعتمد في جانب معتبر من مشترياتها العسكرية على علاقات رسمية قابلة للرصد والضغط والعقوبات. وعندها قد يتحول الحظر، من أداة يفترض أن تساعد على إنهاء الحرب، إلى عامل يعيد تشكيل ميزان القوة داخلها، وربما يطيل أمدها بدلاً من تقصيره.
لذلك كان الأجدر بالمقاربة الدولية أن تبدأ من حيث انتهى تقرير تقصي الحقائق: تفكيك شبكات الحرب قبل تجريد الدولة من أدواتها.
وهنا تقع مسؤولية كبيرة على الحكومة السودانية. فالمطلوب ليس الاكتفاء برفض مشروع القرار أو وصفه بأنه منحاز، وإنما بناء ملف دبلوماسي وقانوني وفني متكامل؛ يفرق بوضوح بين المؤسسة العسكرية للدولة والقوة المتمردة عليها، ويوثق خطوط الإمداد والتمويل والمرتزقة، ويطالب بملاحقة الشركات والأفراد والوسطاء وكل من يثبت تورطه في استخدام أراضي الدول ومطاراتها وموانئها لتغذية الحرب.
والأهم أن ينتقل السودان من موقع الدفاع إلى موقع المبادرة. فتقرير بعثة تقصي الحقائق نفسه يوفر أرضية يمكن البناء عليها للمطالبة بتحقيقات دولية أكثر تحديداً في شبكات الإمداد، وتجنيد المرتزقة، ومسارات نقل السلاح والتمويل، ومساءلة الجهات التي يثبت تورطها أو تقصيرها في الوفاء بالتزاماتها الدولية. وبدلاً من أن تنحصر المعركة الدبلوماسية في عبارة «لا تفرضوا حظراً على السودان»، ينبغي أن يكون للسودان خطاب أكثر قوة: طبقوا القانون على من يغذي الحرب، وأغلقوا الشبكات التي توصل إليها السلاح والمرتزقة والمال.
وعلى السودان كذلك أن يتعامل بجدية مع ما ورد في تقرير بعثة تقصي الحقائق بشأن الأضرار التي أصابت المدنيين، وأن يحقق بشفافية في الوقائع المحددة؛ لأن الدفاع عن شرعية الدولة يصبح أقوى حين تقترن ممارسة حقها في الدفاع عن نفسها بإظهار التزامها بالقانون الدولي الإنساني وحماية المدنيين.
كما ينبغي أن تتحرك الدبلوماسية السودانية فوراً داخل مجلس الأمن وخارجه، خصوصاً مع الدول التي تدرك خطورة تحويل مبدأ السيادة إلى مفهوم قابل للتجزئة. فالقضية تتجاوز شراء السلاح إلى سابقة سياسية خطيرة: هل يجوز للمجتمع الدولي، عندما تواجه دولة تمرداً مسلحاً مدعوماً من شبكات خارجية، أن يساوي في أدوات القوة بين الدولة ومن يقاتلها؟
إن السلام الحقيقي في السودان يحتاج بالتأكيد إلى وقف تدفق السلاح غير المشروع، لكنه يحتاج قبل ذلك إلى تحديد مصدر هذا السلاح ومساراته ومموليه والمستفيدين منه، وإلى التمييز بين تنظيم استخدام القوة وبين نزع قدرة الدولة على ممارسة وظائفها السيادية.
أما أن يصبح العلاج هو مساواة الجيش السوداني بالدعم السريع، ثم تسمية ذلك حياداً، فهنا يصبح السؤال مشروعاً:
هل المقصود وقف الحرب فعلاً، أم تثبيت توازن عسكري يمنع الدولة من حسم التمرد، ويبقي السودان عالقاً في حرب لا ينتصر فيها أحد ولا تستعيد فيها الدولة سيادتها؟
فالسلام لا يزهر بمجرد منع السلاح.
السلام يزهر حين يتوقف الخارج عن تسليح الحرب، ويُحاسب من يغذيها، وتستعيد الدولة احتكارها المشروع لاستخدام القوة وسيادتها على كامل ترابها.



