الرواية الأولى

نروي لتعرف

موطئ قلم / د. اسامة محمد عبدالرحيم

حظر السلاح على السودان… هل يصبح إضعاف الدولة طريقاً إلى السلام؟(مناقشة نقدية لمقال خالد عمر يوسف حول السلاح والدولة والحرب)

عقيد بحري ركن (م) د. اسامة محمد عبدالرحيم

أخطر ما يمكن أن يحدث في زمن الحرب أن تتحول الخصومة السياسية، مهما كانت أسبابها، إلى عدسة نقرأ من خلالها مفهوم الدولة نفسه؛ فنختلف مع السلطة، ثم يمتد الخلاف إلى أدوات السيادة، ونخاصم القيادة، ثم يصبح إضعاف قدرة الدولة على حماية نفسها جزءاً من مشروع إنهاء الحرب.

من هذه الزاوية يستحق المقال الذي نشره خالد عمر يوسف، في الثامن والعشرين من أغسطس 2026م، بمعهد أبحاث إعلام الشرق الأوسط «MEMRI»، تحت عنوان «أسوأ حرب في العالم تستمر بالأسلحة المستوردة… أوقفوا تدفقها»، قراءة نقدية تتجاوز الاتفاق أو الاختلاف مع صاحبه إلى مساءلة الفكرة المركزية التي يقوم عليها المقال: هل يؤدي تجفيف مصادر السلاح عن السودان كله إلى إنهاء الحرب، أم أن هذه المقاربة قد تنتهي، عملياً، إلى تجريد الدولة نفسها من بعض أهم أدوات الدفاع عن وجودها وسيادتها؟

يدعو خالد إلى توسيع حظر السلاح الوارد في القرار 1591 من دارفور إلى كامل الأراضي السودانية، وإدخال الطائرات المسيّرة والتقنيات المرتبطة بها ضمن نطاقه، ويذهب أبعد من ذلك بالدعوة، حال تعطل مجلس الأمن، إلى تحرك أمريكي وأوروبي يستهدف موردي السلاح وشبكات الإمداد وتجارة الذهب التي تمول الحرب.

للوهلة الأولى تبدو الفكرة شديدة الجاذبية: إذا كان السلاح وقود الحرب، فإن قطع الوقود يطفئ النار. غير أن الحروب، خصوصاً حروب الدولة ضد تشكيلات مسلحة واسعة الانتشار وعابرة للحدود، أكثر تعقيداً من هذه المعادلة المباشرة.

فالسؤال الذي غاب عن المقال هو: من الذي ينبغي أن يُمنع من التسلح؟

هنا تقع المعضلة الأساسية.

هناك فارق قانوني وسياسي وجوهري بين دولة ذات سيادة، لها جيش قومي ومؤسسات رسمية والتزامات وحدود ومواطنون يتوجب عليها حمايتهم، وبين قوة مسلحة موازية للدولة. والمساواة بين الطرفين في الحق في الحصول على أدوات القوة، حتى تحت شعار الحياد ووقف الحرب، تنقل النقاش من كيفية إنهاء النزاع إلى إعادة تعريف الدولة ذاتها.

والأعمق من مسألة الحظر نفسه هو التصور السياسي الذي يقف خلفه. فحين يُختزل الصراع في طرفين مسلحين ينبغي حرمانهما معاً من أسباب القوة، تتراجع حقيقة أساسية هي أن أحدهما يمثل المؤسسة العسكرية الرسمية للدولة، بينما انتهى الآخر إلى قوة عسكرية موازية تنازع الدولة احتكارها المشروع للقوة. ومن هنا فإن الخلاف مع طرح خالد لا يتعلق بأداة الحظر وحدها، وإنما يبدأ من توصيف طبيعة الحرب والأطراف التي تخوضها؛ لأن توصيف الحرب يسبق بالضرورة تحديد الأدوات المناسبة لإنهائها.

الدولة لا تمتلك السلاح لأنها طرف في خصومة سياسية، وإنما لأن احتكار الاستخدام المشروع للقوة يمثل أحد أركان وجودها ووظائفها الأساسية. وهنا ينبغي التمييز بين مسألتين مختلفتين: مشروعية امتلاك القوة، ومشروعية استخدامها. فالدولة تمتلك، من حيث الأصل، الحق في أدوات الدفاع وحماية السيادة، لكنها تظل خاضعة للقانون في كيفية استخدامها. ويمكن مساءلتها عن تجاوزاتها، والتحقيق في الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وإخضاع مؤسساتها العسكرية للقانون؛ أما التشكيل المسلح الموازي فتبدأ المعضلة معه من موقع السلاح نفسه خارج احتكار الدولة للقوة، قبل الانتقال إلى مساءلة كيفية استخدامه.

وتزداد الإشكالية وضوحاً عندما ننتقل إلى المسيّرات.

فإدخال الطائرات المسيّرة وتقنياتها بصورة عامة في حظر شامل لا يمس قطعة سلاح منفردة، وإنما يطال عنصراً أصبح جزءاً مركزياً من منظومات الاستطلاع والمراقبة والدفاع والعمليات الجوية الحديثة. وفي بلد مترامي الأطراف كالسودان، بحدود تمتد آلاف الكيلومترات وتواجه اختراقات وتهريباً وتدفقات سلاح ومقاتلين، يصبح السؤال مشروعاً: كيف تحمي الدولة حدودها ومجالها الجوي وأراضيها إذا قُيّدت قدرتها على الحصول على التقنيات التي أصبحت أساساً في الحروب المعاصرة؟

ثم إن المقال يضع المسؤولية الدولية في المكان الأسهل بدلاً من المكان الأصعب.

فالمشكلة ليست أن السلاح «يدخل السودان» في صيغة مجهولة المصدر والوجهة؛ السؤال الأهم هو: من يرسل السلاح؟ ولمن؟ وعبر أي دولة ومطار وحدود وشبكة تمويل؟

إذا كانت الغاية الحقيقية هي تجفيف وقود الحرب، فالأجدى أن تتركز الإرادة الدولية على تعقب خطوط الإمداد، وتحديد الدول والشبكات والشركات التي تسلح التشكيلات الخارجة عن مؤسسات الدولة، ومراقبة الحدود والمطارات ومسارات التمويل، وفرض عقوبات دقيقة على من يثبت تورطه، بدلاً من وضع الدولة ومن يقاتلها داخل قفص واحد.

أما الاستناد إلى دارفور وتجربة القرار 1591 لتبرير تعميم الحظر، فيحتاج بدوره إلى مراجعة النتائج قبل توسيع التجربة. فبعد أكثر من عقدين على القرار، هل أوقف الحظر تدفق السلاح إلى دارفور؟ وهل منع نشوء الترسانات الضخمة التي ظهرت لاحقاً؟ أم أن التجربة كشفت أن قرارات الحظر تصبح محدودة الجدوى حين توجد حدود رخوة، وشبكات إقليمية، ودول مستعدة لتمويل السلاح ونقله بعيداً عن الرقابة الدولية؟

وهنا تكمن واحدة من أخطر مفارقات الحظر الشامل: قد يُحرم الطرف النظامي، الأكثر ظهوراً وقابلية للمراقبة، من مصادر التسليح الرسمية، بينما تستمر الشبكات غير الرسمية في العمل عبر التهريب والوسطاء والحدود المفتوحة. وعندها لا نصنع توازناً يقود إلى السلام، وإنما اختلالاً قد يطيل الحرب التي أردنا إنهاءها.

السلام غاية وطنية لا خلاف حول ضرورتها، ووقف معاناة السودانيين واجب يتقدم على الحسابات السياسية. لكن الطريق إلى السلام يحتاج إلى تشخيص دقيق لطبيعة الدولة والحرب ومصادر استمرارها، وإلى معالجة الأسباب التي سمحت أصلاً بوجود أكثر من مركز للقوة المسلحة داخل الدولة.

فالمعضلة السودانية ليست في امتلاك الدولة أدوات القوة، وإنما في تعدد مراكز القوة خارجها. والسلام المستدام لا يبدأ بتجريد الدولة من قدرتها على حماية نفسها، بل بإعادة السلاح كله إلى معادلته الطبيعية: دولة واحدة، جيش واحد، وقرار واحد في استخدام القوة.

والسودان يحتاج إلى وقف تدفقات السلاح التي تغذي الحرب، وملاحقة شبكات الإمداد والتمويل العابرة للحدود، ومساءلة من يرتكب الجرائم، وإلى عملية سياسية تعيد بناء الدولة على أسس وطنية راسخة، وفي الوقت نفسه إلى مؤسسة عسكرية قادرة على حماية حدوده وسيادته ومواطنيه. فالسلام الذي يُبنى على إضعاف الدولة قد يسكت بعض البنادق، لكنه لا يعالج أصل المعضلة التي جعلت البنادق تتعدد خارج سلطانها.

وعندها يصبح السؤال الصحيح: كيف نمنع السلاح من أن يكون أداة لهدم الدولة، بدلاً من أن نجعل إضعاف الدولة نفسه طريقاً إلى السلام؟

اترك رد