
ليست كل التحولات الخطرة في الحروب هي تلك التي تقع داخل ميادين القتال. أحياناً تكون الإشارة الأكثر أهمية على الجانب الآخر من الحدود، في قاعدة عسكرية تتحرك إليها المركبات، وتتراكم فيها الحاويات، وتصلها الشاحنات والناقلات، بينما تكشف صور الأقمار الصناعية ما لا تقوله البيانات السياسية. ومن هذه الزاوية تحديداً يستحق التقرير الأخير لمختبر البحوث الإنسانية بكلية ييل للصحة العامة حول قاعدة قوات الدفاع الوطني الإثيوبية في أصوصا قراءة تتجاوز الأرقام والصور إلى دلالاتها العسكرية والسياسية والاستراتيجية.
التقرير، المنشور في 28 أغسطس 2026م، يتحدث عن تصعيد كبير في النشاط العسكري داخل القاعدة بين 23 و28 أغسطس 2026م، مع ظهور نحو مائة مركبة قتالية خفيفة جديدة، بعضها يحمل مؤشرات على تجهيزات لتثبيت الأسلحة، إلى جانب مركبات تتطابق خصائصها مع ناقلات جند مدرعة، وناقلات للمركبات ومقطورات وشاحنات وحاويات شحن. ويقدر مختبر ييل أن هذه الوسائط تكفي لتجهيز ونقل قوة تتراوح بين 750 وألف فرد، أي قوة تقترب في حجمها من فوج كبير أو لواء.
الرقم مهم، لكن المكان أهم.
فأصوصا ليست نقطة بعيدة عن مسرح الحرب السودانية، وإنما تقع في إقليم بني شنقول-قمز المتاخم للنيل الأزرق، ضمن نطاق جغرافي شديد الحساسية بالنسبة إلى الدمازين والكرمك وقيسان. وعندما تجتمع في موقع كهذا مركبات قتالية وناقلات جند ووسائط نقل وإمداد، يصبح السؤال الأمني مشروعاً: ما الوظيفة المقصودة من هذا الحشد؟ وإلى أي اتجاه يمكن أن تتحرك هذه القدرات؟
تزداد أهمية السؤال حين نضع التقرير الجديد إلى جانب ما سبق أن نشره المختبر نفسه. ففي 8 أبريل أصدر مختبر ييل تقريراً بعنوان «أدلة على مساعدات عسكرية لقوات الدعم السريع في قاعدة قوات الدفاع الوطني الإثيوبية في أصوصا»، ثم عاد في 10 يونيو 2026م بتقرير آخر عن «أدلة على استمرار الدعم لقوات الدعم السريع» في القاعدة ذاتها. وهكذا نحن أمام مسار من الرصد يمتد لأشهر، وليس أمام صورة فضائية منفردة يمكن عزلها عن سياقها.
وهنا تبرز مسؤولية أديس أبابا عن تقديم تفسير واضح لما يجري داخل أراضيها. فالموقع الذي يتحدث عنه التقرير ليس ساحة مدنية مفتوحة أو نقطة عبور مجهولة، وإنما قاعدة تابعة لقوات الدفاع الوطني الإثيوبية. ومن ثم يصبح السؤال مشروعاً حول طبيعة هذا الحشد، وأسباب تجميع هذه الكثافة من المركبات ووسائط النقل والإمداد داخل منشأة عسكرية إثيوبية، وفي هذا التوقيت تحديداً، وعلى مقربة من مسرح عمليات سوداني يشهد تصعيداً متسارعاً. والإجابة عن هذه الأسئلة مسؤولية إثيوبية قبل أن تكون موضوعاً للتقديرات والتحليلات السودانية.
ومن هنا تكتسب التطورات الأخيرة في النيل الأزرق دلالتها الأوسع. فالتقرير يربط الحشد بخطر هجوم محتمل باتجاه الدمازين، ويرى أنه قد يشكل محاولة لفتح ضغط متزامن على الجيش السوداني في النيل الأزرق وشمال كردفان، بحيث تتوزع قواته وموارده بين أكثر من محور. وبحسب هذا التقدير الاستراتيجي، فإن المسألة تتجاوز محاولة السيطرة على مدينة أو موقع عسكري إلى إدارة حرب استنزاف متعددة الجبهات، يكون فيها توزيع القوة السودانية نفسه هدفاً للعمليات.
وتبرز هنا أيضاً دلالة التوقيت. فالنيل الأزرق شهد خلال الأيام الماضية نشاطاً متزايداً للمسيّرات والعمليات العسكرية، بينما ظلت شمال كردفان والأبيض محوراً مهماً للصراع. وفي الحروب، فتح جبهتين متباعدتين في التوقيت نفسه ليس مجرد توسع جغرافي؛ فهو وسيلة لإجبار الخصم على الاختيار بين حماية أكثر من مركز استراتيجي، وتشتيت الاحتياطيات، وإرهاق خطوط الإمداد والقيادة والسيطرة.
لكن أخطر ما يطرحه تقرير ييل ربما يتعلق بمفهوم الحدود نفسها. فالحرب السودانية أخذت، مع مرور الوقت، تتجاوز النموذج التقليدي لصراع يجري داخل أراضي دولة واحدة. الحدود الغربية والجنوبية والجنوبية الشرقية أصبحت جزءاً من الحسابات اللوجستية والعسكرية والسياسية للحرب، وهذا يحول أمن الجوار من مسألة دبلوماسية إلى مكوّن مباشر من مكونات الأمن القومي السوداني.
وعند هذه النقطة تبرز مفارقة تستحق التوقف.
فقد أدان مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، الضربات الجوية التي قال إنها نُفذت بواسطة القوات المسلحة السودانية داخل الأراضي التشادية، مؤكداً أنه لا مبرر لتوسيع العنف خارج حدود السودان، وداعياً إلى احترام الحدود ووقف الدعم العسكري والمالي الخارجي للأطراف المتحاربة. كما ناقش الأمر مع الرئيس التشادي محمد إدريس ديبي.
واحترام سيادة الدول وحرمة أراضيها قاعدة أساسية في العلاقات الدولية، ينبغي أن تنطبق على الجميع بالقدر نفسه. ومن هنا فإن الموقف الأمريكي يضع أمام واشنطن والمجتمع الدولي اختباراً واضحاً في اتساق مفهوم السيادة الذي يدافعان عنه. فإذا كان عبور العمليات العسكرية من السودان إلى أراضي دولة مجاورة يستوجب الإدانة والمطالبة باحترام الحدود، فإن استخدام أراضي دولة مجاورة لإسناد قوة مسلحة تقاتل الدولة السودانية، أو تسهيل حركتها وإمدادها وانطلاقها، يستوجب الموقف ذاته وبالصرامة نفسها.
فالسودان يتهم تشاد منذ فترة بالسماح باستخدام أراضيها ومطاراتها ومساراتها في تمرير الإمدادات إلى قوات الدعم السريع، وهي اتهامات تنفيها أنجمينا، مثلما تثير التطورات الحالية أسئلة متزايدة بشأن ما يجري على الجانب الإثيوبي من الحدود. وقد رفضت الخارجية السودانية مؤخراً إسناد مسؤولية الضربات داخل تشاد إلى الجيش السوداني دون تحقيق مستقل، وربطت موقفها أيضاً بما قالت إنه تجاهل للهجمات العابرة للحدود من الاتجاه الإثيوبي.
وهنا يصبح السؤال موجهاً إلى المجتمع الدولي بقدر ما هو موجه إلى دول الجوار: هل السيادة تعني فقط منع الجيش السوداني من ملاحقة تهديدات يقول إنها تتحرك عبر الحدود، أم تعني كذلك منع أراضي الدول المجاورة من أن تصبح منصة للإمداد والتجميع والتدريب والانطلاق نحو السودان؟
إن معيار السيادة يفقد كثيراً من معناه عندما يُستدعى عند عبور آثار الحرب إلى دولة مجاورة، بينما يتراجع عندما تكون الحدود نفسها موضع اتهامات بأنها تحولت إلى ممرات للحرب. فالحدود لا تكون مصونة في اتجاه واحد، وأمن الجوار لا يمكن فصله عن مسؤولية دول الجوار في منع أراضيها ومنشآتها من أن تصبح جزءاً من الصراع السوداني.
ولهذا ينبغي ألا يُقرأ تقرير أصوصا باعتباره تحذيراً عسكرياً يخص الدمازين وحدها. إنه جرس إنذار يتعلق بطبيعة الحرب التي تتشكل حول السودان، وبالبيئة الإقليمية التي تتحرك داخلها، وبالحاجة إلى استراتيجية سودانية تجمع بين التأمين العسكري للحدود، والعمل الاستخباري، والدبلوماسية النشطة، والتوثيق المهني لأي دعم خارجي وتقديمه إلى المنظمات الدولية باعتباره قضية تتصل بسيادة الدولة وأمن المدنيين معاً.
فإذا كانت صور الأقمار الصناعية قادرة على عد المركبات والحاويات داخل أصوصا، فإن السؤال الذي لم يعد ممكناً تجاوزه هو: إلى أين تتجه هذه القوة، ولأي غرض جرى إعدادها، ومن يتحمل مسؤولية وجودها وتحركها وما قد يعبر منها نحو السودان؟



