الحوار الوطني في السودان: من المشاورات الأولية إلى هندسة التوافق واستعادة الإرادة الوطنية!؟

في اللحظة السودانية الراهنة، لا ينبغي أن يُقاس الحوار الوطني بما إذا كان سيحقق توافقاً كاملاً منذ بدايته، وإنما بقدرته على فتح الطريق أمام السودانيين لاستعادة حقهم في إدارة خلافاتهم وصياغة مستقبل دولتهم بأنفسهم. ومن هنا تكتسب المشاورات الأولية الجارية من قبل الدولة وأطرافه،أهمية استثنائية، ليس باعتبارها نهاية الطريق، وإنما باعتبارها الاختبار الأول لإمكان تحويل الرغبة في الخروج من الحرب بصدق إلى مسار سياسي وطني قابل للحياة.
إن الحوار الذي يبدأ في بيئة حرب لا يمكن أن يكون حواراً مثالياً؛ فهو يبدأ وسط انعدام ثقة عميق، وتراكمات سياسية واجتماعية، وتدخلات إقليمية ودولية، وخطابات متعارضة حول الشرعية والمستقبل. ولذلك فإن التعامل معه بمنطق إما أن ينجح كاملاً من البداية أو لا جدوى منه هو في حد ذاته وصفة لتعطيله. فالحوارات الوطنية الكبرى في تجارب الدول الخارجة من النزاعات والحروب لم تبدأ عادةً من نقطة التوافق، بل من الاعتراف بأن استمرار الاختلاف خارج إطار سياسي منظم أكثر كلفة من إدارته داخل ذلك الإطار وتبعات الحرب والضغوط الخارجية تزداد.
الحوار ليس مكافأة لأحد
الموقف الوطني الصحيح من المشاورات الأولية ينبغي أن يتجاوز الذات والاستقطاب بين مؤيد ومعارض. فمن حق أي طرف سوداني أن يطرح تحفظاته، وأن يسأل عن الضمانات، والتمثيل، والأجندة، وآليات اتخاذ القرار، ومخرجات الحوار. وأدوات تنفيذها،لكن من المهم في الوقت نفسه التمييز بين النقد الذي يريد تحسين مسار الحوار، والتشكيك الذي يريد إجهاضه، وتلبيسه بالأجندات الخارجية.
هناك فرق جوهري بين أن نقول: الحوار يحتاج إلى شروط أفضل، وبين أن نقول: لا حوار أصلاً. الأول موقف سياسي مشروع يمكن البناء عليه؛ أما الثاني فيغلق الباب أمام أي إمكانية لإدارة الخلافات السودانية بالوسائل السياسية السلمية.
والأهم أن لا تتحول الخلافات حول الحوار نفسه إلى سبب لإضاعة فرصة الحوار.
لقد دفع السودان ثمناً بالغاً للصراع. ولا يمكن أن تكون النتيجة الطبيعية لكل هذه المآسي هي إعادة إنتاج الأزمة السياسية بالأدوات ذاتها التي سبقت الحرب. إن المطلوب هو الانتقال من منطق الغلبة إلى منطق التسوية، ومن منطق الإقصاء إلى منطق إدارة الاختلاف، ومن منطق انتظار الحل الخارجي إلى استعادة المبادرة الوطنية، فهي الطريق الي التعافي الوطني.
المشاورات الأولية ليست مرحلة شكلية
ينبغي النظر إلى المشاورات الأولية باعتبارها مرحلة تأسيسية بالغة الأهمية. فهي التي يمكن أن تحدد طبيعة العملية، وتختبر مدى استعداد القوى المختلفة للجلوس معاً، وتكشف مبكراً نقاط الاتفاق والخلاف، وتتيح إعادة تصميم آليات الحوار قبل دخوله مرحلته الأوسع.
وهنا تكمن قيمة الحراك والكتابات والأوراق والمبادرات السودانية التي ظهرت خلال الفترة الماضية. فهذه المساهمات الفكرية والسياسية ليست مجرد مواقف منشورة، وإنما تمثل رأس مال معرفياً وطنياً يمكن البناء عليه في تصميم الحوار، للدفع بافضل الخيارات والسبل.
المطلوب هو ألا تتبعثر هذه الجهود في فضاء المقالات والمبادرات المنفصلة، بل أن تتحول إلى مادة تأسيسية لعملية أكثر تنظيماً، تُجمع فيها الأفكار، وتُصنف المقترحات، وتُحدد مناطق التقاطع، وتُرصد نقاط الخلاف الجوهرية، ثم تُبنى عليها أجندة عملية للحوار.
تعظيم المشتركات قبل إدارة الخلافات
من الأخطاء المنهجية أن يبدأ الحوار السوداني من الأسئلة الأكثر خلافية. فحين تبدأ الأطراف من مناطق الاستقطاب القصوى واعلاء السقوف، فإن احتمال الانهيار يصبح أكبر.
بل الأجدى هو بناء سلم للتوافق يبدأ من المشتركات الكبرى: وحدة السودان، سلامة أراضيه، رمزية الجيش الوطني، حماية مؤسسات الدولة، وقف الحرب، حماية المدنيين، عودة النازحين واللاجئين، إعادة الإعمار، استقلال القرار الوطني، ورفض تحويل السودان إلى ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية والدولية وحرب الارادات وتقاطعاتها.
هذه القضايا يمكن أن تشكل أرضية أولى، ثم يأتي الانتقال تدريجياً إلى الملفات الأكثر تعقيداً.
فالحوار الناجح لا يعني أن يتفق الجميع على كل شيء؛ بل يعني أن يتمكن المختلفون من الاتفاق على قواعد إدارة اختلافهم.
وهذه ربما تكون أهم نقطة ينبغي إدراكها في الحالة السودانية: لا نحتاج إلى صناعة مجتمع متطابق سياسياً، وإنما إلى بناء دولة قادرة على استيعاب التنوع السياسي والاجتماعي دون أن يتحول الاختلاف إلى حرب.
المنطقة الرمادية هي مساحة صناعة التوافق
عقب تعريف المشتركات الوطنية، من الضروري كذلك توسيع ما يمكن تسميته بالمنطقة الرمادية للحوار؛ أي المساحة الواقعة بين المواقف القطعية: مع أو ضد، قبول أو رفض، انتصار أو هزيمة.في هذه المنطقة توجد فرص التسوية الحقيقية.
هناك قوى قد لا تكون مقتنعة بكل تفاصيل الحوار، لكنها لا ترفض مبدأه. وهناك قوى لديها تحفظات على آلياته لكنها مستعدة لمناقشتها. وهناك شخصيات وطنية قد لا تنتمي إلى أي معسكر سياسي واضح، لكنها تمتلك خبرة وثقة عامة يمكن أن تساعد في تقريب المواقف.
هذه المساحات يجب ألا تُهمل؛ بل ينبغي استثمارها وتوسيعها، لأنها تمثل القوة الوسطى التي يمكن أن تحمل الحوار من الاستقطاب إلى التوافق وتعزيز فرص التراضي الوطني.
ومن هنا تبرز أهمية التواصل الهادئ والمباشر مع مختلف الأطراف، وعدم تحويل الاختلاف إلى خصومة شخصية، وعدم التعامل مع المتحفظين باعتبارهم خصوماً للحوار بالضرورة.
فالهدف ليس جمع المؤيدين للحوار فقط، وإنما زيادة عدد الذين يمكن إقناعهم بإمكان إصلاحه والمشاركة فيه.
«فنجاح الحوار الوطني لا يُقاس بقدرة طرف على انتزاع أقصى مطالبه، بل بقدرة جميع الأطراف على تقديم تنازلات متبادلة تحفظ الجوهر وتوسّع المشترك؛ فالتنازل المتبادل ليس انكساراً ولا تفريطاً، وإنما شجاعة وطنية تفتح الطريق من تعدد المواقف إلى وحدة المقصد، ومن إدارة الصراع إلى صناعة المستقبل.»
الحوار يحتاج إلى مصدات سياسية وفكرية
في المقابل، لا يمكن أن يكون الحوار بلا حماية سياسية وفكرية. فكل عملية سياسية في بيئة شديدة الاستقطاب تحتاج إلى ما يحميها من حملات التشويه والتشكيك والإرباك.
لكن هذه الحماية لا ينبغي أن تقوم على إسكات النقد، وإنما على إنتاج حجة وطنية أقوى من حملات التشكيك.
والسودان اليوم في حاجة إلى مصدات قوية أمام كل خطاب يحاول تصوير الحوار باعتباره مؤامرة، أو تنازلاً عن الدولة، أو مكافأة لمن تسبب في الحرب، او بتكسب من استمرارها، أو مساراً مفروضاً من الخارج. والقاعدة هنا واضحة:
من يريد إصلاح الحوار فليتقدم بمقترح؛ ومن يرفض آلية فليطرح بديلاً؛ ومن ينتقد مخرجاً فليقدم مخرجاً أفضل.
أما تحويل التشكيك إلى غاية في ذاته، من دون بديل قابل للحياة، فلن يؤدي إلا إلى إطالة الأزمة.
لا ينبغي أن يقرر دعاة الحرب ورعاتها مستقبل السودان
وهناك قضية أكثر عمقاً تتصل بالسيادة الوطنية.
إذا كانت الحرب السودانية قد أصبحت، بصورة أو بأخرى، متداخلة مع أجندات ومصالح إقليمية ودولية، فإن ذلك يجعل استعادة المبادرة الوطنية أكثر إلحاحاً لا أقل.
لا يمكن للسودان أن ينتظر القوى الخارجية التي امتلكت مصالحها في الحرب لتحدد وحدها شكل السلام، وكتابه المنتظر أو طبيعة التسوية، أو مستقبل الدولة.
المجتمع الدولي يمكن أن يساعدفنيا وتقنيا ، والوسطاء يمكن أن يسهلوا، والدول الصديقة يمكن أن تدعم؛ لكن صناعة العقد السياسي السوداني يجب أن تبقى سودانية خالصة.
فمن صنع الحرب أو غذّاها أو استفاد منها لا ينبغي أن يتحول إلى صاحب الحق الحصري في تحديد كيفية إنهائها أو هندسة مستقبل البلاد بعدها، وكاننا نكرر المأساة ولا نعي الدروس.
الاستفادة من تجارب الآخرين دون استنساخها
تجارب الحوار الوطني في دول مختلفة تؤكد أن نجاح العملية السياسية يرتبط بعدة عناصر: وضوح الهدف، شمول أصحاب المصلحة الحقيقيين، وجود جهة محايدة قادرة على إدارة العملية، توفير ضمانات معقولة للأطراف، ترتيب الأولويات، المرونة في التفاوض، والانتقال من الحوار إلى آليات تنفيذ واضحة.
لكن السودان لا يحتاج إلى استنساخ نموذج أجنبي بعينه، وبإمكان عقل اهله الجمعي أن ينتج ما يناسبه ويلبي طموحات شعبه.
فالسودان لديه من الخبرة السياسية والاجتماعية والتاريخية ما يسمح له ببناء نموذج سوداني للحوار يأخذ من التجارب الدولية ما يناسبه ويترك ما لا يتوافق مع تركيبته وظروفه.
وهنا يمكن أن تكون الخبرات الأكاديمية والدبلوماسية والقانونية والإدارية، إلى جانب القيادات المجتمعية والشباب والمرأة والمجتمع المدني والقطاع الخاص والمهنيين، جزءاً من عملية إنتاج المعرفة اللازمة للحوار.
من الحوار إلى هندسة المستقبل
المطلوب في نهاية المطاف ألا يكون الحوار مجرد منصة لتبادل الخطب والمواقف، بل آلية لإعادة هندسة العلاقة بين الدولة والمجتمع والقوى السياسية. ولذلك ينبغي أن تتضمن العملية، منذ وقت مبكر، مسارات متوازية:
1. مساراً سياسياً لمعالجة القضايا المتعلقة بالانتقال والشرعية والحكم.
2. مساراً مجتمعياً لمعالجة آثار الحرب والمصالحات المحلية.
3. مساراً اقتصادياً لإعادة الإعمار ومعالجة الانهيار الاقتصادي.
4. مساراً دستورياً وقانونياً لتحديد قواعد المرحلة المقبلة.
5. مساراً للعدالة والمساءلة وجبر الضرر.
6. ومساراً إقليمياً ودولياً يضمن الدعم دون أن ينتزع ملكية العملية من السودانيين.
بهذا يتحول الحوار من مجرد حدث سياسي إلى عملية وطنية متكاملة لإعادة بناء الدولة.
فرصة ينبغي ألا تضيع
السودان لا يملك رفاهية الانتظار حتى يصبح الجميع مقتنعين بالحوار. ففي الدول الخارجة من الحروب، لا يأتي التوافق عادة قبل الحوار؛ بل يتولد التوافق من الحوار نفسه.
لذلك فإن المهمة الآن ليست الدفاع عن الحوار بوصفه مشروعاً مكتملاً، وإنما الدفاع عن حق السودانيين في تطويره وتصحيح مساره وتحسين شروطه.
كل تحفظ يمكن تحويله إلى سؤال.
وكل سؤال يمكن تحويله إلى تفاوض.
وكل تفاوض يمكن أن ينتج تسوية.
وكل تسوية قابلة للحياة يمكن أن تصبح لبنة في بناء السلام ومسيرة استعادة الدولة.
وهكذا يصبح الحوار ليس مجرد استجابة للحرب، وإنما أداة للخروج من منطق الحرب ذاته.
لقد عانى السودان بما يكفي من الحرب، ومن الانقسامات، ومن التدخلات، ومن تعدد المشاريع التي تتنافس على مستقبله. والمرحلة المقبلة ينبغي أن تكون مرحلة استعادة الإرادة الوطنية، لا إعادة توزيع الوصاية على السودان.
إن أفضل ما يمكن فعله الآن هو تكثيف التواصل بين أصحاب المبادرات، وتقدير الجهود السودانية السابقة، وجمع الكتابات والأوراق والرؤى في إطار معرفي واحد، وتعظيم المشتركات، وتحديد نقاط الخلاف بواقعية، وتوسيع المنطقة الوسطى، وإشراك أصحاب الخبرة والكفاءة، وبناء آليات شفافة وقابلة للتطوير.
فالحوار الناجح لا يبدأ حين يتفق السودانيون، وإنما يبدأ حين يقرر السودانيون أن اختلافهم لا يجوز أن يظل سبباً لاستمرار الحرب.
والقاعدة الاستراتيجية التي ينبغي أن تحكم المرحلة هي:
لا نحتاج إلى حوار يخفي خلافات السودانيين، بل إلى حوار يمكّنهم من إدارة خلافاتهم دون حرب؛ ولا نحتاج إلى توافق يُفرض عليهم من الخارج، بل إلى تسوية يصنعونها بأنفسهم، ويحملون مسؤولية تنفيذها، ويصوغون بها مستقبل دولتهم.
وفي النهاية، فإن نجاح المشاورات الأولية لا يقاس بعدد من يؤيدونها اليوم، وإنما بقدرتها على توسيع دائرة القبول، وتحويل المتحفظين إلى شركاء، وتحويل الخلاف من عقبة إلى مادة للتفاوض، وتحويل المبادرات المتفرقة إلى مشروع وطني جامع.
ذلك هو الطريق الأكثر واقعية من الحرب إلى السلام، ومن السلام إلى الدولة، ومن الدولة المأزومة إلى دولة سودانية فاعلة وقادرة تستعيد قرارها ومستقبلها.
«فالحوار الوطني ليس بحثاً عن اتفاقٍ يلغي خلافات السودانيين، بل عن إرادةٍ مشتركة تمنع خلافاتهم من تدمير وطنهم؛ فحين تستعيد القوى الوطنية زمام المبادرة، يصبح السلام صناعةً سودانية، وتتحول مرارة الحرب من نهايةٍ مؤلمة إلى بدايةٍ جديدة لبناء الدولة وصون كرامة شعبها ومستقبله.»



