

✍🏼 د.وجدي ميرغني محجوب
رئيس مجلس إدارة قناة سودانية 24
في العشرين من أغسطس 2016، انطلق بث قناة سودانية 24، حاملاً فكرة بدت يومها طموحة ومختلفة: أن تكون هناك شاشة سودانية تنظر إلى الاقتصاد باعتباره قضية المواطن اليومية، وإلى الإعلام باعتباره شريكاً في التنمية، ومنبراً لخدمة المجتمع، ومساحة للتعريف بقدرات السودان وفرصه وإمكاناته.
كانت تلك هي الفكرة التي قامت عليها سودانية 24، وكانت رسالتها منذ اليوم الأول تتجاوز مجرد تقديم قناة تلفزيونية تضاف إلى سابقاتها. أردناها شاشة سودانية حديثة، قريبة من الناس، منحازة إلى قضاياهم، ومهتمة بالاقتصاد والإنتاج والاستثمار ومعاش الناس، وبالأسرة والمجتمع والثقافة والفنون والسياسة والشأن العام.
اخترنا يومها شعاراً بسيطاً في كلماته، واسعاً في دلالاته: «بلد في شاشة».
وكان المقصود أن يرى السوداني بلده في شاشته؛ أن يرى منتجه ومزارعه وصانعه ورجل أعماله وشبابه ونساءه ومبدعيه، وأن يرى أيضاً مشكلاته وتطلعاته وآماله.
واليوم، ونحن نحتفل بمرور عشر سنوات على انطلاق سودانية 24، نستعيد تلك الفكرة الأولى بقدر كبير من الاعتزاز، ولكن أيضاً بقدر أكبر من المسؤولية.
لقد كانت السنوات العشر الماضية مليئة بالتحديات والتحولات. مرت القناة بظروف اقتصادية وسياسية وإعلامية بالغة الصعوبة، ثم جاءت حرب أبريل 2023 لتضرب السودان في بنيته الاقتصادية والاجتماعية، وتدمر مؤسسات وشركات ومقدرات، ولم تكن سودانية 24 استثناءً من ذلك كله.
توقفت الحياة في أماكن كثيرة، واضطرت مؤسسات إلى التوقف أو تقليص نشاطها، ووجدت سودانية 24 نفسها أمام واحد من أصعب الاختبارات في تاريخها.
لكنها لم تتخلَّ عن فكرتها.
واصلت حضورها عبر المنصات الرقمية، وحافظت على علاقتها بجمهورها، وتمسكت باسمها ومشروعها، وظلت تبحث عن الطريق الذي يمكنها من العودة إلى المشهد الإعلامي بصورة أكثر واقعية وقدرة على الاستمرار.
وليس من حقنا، ونحن نحتفل اليوم، أن نتحدث عن النجاحات وننسى الثمن الذي دُفع من أجل استمرار القناة.
لقد كان وراء هذه السنوات رجال ونساء عملوا في ظروف صعبة، وواجهوا أوقاتاً لم يكن فيها الاستمرار أمراً سهلاً. وكان وراءها أيضاً جمهور ظل يمنح القناة ثقته ومتابعته، ويحاسبها عندما تخطئ، ويدفعها إلى أن تكون أفضل.
وإلى هؤلاء جميعاً أتوجه، باسم مجلس الإدارة، بالشكر والتقدير.
لقد حققت سودانية 24، خلال فترة قصيرة من انطلاقها، حضوراً متقدماً بين القنوات السودانية، ونجحت في الوصول إلى قطاعات واسعة من الجمهور، وقدمت نماذج وبرامج وتجارب جديدة، وطرقت مجالات لم تكن تحظى بما تستحقه من اهتمام على الشاشة السودانية.
وكان الاقتصاد، منذ البداية، أحد أبرز ملامح هويتها.
لكن نجاح سودانية 24 لم يكن في عدد المشاهدات أو الانتشار وحدهما. القيمة الحقيقية كانت في قدرتها على جعل قضايا الاقتصاد والإنتاج والاستثمار والعمل ومعاش الناس موضوعاً إعلامياً يومياً، وفي فتح مساحات للنقاش حول قضايا المجتمع، ومنح قصص النجاح والمبادرات والمنتج السوداني مساحة على الشاشة.
فالقناة لم تُنشأ لتكون مجرد قناة أخرى تضاف إلى قائمة القنوات السودانية، وإنما لتكون مشروعاً إعلامياً له وظيفة.
واليوم، بعد عشر سنوات، تغير السودان، وتغيرت معه أولويات سودانية 24.
السودان الذي نستعد للعودة إليه وإلى مرحلة جديدة من تاريخه ليس هو السودان الذي انطلقت فيه القناة عام 2016.
لقد دفعت الحرب ثمناً هائلاً من الأرواح والموارد والمؤسسات، وخلقت واقعاً جديداً ستكون أمامه مهمة شاقة وطويلة: إعادة بناء الإنسان، وإعادة إعمار المكان، واستعادة الإنتاج، وإصلاح الخدمات، وإعادة الثقة، وترميم النسيج الاجتماعي، وخلق فرص جديدة للحياة والعمل.
وفي هذه المرحلة، لن يكون مطلوباً من الإعلام أن يكتفي بوصف ما يحدث.
سيكون مطلوباً منه أن يشارك في البناء.
ومن هنا تأتي رؤيتنا الجديدة لسودانية 24.
نريد أن تكون القناة أكثر التصاقاً بالاقتصاد ومعاش الناس، وأكثر حضوراً في مواقع الإنتاج وإعادة الإعمار، وأكثر اهتماماً بالمشروعات الصغيرة والمتوسطة، وبالزراعة والصناعة والخدمات، وبقصص السودانيين الذين يحاولون إعادة بناء حياتهم من الصفر.
نريد أن نذهب إلى حيث يُبنى السودان، لا أن ننتظر السودان في الاستوديو.
نريد أن نتابع المشروع منذ بدايته، وأن نسأل عن الموارد التي أُنفقت، والنتائج التي تحققت، والخدمات التي وصلت إلى المواطن.
نريد إعلاماً يراقب الأداء التنفيذي بمهنية ومسؤولية، لا من أجل التشهير، وإنما من أجل أن يعرف المواطن أين تذهب الموارد، وما الذي تحقق، وما الذي تعطل، ولماذا.
ونريد أن نعيد تعريف علاقتنا بالسياسة. لن يكون السؤال الوحيد: من يحكم السودان؟ بل سيكون السؤال أيضاً: كيف يُدار السودان؟ وكيف تؤثر السياسات والقرارات في حياة المواطن؟ وكيف يمكن أن نعيد تشغيل الاقتصاد، ونبني المدارس والمستشفيات والطرق والأسواق، ونخلق فرص العمل، ونستعيد الإنتاج؟
نريد أن تكون سودانية 24 شاشة ترى المستقبل، لا شاشة تعيش على اجترار الماضي.
نريد أن نمنح مساحة أكبر للثقافة والفنون والهوية السودانية، وأن نحتفي بتنوع بلادنا، وأن نفتح أبواب الحوار والتعايش، وأن نواجه خطاب الكراهية والانقسام، وأن نساعد، بما نستطيع، في إعادة بناء الثقة بين السودانيين.
وسنظل منحازين إلى المواطن السوداني، وإلى حقه في المعرفة والخدمة والحياة الكريمة، ومنحازين إلى السودان ووحدته وتنوعه ومستقبله.
هذه ليست مهمة سهلة.
بل ربما تكون أصعب من المهمة التي بدأناها قبل عشر سنوات.
لكننا نؤمن أن الأوطان لا تعمرها الأمنيات، ولا الحكومات وحدها، ولا المؤسسات وحدها.
الأوطان يعمرها أبناؤها.
وإذا كانت السنوات الماضية قد جعلت مساهمة سودانية 24 في الشأن الوطني جزءاً من رسالتها الإعلامية، فإن المرحلة المقبلة تجعل هذه الرسالة واجباً وطنياً.
نحن لا نعد بأن تكون سودانية 24 قادرة وحدها على تغيير السودان، لكننا نعد بأن نفعل ما نستطيع، بما نملك من خبرة وإرادة، لكي تكون القناة جزءاً من عملية التغيير والبناء.
نريد في السنوات القادمة سودانية 24 أكثر حضوراً في الولايات، وأكثر قرباً من الناس، وأكثر اهتماماً بالإنتاج، وأكثر جرأة في طرح الأسئلة، وأكثر ابتكاراً في المحتوى، وأكثر قدرة على استخدام التكنولوجيا والمنصات الرقمية، وأكثر انفتاحاً على السودانيين في الداخل والخارج.
نريد أن ننتقل من «بلد في شاشة» إلى معنى أوسع وأكثر إلحاحاً:
«بلد يُبنى على الشاشة، وحياة تُبنى من جديد».
وفي الذكرى العاشرة، لا نحتفل فقط بعشر سنوات مضت.
نحن نحتفل بفكرة استطاعت أن تبقى.
وباسم مجلس إدارة سودانية 24، أتوجه بالشكر إلى كل من ساهم في تأسيس هذه التجربة، وإلى كل من عمل فيها، وإلى شركائنا ومعلنينا، وإلى ضيوفنا ومتابعينا، وإلى جمهورنا الذي منحنا طوال هذه السنوات ما هو أثمن من أي شيء آخر: ثقته.
والتحية، قبل كل شيء، إلى شعب السودان.
إلى الذين ظلوا متمسكين بهذا الوطن رغم كل ما حدث.
إلى الذين فقدوا الكثير، لكنهم لم يفقدوا الأمل.
وإلى كل سوداني وسودانية يؤمن بأن هذه البلاد، بكل ما فيها من جراح، لا تزال تستحق أن تُبنى من جديد.
عشر سنوات مضت.
والطريق أمامنا أطول.
لكننا أكثر إيماناً اليوم بالفكرة التي بدأنا بها قبل عقد من الزمان.
سودانية 24 ليست مجرد قناة تلفزيونية.
إنها محاولة مستمرة لأن يكون للسودان صوت يرى إمكاناته، ويقترب من مشكلاته، ويحتفي بأبنائه، ويساند إنتاجه، ويحرس وحدته، ويتطلع إلى مستقبله.
كل عام وسودانية 24 والعاملون فيها بخير.
كل عام وجمهورها بخير.
وكل عام والسودان أقرب إلى السلام، وأقرب إلى النهوض كمارد جبار، وأقرب إلى أن يستعيد عافيته ومكانه ومستقبله.
عشر سنوات مضت…
والحكاية لم تنتهِ.
بل ربما بدأت الآن.






