قبل أن يكتب التاريخ حكمه… رسائل مفتوحة إلى السيد الرئيس (5-7)(خواطر من أجل رؤية وطنية لمسؤولية القيادة في إصلاح وبناء الدولة السودانية بعد الحرب)

الإنسان السوداني… أساس النهضة وبناء الدولة
السيد الرئيس…
قد تنجح الدول في إعادة بناء الجسور والطرق والمطارات خلال سنوات قليلة، وقد تتمكن من إصلاح الاقتصاد واستعادة عجلة الإنتاج، غير أن أصعب عمليات البناء على الإطلاق تظل إعادة بناء الإنسان. فالأوطان تنهض بالعقول، والقيم، والانتماء، والثقة التي تربط المواطن بدولته، بقدر ما تنهض بإعادة إعمار الحجر.
لقد تركت الحرب آثاراً عميقة لم تقتصر على الدمار المادي، بل امتدت إلى الإنسان نفسه. فقد شردت ملايين الأسر، وتوقفت المدارس والجامعات، وتعطلت الخدمات الصحية، وفقد كثير من الشباب فرص التعليم والعمل، ونشأ جيل كامل في أجواء الخوف والنزوح وعدم الاستقرار. وهذه الآثار، إن لم تُعالج بوعي ورؤية، قد تبقى لعقود طويلة، حتى بعد أن تتوقف أصوات البنادق.
إن بناء الإنسان السوداني يجب أن يكون المشروع الوطني الأول في مرحلة ما بعد الحرب، لأنه الأساس الذي تُبنى عليه بقية المشروعات. فالتعليم، والصحة، والثقافة، والقيم، والعدالة الاجتماعية، تشكل منظومة متكاملة لصناعة المواطن القادر على حماية وطنه، والمشاركة في تنميته، والإيمان بمستقبله.
السيد الرئيس…
إن التعليم هو الاستثمار الوحيد الذي تتضاعف عوائده مع الزمن. والمدرسة تمثل البيئة التي تُبنى فيها الشخصية، وتُغرس فيها قيم الانضباط، واحترام القانون، وروح العمل الجماعي، والاعتزاز بالوطن. والجامعة تمثل منارة للعلم والبحث والإبداع، ومنها تخرج العقول التي تدير الاقتصاد، وتطور الصناعة، وتقود مؤسسات الدولة.
ويأتي القطاع الصحي مكملاً لهذه الرسالة؛ فالمواطن الذي لا يجد علاجاً آمناً ولا رعاية صحية كريمة، يصعب أن يكون منتجاً، أو مستقراً، أو قادراً على الإسهام في بناء وطنه. ومن هنا فإن إعادة تأهيل المستشفيات، وتوسيع خدمات الرعاية الأولية، وتوفير الدواء، وتأهيل الكوادر الطبية، ينبغي أن تكون ضمن أولويات الدولة في مرحلة الإعمار.
أما الشباب، فهم الثروة الحقيقية للسودان، ولن يكون مستقبل البلاد أفضل من حاضر شبابها. ومن واجب الدولة أن تفتح أمامهم أبواب التدريب، والعمل، والابتكار، وريادة الأعمال، وأن تجعلهم شركاء في صناعة المستقبل، لا مجرد متلقين لنتائجه. فالشباب الذين يجدون فرصة للإبداع داخل وطنهم، يصبحون قوة تدفعه إلى الأمام، بينما يؤدي فقدان الأمل إلى خسارة الوطن لطاقاته قبل أن يخسر أبناءه.
كما أن المرأة السودانية، التي تحملت أعباء الحرب والنزوح وفقد الأحبة، تستحق أن تكون شريكاً كاملاً في مرحلة البناء. فقد أثبتت، عبر تاريخ السودان، قدرتها على التعليم، والإدارة، والعمل، والصبر، والإنتاج، ولن يكتمل أي مشروع وطني من دون إسهامها الكامل في صناعة مستقبله.
السيد الرئيس…
إن الأطفال الذين ولدوا أو نشأوا في سنوات الحرب هم أمانة في أعناق الجميع. وإذا لم توفر لهم الدولة التعليم، والرعاية، والحماية، والبيئة الآمنة، فإنها تخاطر بأن ترث الأجيال القادمة آثار الحرب بدلاً من أن ترث فرص السلام.
وفي السياق نفسه، يبرز ملف النازحين واللاجئين والمهاجرين الذين ينتظرون العودة إلى وطن يجدون فيه الأمان والكرامة. فعودة المواطنين إلى ديارهم تمثل استعادة للثقة بين الدولة ومواطنيها، وتمهد الطريق لإعادة إعمار المجتمع قبل إعادة إعمار العمران.
كما أن الثقافة والإعلام يحملان مسؤولية كبيرة في هذه المرحلة. فبناء الوعي الوطني، ونشر قيم التسامح، واحترام التنوع، وتعزيز روح المسؤولية، ومحاربة خطاب الكراهية، كلها مهام لا تقل أهمية عن إعادة بناء الطرق أو المصانع. فالمجتمعات التي تتصالح مع نفسها تكون أقدر على التقدم والاستقرار.
السيد الرئيس…
إن السودان لم يكن يوماً فقيراً في موارده البشرية، بل كان غنياً برجاله ونسائه، بعلمائه ومبدعيه، بأطبائه ومهندسيه، وبشبابه الذين أثبتوا، داخل الوطن وخارجه، قدرتهم على النجاح كلما وجدوا البيئة التي تحتضن طاقاتهم. ولذلك فإن التحدي الحقيقي يتمثل في استعادة هذه الكفاءات، والمحافظة عليها، وإتاحة الفرصة لها لتسهم في نهضة البلاد.
إن بناء الدولة يبدأ من بناء الإنسان، وبناء الإنسان يبدأ من احترام كرامته، وصون حقوقه، وتوفير الفرص العادلة له، وإشعاره بأن الوطن يتسع للجميع، وأن القانون يحمي الجميع، وأن المستقبل يُصنع بالعمل والكفاءة، لا بالمحسوبية أو الانتماءات الضيقة.
السيد الرئيس…
إن الأمم التي خلدها التاريخ صنعت مجدها ببناء الإنسان القادر على تحويل الثروات إلى حضارة. والسودان يملك من الطاقات البشرية ما يؤهله لأن يستعيد مكانته، متى أصبحت تنمية الإنسان البوصلة التي تهتدي بها السياسات العامة.
ومن أراد دولة قوية، فالبداية تكون ببناء مواطن قوي. فالنهضة المستدامة تنطلق من الإنسان؛ فهو أساس التنمية، وغايتها، والضمان الحقيقي لبقاء الوطن واستمرار رسالته.
الجمعة 31 يوليو 2026م



