الرواية الأولى

نروي لتعرف

هموم وقضايا / السفير د. معاوية التوم

مضيق هرمز يعود إلى حافة الانفجار: لماذا انهارت التهدئة وعادت الحرب إلى التصعيد؟

السفير د. معاوية التوم

يلم يكن التصعيد الأخير في مضيق هرمز مجرد حادثة عسكرية عابرة، بل يمثل انتقالًا إلى مرحلة جديدة من الصراع، عنوانها الرئيس الصراع على تفسير اتفاق وقف التصعيد نفسه. فقد أثبتت التطورات الأخيرة أن الاتفاقات المؤقتة التي تُبنى على عبارات عامة دون آليات تنفيذ ورقابة واضحة وضمانات، لا تؤجل الحرب فحسب، بل قد تؤسس لجولة أكثر خطورة منها، كما هو المشهد الان.

التصعيد الحالي لا يمكن فهمه باعتباره نتيجة خرق ميداني منفرد أو متبادل، وإنما هو انعكاس لاختلاف جوهري بين الولايات المتحدة وإيران حول مضمون مذكرة التفاهم التي وُقعت لإنهاء المواجهة العسكرية وإعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية. فقد تركت المذكرة عدة قضايا استراتيجية دون حسم نهائي، وهو ما سمح لكل طرف بتقديم تفسير يخدم مصالحه وأهدافه الاستراتيجية, لتعود الأوضاع الي تصعيد اسوأ من مراحل الحرب في بداياتها.

أولًا: الغموض البنيوي في مذكرة التفاهم

السبب الأكثر أهمية وراء انهيار التهدئة يتمثل في أن المذكرة لم تكن اتفاق سلام شامل، بل إطارًا مؤقتًا لوقف الأعمال القتالية، وربما اختبار للنوايا أكثر منه الي التفاهم. وقد تضمنت نصوصًا عامة بشأن أمن الملاحة وإعادة فتح المضيق، لكنها لم تحدد بصورة قاطعة من يمتلك سلطة إدارة المرور البحري، ولا كيفية معالجة الخلافات عند وقوعها. هذا الغموض أوجد مساحة واسعة للتفسيرات المتعارضة، خاصة فيما يتعلق بالملاحة في مضيق هرمز وآليات تنفيذ الالتزامات، وتجدد الاثر على الوضع العالمي.

ثانيًا: معركة السيادة على مضيق هرمز

في جوهر الأزمة الحالية يدور الصراع حول سؤال واحد: من يملك حق تنظيم وتأمين الملاحة في المضيق؟

ترى إيران أن المذكرة اعترفت عمليًا بدورها المحوري في إدارة أمن المضيق باعتباره جزءًا من سيادتها وأمنها القومي، بينما تعتبر الولايات المتحدة أن الاتفاق منح حرية الملاحة الدولية أولوية مطلقة، ولا يسمح لطهران بفرض قيود أو إجراءات أحادية على السفن العابرة.وعمان شريك الي جانب دول المنطقة ، والمواثيق الدولية لها راي!؟

وهنا تحولت المسألة القانونية إلى مواجهة عسكرية، إذ أصبحت كل سفينة تمر عبر المضيق تمثل اختبارًا عمليًا لتفسير الاتفاق، وليس مجرد عبور تجاري آمن كما ينبغي أن يكون.

ثالثًا: الردع بالقوة بدلًا من التحكيم

في الاتفاقات المستقرة، تُحل الخلافات عبر اللجان المشتركة أو التحكيم. أما في هذه الأزمة، فقد اختار الطرفان العودة إلى منطق القوة.

فالولايات المتحدة سعت إلى فرض تفسيرها عبر عمليات عسكرية وتأمين حرية الملاحة بالقوة، بينما ردت إيران بإظهار قدرتها على التأثير في ندية كاملة تطال حركة السفن واستهداف المصالح العسكرية الأمريكية في المنطقة، في رسالة مفادها أن أمن المضيق لا يمكن فرضه دون أخذ المصالح الإيرانية في الاعتبار.

رابعًا: غياب الثقة الاستراتيجية

تكشف الأزمة أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في نصوص الاتفاق بقدر ما تكمن في انعدام الثقة بين الطرفين، ونكوص متعمد في كثير من الأحيان .

فكل طرف ينظر إلى خطوات الآخر باعتبارها محاولة لتغيير موازين القوى، وليس تنفيذًا حسن النية للاتفاق. لذلك أصبحت أي حادثة بحرية أو تحرك عسكري محدود قابلة للتحول إلى أزمة استراتيجية واسعة.

خامسًا: المضيق بوصفه ورقة تفاوض لا مجرد ممر بحري

لم يعد مضيق هرمز مجرد شريان لنقل الطاقة العالمية، بل تحول إلى أداة تفاوض استراتيجية.فالولايات المتحدة تستخدم حرية الملاحة لإعادة تثبيت حضورها العسكري والسياسي في الخليج، بينما ترى إيران أن المضيق يمثل أهم أوراق الردع لديها في مواجهة الضغوط الغربية والعقوبات الاقتصادية. لذلك فإن السيطرة على المضيق تعني امتلاك ورقة تفاوض مؤثرة في أي تسوية إقليمية أو دولية.

سادسًا: رسائل تتجاوز إيران والولايات المتحدةيحمل التصعيد الحالي رسائل إلى أطراف أخرى في الإقليم والعالم.

فالدول الخليجية تراقب قدرة القوى الكبرى على حماية طرق التجارة، وأسواق الطاقة تتابع أي تهديد للممر الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية، بينما تراقب القوى الدولية، وفي مقدمتها الصين والهند والاتحاد الأوروبي، مدى استقرار أحد أهم الممرات البحرية في الاقتصاد العالمي. كما حذرت الأمم المتحدة من التداعيات الإنسانية والاقتصادية لاستمرار المواجهات حول المضيق. وتمضي الرسائل المتضاربة والتباري بالتصريحات والأفعال العسكرية.

إلى أين يتجه المشهد؟

إذا استمر كل طرف في التمسك بتفسيره الخاص لمذكرة التفاهم، فإن احتمالات التصعيد ستظل مرتفعة، حتى وإن تجنب الطرفان حربًا شاملة. فالمشكلة لم تعد في وجود اتفاق، بل في غياب توافق حقيقي على كيفية تطبيقه. وهنالك من يرى بأن المذكرة انتهت.

ومن منظور استراتيجي، تؤكد هذه الأزمة درسًا بالغ الأهمية في العلاقات الدولية: إن الاتفاقات التي تُؤجل الخلافات الجوهرية ولا تعالجها بصورة واضحة، قد تتحول من أدوات لصناعة السلام إلى مصادر جديدة للصراع.

إن ما يجري اليوم في مضيق هرمز ليس مجرد خلاف حول بنود مذكرة تفاهم، بل صراع على قواعد النظام الأمني في الخليج والمنطقة، وعلى من يمتلك حق رسم خرائط القوة وحماية الممرات البحرية في مرحلة دولية تتجه نحو تعددية قطبية أكثر تنافسًا وأقل استقرارًا، ونذرها في تمدد الحرب أكبر من العودة للحل الدبلوماسي.

اترك رد

error: Content is protected !!