اجتماع مجلس الأمن والدفاع في السودان : بين تثبيت السردية العسكرية وإعادة تموضع الدولة في حربٍ تدخل عامها الرابع!؟

في لحظةٍ مفصلية من مسار الحرب السودانية، يأتي اجتماع مجلس الأمن والدفاع في 29 أبريل ليحمل دلالات تتجاوز طابعه الإجرائي، نحو إعادة صياغة الموقف السياسي–العسكري للدولة في ظل حربٍ وجودية استنزافية دخلت عامها الرابع، ما تزال آثارها في تفاعل ووقائعها ممتدة، وسط تقاطعات إقليمية ودولية متسارعة تزيد من تعقيد المشهد. ولعل أبرز تجليات هذا الاجتماع يمكن قراءتها في الآتي:-
أولاً: تثبيت سردية “التقدم الميداني” كأداة سياسية
إشادة المجلس بالقوات المسلحة والقوات المساندة، وسندها الشعبي الكبير، والتركيز على “الانتصارات الميدانية”، لا يمكن قراءته فقط كإحاطة عسكرية، بل كجزء من بناء سردية رسمية تهدف إلى:
• رفع المعنويات الداخلية في ظل حرب طويلة أنهكت المجتمع والدولة.
• تعزيز شرعية القيادة العسكرية عبر إظهار السيطرة والتفوق العملياتي.
• إعادة ضبط إدراك الفاعلين الخارجيين بأن ميزان القوة يميل تدريجياً لصالح الدولة، بما يؤثر على حسابات الدعم والتدخل.
غير أن هذه السردية، رغم أهميتها التعبوية، تظل رهينة بقدرتها على التحول إلى حسم استراتيجي في المحور الغربي في جبهتيه بولايات دارفور وكردفان بشكل كلي ، وهو ما لم يتحقق بعد، في ظل استمرار القتال متعدد الجبهات، وتكيّف العدو الداخلي المسنود خارجياً مع أنماط حرب غير تقليدية.
ثانياً: الاستعدادات العسكرية… من إدارة المعركة إلى إدارة الحرب
اللغة التي استخدمها المجلس حول “التجهيزات اللازمة” و”تفصيل الموقف العسكري” تعكس انتقالاً مهماً من:
• إدارة اشتباكات تكتيكية
إلى
• إدارة حرب طويلة الأمد
وهذا التحول يعني عملياً:
• إعادة هيكلة خطوط الإمداد والتموين.
• تطوير أنماط القتال لتلائم حرب المدن والاستنزاف.
• تعزيز التكامل بين القوات النظامية والقوى الأخرى المساندة، والعمل على توحيد الإمرة والسيطرة تحت لواء الجيش الوطني حصريا.
لكن هذا المسار يحمل مخاطر موازية، أبرزها تعدد مراكز القوة المسلحة، وما قد يترتب عليه لاحقاً من تحديات في ضبط الأمن وإعادة بناء الدولة بعد الحرب، وهي بحاجة لمعالجة عاجلة، طالما أن الظروف الان تمضي الي التعافي الوطني وإمكانية الدمج والتسريح، وحصر المظهر الامني في منظومة الدولة الواحدة.
ثالثاً: سيادة الدولة… خطاب الضرورة في مواجهة واقع الاختراق
تأكيد المجلس على “اتخاذ كافة الإجراءات لحفظ السيادة” يعكس إدراكاً متزايداً بأن التهديد لم يعد داخلياً فقط، بل بات مركباً، يشمل:
• دعم خارجي مباشر أو غير مباشر لأطراف الصراع ووجود مرتزقة اجانب .
• اختراقات وتشوين عبر الحدود.
• توظيف الفضاء الإقليمي في مسار الحرب.
وعليه، فإن خطاب السيادة هنا يؤدي وظيفتين:
1. داخلية: توحيد الجبهة الوطنية حول مفهوم الدولة.
2. خارجية: إرسال رسالة ردع سياسية بأن السودان لن يكون ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات، أو حرب الارادات.
رابعاً: الربط مع تطورات الشرق الأوسط… إدراك لتحول بنية الصراع
إدراج تطورات الحرب في الشرق الأوسط ضمن جدول أعمال الاجتماع ليس تفصيلاً هامشياً، بل مؤشر على:
• إدراك القيادة السودانية أن الحرب لم تعد معزولة، بل جزء من منظومة إقليمية مضطربة، وانعكاسات متمددة .
• محاولة قراءة تأثيرات أزمة الخليج والتصعيد البحري على الأمن السوداني، خاصة في ما يتعلق بالموانئ وسلاسل الإمداد والطاقة .
في هذا السياق، يبرز إشكال لافت بحاجة لمعالجة تستصحب مصالح البلاد ما :
بين الاستعداد العسكري داخلياً والدعوة للحوار إقليمياً، حتى لا تبدو الدعوة محل تناقض ظاهري يخفي مقاربة براغماتية مفادها أن:
الحرب تُدار بالقوة حين تكون داخلية، وتُحتوى بالحوار حين تتقاطع مع مصالح دولية أوسع.
خامساً: تصريحات الرئيس البرهان… بين الحسم والرسائل المركبة
تصريحات البرهان المتزامنة مع الاجتماع تكتسب أهمية خاصة، إذ جاءت لتعزز ثلاث رسائل رئيسية:
1. الاستمرار في الخيار العسكري: تأكيد عدم التراجع أو القبول بتسويات تُبقي على واقع تعدد الجيوش أو فرض الحلول الخارجية.
2. رفض الشرعنة السياسية للخصم: عبر توصيفه كمتمرد، بما يغلق الباب أمام تسويات متكافئة او مساعي لاعادة انتاج التمرد.
3. الانفتاح المشروط على الحلول السياسية: ولكن من موقع قوة، وبعد تغيير موازين الأرض ميدانياً.
هذه الرسائل موجهة في آنٍ واحد إلى:
• الداخل السوداني (رفع التوقعات)
• الفاعلين الإقليميين (إعادة تعريف شروط التفاوض)
• المجتمع الدولي (تحديد سقف الحلول الممكنة بخيارات الداخل)
سادساً: الدلالة الاستراتيجية العامة
يمكن تلخيص مغزى ما جرى في الاجتماع والتصريحات في ثلاث طبقات تحليلية:
- تثبيت معادلة “الحسم المؤجل”
بسلام قريب، وحسم سريع،وتقصير شبح حرب طويلة مهلكة، مع تحسين المواقع التفاوضية. - إعادة تموضع الدولة
من وضع دفاعي كان هشاً و متآكلاً بسبب الحرب، إلى محاولة استعادة المبادرة والسيطرة ، عسكرياً وسياسياً. - الارتباط المتزايد بالإقليم
حيث لم يعد مستقبل الحرب السودانية يُحدد داخلياً فقط، بل يتأثر بشكل مباشر بمسارات الصراع في الخليج والشرق الأوسط جراء الحرب الثلاثية الجارية وتداعياتها على الاقليم والعالم بأسره.
خاتمة
يعكس اجتماع مجلس الأمن والدفاع السوداني في هذا التوقيت دلالات ورمزيات متعددة، وتطورات كبيرة على صعيد الميدان والانتصارات، على خلفية انطلاقة الحرب المركبة والمفروضة على البلاد وما احدثته من واقع. وهي بلا شك، لحظة انتقالية في مسار الحرب السودانية: من مرحلة رد الفعل إلى محاولة بناء استراتيجية شاملة لإدارة تبعاتها والقفز فوق حواجزها. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في تحقيق تقدم ميداني أو رفع السقف السياسي، بل في القدرة على تحويل هذه المؤشرات إلى مسار ينهي الحرب ولا يطيل أمدها، ويعيد الأمن والاستقرار .
ففي ظل حربٍ تدخل عامها الرابع، ويصبح السؤال المركزي والتحدي المحوري ليس من يتقدم ميدانياً، بل: هل تملك الدولة رؤية متكاملة لكيفية إنهاء الحرب، بنصر حاسم يسدل الستار على ويلاتها، أم أنها تكتفي بإدارتها!؟.
——————
٣٠ أبريل ٢٠٢٦



