الرواية الأولى

نروي لتعرف

الرأي

نحو مشروع وطني: تعزيز الهوية السودانية ونبذ الكراهية

السفير د. محمد يوسف حسن

يمر السودان بمنعطف تاريخي يتطلب مراجعة جادة لمسارنا كمجتمع ودولة. لقد أثبتت التجارب أن الانتصارات العسكرية وحدها لا تصنع استقراراً دائماً، وأن البناء الحقيقي يبدأ من داخل المجتمع، من قيمه ومؤسساته وقوانينه. من هنا تنبع الحاجة إلى مشروع وطني جامع يضع تعزيز الهوية السودانية ونبذ خطاب الكراهية في قلب أولوياته. مشروع يتجاوز الشعارات إلى الفعل المؤسسي المنظم.

الكراهية ليست كلمات عابرة بل وقود للصراعات وأداة لتفكيك النسيج الاجتماعي. عانى السودان طويلاً من خطاب جهوي وقبلي وعنصري غذى الحروب وأنتج الإقصاء. كما أن غياب العدالة في توزيع التنمية والثروة عمق مشاعر الغبن، وترك فراغاً تسللت منه جماعات عابرة للحدود لتؤج النزاع. الخلل مركب ويجمع بين الثقافي والقانوني والاقتصادي والأمني، ولا يمكن معالجته بحل جزئي أو مؤقت.

فلسفة هذا المشروع تقوم على قاعدة أساسية وهي أن المؤسسات أهم من الأشخاص. التاريخ يعلمنا أن الإصلاح المرتبط بفرد واحد ينهار بغيابه مهما كان مخلصاً. الدول التي نهضت نقلت مركز الثقل من إرادة القائد إلى قوة النظام. المؤسسة لا يحكمها مزاج شخصي بل قواعد معلومة واختصاصات محددة وآليات مساءلة واضحة. حين يصبح القانون أعلى من الجميع يتحول الحكم إلى عملية منظمة بدل أن يكون ممارسة فردية. هذا هو جوهر التحول الذي نحتاجه.

يبدأ البناء من المجتمع نفسه، من الأسرة والمدرسة والمسجد والنادي. تفعيل دور المعلمين والأئمة والقيادات الأهلية والحكامات في نشر التسامح ضرورة ملحة. تعليم الأساس هو المرحلة التي يتشكل فيها وجدان الطفل، لذا يجب العناية باختيار وتأهيل معلمي هذه المرحلة والتدريب المستمر لهم. المناهج تحتاج تنقيحاً على يد خبراء في التربية وعلم النفس والدين والفنون لغرس قيم التعايش وقبول الآخر. إحياء سنة النفير كحراك جماعي في السراء والضراء يعيد ربط الناس ويقوي الروابط بينهم.

لا تعايش حقيقي دون ردع قانوني واضح. المطلوب تعريف محدد لخطاب الكراهية يشمل التحريض على العنف والتمييز، ثم تجريم هذا الخطاب بعقوبات رادعة تطبق على الجميع دون استثناء. مراجعة قانون الأراضي والحواكير صارت ملحة لنزع فتيل النزاع المتكرر. كما أن تعديل قانون بنك السودان ليضمن للولايات استحقاقاتها كاملة يعزز العدالة الفيدرالية. المساواة أمام القانون وتشديد العقوبة على من يتستر على جريمة أو يخالف الأعراف هي صمام أمان المجتمع. كذلك فإن ضبط شركات الاتصالات بعدم استخراج الشرائح إلا بوثيقة ثبوتية وعنوان مثبت يساعد في محاصرة الجريمة.

الجانب الاقتصادي هو العمود الفقري للاستقرار. الفقر والبطالة يوفران بيئة خصبة للكراهية والتجنيد والجريمة. الحل في إطلاق مشاريع إنتاجية وتمويل أصغر ومتوسط يدعم الأسر والحرفيين والخريجين. تشجيع المجموعات الإنتاجية وتأمين التسويق والصناعات التحويلية يخلق فرص عمل ويحقق الاكتفاء الذاتي. وضع خارطة استثمارية شاملة بمشاركة الخبراء والمجتمعات المحلية يعالج الغبن التاريخي ويحقق عدالة التوزيع.

الأمن وسيادة القانون شرطان لنجاح أي مشروع وطني. مراجعة قوانين الهجرة وضبط الحدود أمر لا يحتمل التأجيل لوقف التسرب عبر المنافذ الرخوة. يجب مراقبة الوجود الأجنبي غير المقنن ومعاقبة المتواطئين معه، خاصة الشبكات التي استخدمت للتجسس أو القتال. الإسراع بدمج كل التشكيلات المسلحة داخل القوات النظامية المنصوص عليها في الدستور ينهي الازدواجية ويمنع النزاعات المستقبلية. تشكيل قوات احتياطي ضمن هيكل الجيش والشرطة والأمن يعزز الطمأنينة.

سودانيو المهجر يمثلون قوة ناعمة ورافعة اقتصادية مهمة. إشراكهم في روابط ذات بعد قومي يجعلهم خط دفاع أول عن الوطن. المبادرات التي قدموها أثناء الحرب أثبتت قدرتهم على دعم الاحتياجات الطارئة. يجب مأسسة هذا الدور ليكون جزءاً من الحراك الوطني العام لا جهداً عفوياً مؤقتاً.

تنفيذ هذا المشروع عمل تراكمي يحتاج صبراً وتكاملاً بين الدولة والمجتمع. بعض النتائج يمكن تحقيقها خلال عام مثل تعديل القوانين وتنقيح المناهج وتدريب المعلمين. نتائج أخرى تحتاج سنوات مثل أثر التعليم على سلوك النشء، وثمار عدالة توزيع الثروة، وانعكاس التنمية على المناطق الهشة. المحصلة التي نسعى إليها هي مجتمع أكثر تراضياً وأمناً، كلمته واحدة في القضايا الوطنية الكبرى، عصي على الاختراق والابتزاز.

الطريق إلى النهوض يبدأ بالوعي بالخلل ثم إحياء الضمير العام ثم إصلاح موقع النخبة ثم بناء المؤسسات القوية. حين تصبح المؤسسات راسخة لا نخشى غياب الأفراد. الفارق بين مجتمع تحكمه الإرادات ومجتمع تحكمه القواعد هو الفارق بين الفوضى والاستقرار. هذا المشروع دعوة لكل سوداني غيور في الداخل والمهجر للمشاركة في بناء القواعد التي تجمعنا، لأن القواعد حين تكون عادلة فإنها تجمعنا أكثر من أي شخص.

اترك رد

error: Content is protected !!