الرواية الأولى

نروي لتعرف

نصف رأي / د. خالد التجاني

من يتصدى لوقف عبث “تشاشة سوق أم دفسو السياسي”؟!

د. خالد التجاني النور


1
يا ترى هل هناك من يعرف على وجه التحديد، أو حتى تقديراً، عدد المرات التي جرت فيها حوارات بين فصائل سودانية مختلفة تحت لافتة التوافق على مستقبل السودان السياسي، منذ مؤتمر جوبا عام 1947، ومروراً باتفاقية الحكم الذاتي في القاهرة في العام 1953، وما تلاها من حوارات لا تعد ولا تحصى على مر العقود الثمانية الماضية حتى يوم الناس هذا؟

وعلى كثرة ما أبرم من اتفاقات خلال هذه السنوات المتطاولة بين هذه الفصائل، فقد ظل المشهد نفسه يتكرر احتفالات صاخبة عقب كل اتفاق يتبادل فيها الفرقاء التحايا والابتسامات العريضة مخلفة وراءها لحين إرث من البغضاء والشحناء بين غمضة عين وانتباهتها، ويفرح المتفائلون بأنه أخيرا ستحلّ عليهم بشارة “ثم يأتي من بعد ذلك عام فيه يغاث الناس وفيه ويعصرون” وقد أرهقت كواهلهم سنوات شدة عجاف، ليست سبعاً بل سبعون عاماً حسوماً، لم لا والقادة يؤكدون أن اتفاقهم هذا أتى بما لا يأت بها الأوائل سلماً وأمناً واستقراراً ووعداً بنماء يعوض الشعب بعضاً من كثير فاته بسبب شغب ساسته على بعضهم البعض.
2
وظل مشهد آخر مناقض تماماً يتكرر كل بضع سنين قبل أن يلتقط سواد الناس أنفاسهم من رهق صراع ظنوا أنه طوي، وقد تفاءلوا لبرهة بحلول السلام والأمن، فإذا بالاتفاق نفسه الذي أطلق بعض طاقة أمل يصبح آثراً بعد عين وقد انقلب عليه موقعوه أنفسهم، لتعود الحلقة المفرغة تدور من جديد، صراع عبثي آخر على السلطة والثروة يدفع ثمنه غمار الشعب من دمائهم وأعراضهم وكرامتهم ومستقبل أجيالهم، وينجو قادة المسرح السياسي بأنفسهم، ليطلوا من جديد في فصل ملهاة آخر دعاة حوار وسلام… وهلم جرّا.
3
وبافتراض توفر حسن النيّة، والإرادة الوطنية، والحرص على المصلحة الوطنية العليا عند كل الموقعين على كل هذه الاتفاقات المتوالية التي تبرم عقب كل حوار، يبقى السؤال لماذا فشلت أياً من هذا الحوارات والاتفاقات التي أنتجتها على كثرتها وتباين خلفياتها وأجندتها، وعلى مدار أكثر من سبعين عاماً في تحقيق سبل سلام مستدام وأمن واستقرار، وتوفير استحقاقات وشروط تأسيس نظام حكم سوي ورشيد قادر على بذر قواعد متينة لمستقبل سياسي ناجع يعبر حقيقة عن تطلعات مستحقة للشعب الذي يجب أن يملك وحده حق تقرير مصيره، وتفويض من يمثله انتخاباً بإرادته الحرة للحكم بآجال معلومة تحت نظم رقابة ومحاسبة فعالة.
4
ومن هنا يبدأ السؤال المصيري لماذا وصلنا إلى هنا؟، في وقت تزدحم في الفضاء العام خارجياً وداخلياً، دعوات لحوار سوداني، هل يمكن لأي حوار حتى إن قبلت جميع الأطراف به افتراضاً، دعك من سيرك الاقصاء المتبادل المنصوب في كل اتجاه، أن يفضي بالضرورة تلقائياً، ليس إلى إيقاف الحرب فحسب، بل إلى وضع أسس مستقبل سياسي حقيقي للسودان مستند على قيم مشتركة، ونظام حكم راشد؟
الإجابة بوضوح هي: لا، لن يحدث من ذلك شيء، ليس تعسفاً ولا من باب التشاؤم، بل قياساً على عواقب عشرات، إن لم نقل مئات الحوارات والاتفاقات التي جرت بين الفصائل السودانية على مدار ثمانية عقود، ولا أدل على ذلك مما انزلقت إليه الأوضاع في البلاد حالياً، بالطبع مع اختلاف طبيعتها الراهنة والسودان يواجه غزواً أجنبياً لم يعد مما بات محتاجاً لإثبات، ولكن تبقى حاضرة عبرة تراكم فشل كل الحوارات السابقة حتى انتهى بنا الحال إلى ما يكابده الشعب السوداني اليوم.
5
لذلك فإن القفز إلى دعوة لحوار آخر دون استحضار لعظة فشل كل الحوارات والاتفاقات السابقة، ودون تشخيص دقيق للوقوف على معطيات ما سبق ودراسة تجاربها بصورة منهجية وعلمية، وإدراك أسباب وجذور عجزها عن تحقيق ما كانت تصبو إليه، واجتراح طرائق جديدة لمخاطبة أزمة السودان المستدامة، بغير ذلك لن تكون المسارعة إلى الدخول في حوار جديد، على الرغم من كل الشعارات الرنانة المرفوعة، سوى وصفة لفشل محتوم، ستكون كلفته أسوأ عاقبةً.
6
ربما كان الأمر مختلفاً لو حسن الظن هذه المرة بالطبقة المحتكرة للفضاء السياسي على امتداد طيفها وتشكلاتها، دون أن يكون لأي منها تفويضاً شعبياً يؤهلها للحديث أو التحاور باسم شعب لم ينتخب أحداً منها، كان الظن بادئ الأمر أن هذه الحرب بكل ويلاتها ستحمل من العبر والعظات ما يعيد إلى هذه الطبقة لتثوب إلى رشدها، وأن فداحة ما تعرض له الشعب السودان جرائها سيكون كافياً ليعود إليها بعض الوعي لتدرك أن جوهر الاشتغال بالسياسة هي خدمة المجتمع، وليس تجريدها من قيمتها الحقيقة لتصبح باباً لخدمة أجندتها الذاتية تنافساً على السلطة والثروة بغير استحقاق.
7
ولكن هيهات، ما نشهده من ممارسات موغلة في التشرذم، تنافساً على أبواب ذوي السلطة ومغانمها هنا وهناك، يؤكد أنها لم تنس شيئاً، ولم تتعلم شيئاً، بل ازدادت في الواقع عزلة عن الشارع الذي لا يجدها بجانبه في ملماته، ولا تسعى هي إليه في مظآنه، ولا تحفل بنيل شرعية حقيقية مستمدة من تفويضه، وقد ظلت مكتفية بالتعلق وراء السلطة للحصول على اعتراف بها، أو الجري وراء أطراف خارجية لخطب ودهت عسى أن تنال حظوة عندها.
8
والحال هذه هل تملك هذا الجماعات المتسيسة ما تقدمه حقاًُ عبر حوارات فوقية معزولة عن قوى المجتمع الحية؟، وكيف يحتكر لها الحوار لتقرر مصير البلاد ومستقبلها في ظل تغييب الشعب صاحب الحق الوحيد في تقرير مصيره، وتحديد مستقبله السياسي والاقتصادي والاجتماعي بإراداته الحرة؟، وكيف لمن عجز عن ملء الفراغ السياسي العريض الذي يسود الفضاء العام في البلاد، ولمن فشل في القيام بأي جهود ذات بال في إدارة حوار قاعدي مع فئات الشعب المختلفة للتعرّف على تصوراتهم وتطلعاتهم لمستقبل السودان، أن تبلغ بهم الجرأة لانتداب أنفسهم للحديث باسمه في محافل السياحة السياسية من عاصمة لأخرى التي يشدون الرحال إليها خفافاً، وتتعثر خطاهم عن الوصول إلى السودانيين في مدنهم، دعك من أن يصلوا إليهم في قراهم.
9
من العبث توقع أن يكون لأي حوار يجري بغير إرادة سودانية حرة وبمشاركة شعبية فاعلة، وبدون أي تدخل خارجي، أي جدوى، ولا نحتاج لإقامة دليل أكثر من فشل كل تجارب محاولة مقاربة الأزمة السودانية المستدامة باتفاقات مصنوعة في الخارج لم يكن نصيب الأطراف السودانية فيها كلها من فعل سوى لعب دور الكومبارس، والتقاط الصور التذكارية التي لا تلبث أن تقف شاهداً، بعد حين يطول أو يقصر، عن بوار بضاعة هذه الحوارات والاتفاقات المفخخة التي لا تلبث أن تنفجر في وجه مهندسيها، ليستمر الشعب وحده من يدفع ثمن مغامرات ومقامرات طبقة لم تنس شيئاً ولم تتعلم شيئاً، ومع ذلك تصر على إعادة اختراع العجلة.
10
ولا عبث أكثر من مهازل السيرك التي نصبته هذه الجماعات المدعوة لاجتماع الخماسية في أديس أبابا وهي تقصي وتلعن بعضها بعضاً بلا حجة ولا دليل سوى دواعي الهرج والمرج و”التفحيط” في الفضاء السياسي باسم حوار عجزوا أن يديرونه بينهم فكيف يؤتمنون على حوار باسم الأمة كلها التي لم تفوّض أحداً منهم، وكيف لمن فشلوا في الاتفاق على حد أدنى من الجدية والمسؤولية والترفع عن شح النفس أن يكون لهم دوراً لا يستحقونه لأنهم لا يملكون شيئاً من أسبابه، وليسوا مؤهلين بأي معيار موضوعي للخوض فيها ابتداءً.
فمن يوقف هذا العبث الذي يزيد الطين بلّة، ومن يتصدى لوقف “تشاشة سوق أم دفسو السياسي” الذين يزيدون حال البلاد المنكوبة بهم ضغثاً على إبالة؟

اترك رد

error: Content is protected !!