25 أكتوبر: أين تقف البلاد الآن؟!من تعثّر الانتقال إلى حرب الدولة والمجتمع… وما الطريق إلى الخروج من المأزق ٣-٣؟

مقدمة: من وعود الثورة إلى مأساة الوطن
لم يكن الخامس والعشرون من أكتوبر 2021 مجرد محطة عابرة في تاريخ الانتقال السوداني، كما لم تكن تسميته «تصحيح المسار» كافية بذاتها لإثبات أن المسار قد صُحّح، أو أن البلاد وُضعت على طريق الاستقرار. فالتاريخ لا يُحاكم الأحداث بالشعارات التي رافقتها، وإنما بما أفضت إليه من نتائج، وما أحدثته في حياة الشعوب ومصائر الدول من تغيير وواقع.
واليوم، بعد سنوات من ذلك المنعطف، وفي ظل الحرب المركبة التي أشعلها تمرد الدعم السريع في 15 أبريل 2023 وما خلفته من دمار ونزوح ولجوء وانهيار في مقومات الحياة، يصبح السؤال أكثر إلحاحاً: أين يقف السودان الآن؟ وماذا بقي من ما سمي بثورة ديسمبر ٢٠١٨- أبريل ٢٠١٩ وانعكاساتها ، وتطلعات شعبها في الحرية والسلام والعدالة، ومن الآمال التي عُلّقت على انتقال ديمقراطي سلس ينهي الاستبداد والقمع ويفتح الطريق أمام دولة المواطنة والمؤسسات والحكم الراشد!؟
لقد انتقل السودان من تعثّر الشراكة الانتقالية إلى قطع المسار الدستوري، ومن الانسداد السياسي إلى الحرب، ومن التنافس على إدارة الدولة إلى تهديد وحدتها ومؤسساتها ومجتمعها. ولم يكن هذا التحول نتيجة قرار واحد أو مسؤولية طرف منفرد، بل حصيلة تفاعلات متراكمة، شاركت في صنعها إخفاقات القوى السياسية، وصراع مراكز القوة الأخرى، وغياب التوافق على مستقبل الدولة، إلى جانب التدخلات الخارجية وتشابك المصالح الإقليمية والدولية.
غير أن تعدد الأسباب لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لتذويب المسؤوليات أو مساواة الأطراف في كل شيء. فهناك فرق بين من أخفق في إدارة فرصة سياسية، ومن قطع المسار الدستوري بالقوة، ومن أشعل الحرب، ومن ارتكب الانتهاكات، ومن أسهم في تمويل الصراع أو تسليحه أو إطالة أمده. ولكل فعل مسؤوليته السياسية والأخلاقية والقانونية التي ينبغي أن تُحدَّد على أساس الوقائع والأدلة.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال مسؤولية القوى التي تصدّرت قيادة الثورة والمرحلة الانتقالية، وفي مقدمتها مكونات قوى الحرية والتغيير وتحالفاتها المتعاقبة، عن إخفاقها في تحويل الزخم الشعبي إلى مشروع وطني جامع، وتقديم التوافق على المحاصصة، ومصالح البلاد على مكاسب التنظيمات والقيادات. فقد أسهمت الانقسامات وغياب الرؤية الكلية والتعويل على الرافعات الخارجية في إضعاف الثقة الشعبية وتبديد جانب من الفرصة التاريخية، من دون أن يعفي ذلك المكوّن العسكري من مسؤولية قراراته، أو يبرر الحرب وتداعياتها حتى اليوم.
إن المأساة السودانية ليست فقط أن الثورة تعثرت، أو أن الانتقال انقطع، بل أن الخلاف على السلطة انتهى إلى حرب يدفع الشعب ثمنها من حياته ووطنه ومستقبله، وقد تمتد آثارها لعقود.
ومن هنا، فإن قراءة 25 أكتوبر بعد كل ما أعقبه ليست استعادةً لسجال قديم بين أنصار الثورة وخصومها، بل محاولة لفهم كيف أُهدرت الفرص، وكيف تفاعلت أخطاء الداخل مع ضغوط الخارج، ولماذا عجزت القيادات عن حماية الدولة من الانزلاق إلى الحرب، وما الذي ينبغي أن يتغير حتى لا يعيد السودان إنتاج مأساته بأسماء وتحالفات جديدة.
أولاً: 25 أكتوبر… هل صُحّح المسار أم تعمّقت الأزمة؟
جاءت إجراءات 25 أكتوبر 2021 من قبل المؤسسة العسكرية يومها في سياق أزمة متفاقمة داخل الشراكة الانتقالية التي أعقبت سقوط نظام الإنقاذ في أبريل 2019. فقد كانت العلاقة بين المكوّنين المدني والعسكري تعاني من تضارب الصلاحيات، وتنازع النفوذ، وضعف الثقة، والخلاف حول إدارة مؤسسات الدولة ومستقبلها، إلى جانب تعثر استكمال هياكل الانتقال وتنفيذ استحقاقاته.
وقد برّر الجيش تدخله آنذاك بأنه تصحيح للمسار وحماية للبلاد من الانسداد السياسي. غير أن تقييم أي خطوة سياسية لا يستقيم بالاستناد إلى مبررات أصحابها وحدها، بل بما تحقق بعدها من استقرار، وما أتاحته من فرص للتوافق، وما حفظته من حقوق المواطنين ومصالح الدولة.
وبهذا المعيار، لم تنجح إجراءات أكتوبر في معالجة جذور الأزمة. فقد انقطع المسار الدستوري، وتعقدت العلاقة مع القوى المدنية، وتصاعدت الاحتجاجات، ثم استقال رئيس الوزراء عبد الله حمدوك في يناير 2022. واستمرت حالة الانسداد السياسي، إلى أن أفضت العملية السياسية التي رعتها أطراف محلية ودولية إلى الاتفاق الإطاري في ديسمبر 2022، من دون أن تنجح في معالجة الخلافات الجوهرية حول السلطة والإصلاح الأمني والعسكري.
ثم جاءت حرب 15 أبريل 2023 لتكشف عمق هشاشة الدولة ومكوناتها ، وتحوّل الأزمة من صراع على ترتيبات الحكم إلى حرب مدمرة تهدد وحدة البلاد ومؤسساتها ومجتمعها.
ولا يعني هذا أن 25 أكتوبر كان السبب الوحيد أو الحتمي للحرب؛ فقد تراكمت بين الحدثين عوامل سياسية وعسكرية وأمنية وخارجية، وفي مقدمتها قضية تعدد مراكز القوة المسلحة، والخلاف حول دمج الدعم السريع وإصلاح القطاع الأمني، والتنافس على النفوذ والموارد. لكن من الصعب فصل قطع المسار الانتقالي عن البيئة السياسية التي تفاقمت فيها تلك التناقضات، وعن تراجع فرص بناء توافق وطني قادر على احتوائها.
وهنا تتجلى المفارقة: أن خطوة رُفعت تحت شعار تصحيح المسار لم تنتج مساراً مستقراً بديلاً، بل أعقبتها سنوات من الانسداد انتهت إلى حرب واسعة الكلفة والتبعات.
فالمسارات السياسية لا تُصحّح بإيقافها، وإنما بمعالجة أسباب اختلالها؛ ولا تُحمى الدولة بتعطيل التوافق، بل ببناء مؤسسات قادرة على إدارة الخلاف ومنع تحوله إلى صراع مسلح.
ثانياً: قحت وإهدار الفرصة المدنية… حين تتقدم مكاسب السلطة على مصالح الوطن
لا تكتمل قراءة 25 أكتوبر دون العودة إلى أداء قوى الحرية والتغيير، التي تصدرت المشهد السياسي بعد ثورة ديسمبر، وامتلكت رصيداً شعبياً وفرصة تاريخية للمساهمة في تأسيس حكم مدني مستقر.
لكن الرصيد الثوري لا يتحول تلقائياً إلى قدرة على الحكم. فإدارة الانتقال تتطلب رؤية كلية، وبرنامجاً واضحاً، وتوافقاً على الأولويات، وقدرة على استيعاب الاختلافات، وإدراكاً لطبيعة الدولة وموازين القوة والتحديات التي تواجهها.
وقد كشفت تجربة قحت عن إخفاقات جوهرية في هذه الجوانب. فبدلاً من توسيع قاعدة التوافق الوطني، تعمقت الخلافات داخل التحالف ومع قوى سياسية واجتماعية أخرى. وتقدمت المحاصصات والصراعات على المواقع، وضعفت القدرة على صياغة برنامج مشترك لإدارة الاقتصاد وإصلاح المؤسسات الأمنية والعسكرية، ومعالجة قضايا السلام والعدالة، واستكمال بناء مؤسسات الانتقال.
كما أن بعض مكونات التحالف تعاملت مع تمثيل الثورة باعتباره تفويضاً سياسياً شبه حصري، رغم أن الثورة كانت أوسع من أي تنظيم أو تحالف، وأن الشارع الذي منح القوى المدنية ثقته لم يمنحها شيكاً مفتوحاً لاحتكار القرار أو إقصاء المخالفين.
ومن هنا، فإن المسؤولية السياسية لا تتعلق فقط بما فعلته هذه القوى، بل أيضاً بما لم تفعله رغم ما أتيح لها من فرص: لم تنجح في بناء توافق مدني واسع يحمي الانتقال، ولم تقدم مشروعاً وطنياً يحظى بقبول يتجاوز مكوناتها، ولم تتمكن من تحويل الشعارات الثورية إلى مؤسسات وبرامج قابلة للتنفيذ.
والأخطر أن بعض القيادات جعلت مكاسبها الحزبية ومواقعها في السلطة مقدّمةً على مصالح البلاد، وغابت أجندة الداخل في أحيان كثيرة خلف حسابات التحالفات والاتصالات والرافعات الخارجية. وحين تصبح الأولوية هي الاحتفاظ بالموقع السياسي، لا بناء الدولة، يتراجع الاستعداد لتقديم التنازلات الضرورية، ويصبح التوافق عبئاً على القيادات بدلاً من أن يكون شرطاً لنجاح الانتقال.
ولعل المفارقة الأشد دلالة أن بعض القوى التي رفعت شعار المدنية مارست في صراعها على السلطة أساليب من الإقصاء والمناورة وفرض الأمر الواقع، بدت أقرب إلى عقلية الهيمنة التي قامت الثورة لمقاومتها. وهنا يصح القول، وصفاً للممارسة لا للهوية، إن بعضهم أصبح عسكرياً في عقلية إدارة السلطة أكثر من العسكر أنفسهم، مع احتفاظه باللافتة المدنية والخطاب الثوري التحشيدي.
وهذه ليست مساواة بين ممارسات القوى المدنية وقرار الاستيلاء العسكري على السلطة، ولا تبريراً للانقلاب؛ بل تمييز بين الشرعية المعلنة والممارسة الفعلية. فالديمقراطية ليست مجرد شعار، والمدنية ليست بطاقة سياسية، وإنما سلوك يقوم على التعددية والتسامح والمساءلة وقبول التداول على السلطة.
كما أن التعويل على الرافعات الخارجية، تسويقاً ورعايةً وضغطاً سياسياً، لا يمكن أن يكون بديلاً عن بناء الثقة في الداخل. فالخارج قد يدعم مساراً أو يضغط لتسوية، لكنه لا يستطيع أن يمنح أي قوة سياسية تفويضاً شعبياً دائماً، ولا أن يعوض غياب المشروع الوطني الجامع.
وفي المقابل، لا يجوز اختزال قحت في موقف واحد أو تحميل جميع مكوناتها المسؤولية ذاتها؛ فقد اختلفت توجهاتها ومواقفها وتحالفاتها بمرور الوقت. لكن هذا التنوع لا يلغي ضرورة إخضاع التجربة بمجملها لتقييم جاد، يحدد المسؤوليات وفق القرارات والممارسات والنتائج.
إن من يجعل مكاسبه الحزبية مقدمةً على مصالح البلاد، ويغيب عنه نبض الداخل، ثم يعوّل على الخارج لتعويض عجزه عن بناء التوافق، يتحمل مسؤولية اخلاقية وسياسية جسيمة حين تنهار الفرصة التي تصدّر قيادتها.
ثالثاً: من الانسداد السياسي إلى حرب 15 أبريل… كيف وصلت البلاد إلى حافة الدولة المنقسمة؟
لم تكن الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023 حادثاً منفصلاً عن مسار الانتقال، بل جاءت في ظل دولة تعاني من تعدد مراكز القوة، ومؤسسات أمنية وعسكرية لم تُحسم طبيعة العلاقة بينها، وعملية سياسية لم تتمكن من إنتاج اتفاق مستدام حول مستقبل الحكم والسلاح.
كان وجود القوات المسلحة والدعم السريع بتركيبتهما المستقلة، وتباين مصالحهما ومراكز قرارهما، يمثل تحدياً بنيوياً للدولة رغم أطر القانون الواضحة. وقد ظل ملف دمج الدعم السريع وإصلاح القطاع الأمني والعسكري من أبرز نقاط الخلاف في المرحلة السابقة للحرب، وسط اختلافات حول المدة والترتيبات والقيادة والضمانات.
وعندما تصاعدت التوترات، فشلت الجهود السياسية في احتواء الأزمة، وانفجر الصراع بين القوتين، ليتحول سريعاً إلى حرب واسعة امتدت إلى مدن ومناطق متعددة، وأدخلت البلاد في واحدة من أخطر أزماتها منذ الاستقلال.
ولا يصح اختزال هذه الحرب في أخطاء قحت، أو في انقلاب أكتوبر وحده، أو في تنافس القيادات العسكرية فحسب. فهناك مسؤوليات مباشرة تتعلق بقرار اللجوء إلى السلاح، ومسؤوليات عن الانتهاكات التي ارتُكبت خلال الحرب، ومسؤوليات أخرى تتصل بإمداد الأطراف بالموارد والسلاح والمقاتلين، وتعطيل فرص التسوية.
لكن ما تكشفه التجربة هو أن إضعاف السياسة، وتعطيل الانتقال، وغياب التوافق على إصلاح المؤسسات، جعلت البلاد أكثر هشاشة أمام انفجار الصراع. فحين لا توجد مؤسسات شرعية قادرة على تسوية الخلافات، وحين تصبح القوة المسلحة مركزاً مستقلاً للنفوذ السياسي والاقتصادي، تتراجع قدرة الدولة على احتواء الأزمات سلمياً.
وقد ترتب على الحرب دمار واسع في البنية التحتية، وانهيار قطاعات من الاقتصاد والخدمات، ونزوح ولجوء بملايين الأشخاص، وتعرض المدنيين لانتهاكات جسيمة، وتراجع قدرة الدولة على تقديم الخدمات الأساسية. كما أفرزت الحرب وقائع سيطرة متباينة ومراكز إدارة متنافسة، بما يهدد بتحويل الانقسام العسكري إلى انقسام سياسي وإداري طويل الأمد.
إن الخطر لا يكمن فقط في خطوط السيطرة الراهنة، بل في نشوء مصالح اقتصادية وسياسية تستفيد من استمرار الحرب، وفي تحوّل موارد البلاد ومعابرها وشبكات تجارتها إلى مصادر لتمويل سلطات متنافسة.
فحين تتعدد الجيوش، وتتوزع مراكز القرار، وتتحول الموارد إلى أدوات للصراع، لا تكون الدولة مجرد ضحية للحرب؛ بل تصبح وحدتها ومؤسساتها نفسها موضوعاً للصراع.
رابعاً: الخارج وشبكات النفوذ… من التأثير السياسي إلى إطالة أمد الحرب
لا يمكن فهم الأزمة السودانية بمعزل عن مصالح الأطراف الإقليمية والدولية التي تفاعلت مع مسار الانتقال، ثم مع الحرب. فقد سعت دول وجهات مختلفة إلى حماية مصالحها الأمنية والاقتصادية والجيوسياسية، وتباينت مواقفها من القوى المدنية والعسكرية، كما ظهرت خلال الحرب اتهامات وتقارير بشأن تدفق الأسلحة والمقاتلين والدعم المالي واللوجستي إلى أطراف الصراع.
وقد أشارت تقارير دولية إلى أدوار لشبكات خارجية في دعم القدرات العسكرية لبعض الأطراف، بما في ذلك شبكات الإمداد والتسليح والتمويل. غير أن تحديد مسؤولية كل دولة أو مؤسسة أو كيان يتطلب الاستناد إلى الأدلة المتاحة، والتمييز بين ما وثقته التحقيقات وما ورد في اتهامات متبادلة أو تقديرات سياسية.
فليس من الدقة وضع جميع الدول والمؤسسات في سلة واحدة، كما ليس من المقبول تجاهل الوقائع الموثقة بشأن التدخلات الخارجية أو التقليل من أثرها في إطالة الحرب وتعقيد فرص التسوية.
وفي هذا الإطار، تبرز الحاجة إلى مراجعة علاقات بعض مكونات قحت بالجهات الإقليمية والدولية، وما أحاط بها من لقاءات واتصالات ومساندة سياسية ودبلوماسية. وينبغي أن تنطلق هذه المراجعة من سؤال محدد: إلى أي مدى خدمت هذه العلاقات المصلحة الوطنية، وإلى أي مدى أسهمت في بناء التوافق الداخلي أو زادت من الاستقطاب بين القوى السودانية؟
ولا يجوز افتراض أن جميع مكونات قحت كانت متطابقة في علاقاتها أو مواقفها، لكن من المشروع إخضاع التقاطعات السياسية بين بعض مكوناتها والجهات الخارجية للفحص والتوثيق، وتقييم أثرها في استقلال القرار الوطني.
كما يستحق دور بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم المرحلة الانتقالية في السودان «يونيتامس» تقييماً موضوعياً. فقد أُنشئت البعثة لدعم الانتقال السياسي، والمساعدة في بناء السلام، ودعم عمليات السلام والحكم المدني. لكن تجربتها أثارت نقاشاً واسعاً حول حدود الوساطة الدولية، وطبيعة العلاقة بين التفويض الأممي والقرار الوطني، ومدى قدرة البعثة على التعامل مع الانقسامات الداخلية.
وقد انتهى عمل البعثة في 29 فبراير 2024، إلا أن تقييم تجربتها يظل مهماً لفهم حدود الدور الدولي عندما يعجز الفاعلون المحليون عن بناء توافق مستدام. فالمساعدة الخارجية قد تسهم في تيسير الحوار، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الإرادة الوطنية، ولا أن تصنع توافقاً حقيقياً بين قوى تختلف حول طبيعة الدولة ومستقبلها.
وتزداد خطورة الارتهان للخارج حين تعتمد القوى السياسية أو العسكرية على الرعاة في التمويل والتسويق السياسي والإسناد، بدلاً من بناء شرعيتها على قاعدة داخلية واسعة. فمصالح الدول متغيرة، وأولوياتها قد تتبدل، بينما تبقى كلفة الحرب والدمار على الشعب السوداني.
إن الخارج يجد أوسع مساحاته حين يضعف الداخل؛ واستعادة القرار الوطني لا تعني الانعزال عن العالم، بل التعامل معه من موقع المصلحة السودانية، لا من موقع الارتهان لمحاوره.
خامساً: أين يقف السودان الآن؟ واقع الدولة والمجتمع وكلفة الحرب
يقف السودان اليوم أمام أزمة مركبة تتجاوز حدود المواجهة العسكرية. فعلى المستوى الأمني، لا تزال الحرب ومخاطر تجدد القتال تعوقان استعادة الاستقرار. وعلى المستوى السياسي، لم يتبلور توافق وطني شامل حول ترتيبات الحكم ومستقبل المؤسسات العسكرية والأمنية. وعلى المستوى الاقتصادي، تضررت قطاعات واسعة من الإنتاج والتجارة والخدمات الصحية والتعليمية ، فيما تحمل المواطنون أعباء النزوح وفقدان مصادر الرزق وارتفاع تكاليف المعيشة.
أما على المستوى الاجتماعي، فقد خلّفت الحرب جروحاً عميقة في العلاقات بين المجتمعات، وأثرت في النسيج الوطني، ووسعت دائرة المظالم وانعدام الثقة. كما أن تعطّل التعليم والصحة وتراجع فرص العمل يهددان مستقبل أجيال كاملة، لا مستقبل المرحلة السياسية الراهنة وحدها.ى
وقد شهدت خريطة السيطرة تغيرات ميدانية مهمة منذ اندلاع الحرب، لكن استعادة بعض المدن أو المؤسسات لا تعني وحدها اكتمال استعادة الدولة لوحدتها وقدرتها على الحكم وتقديم الخدمات. فبناء الدولة يتطلب أكثر من الحسم العسكري؛ يتطلب توحيد المؤسسات، وإعادة تشغيل الاقتصاد، واستعادة ثقة المواطنين، وتأمين عودة النازحين واللاجئين، وإعادة بناء ما دمرته الحرب رغم حالة التعافي النسبي.
ويظل خطر الانقسام الفعلي من أبرز التحديات. فحين تتعدد مراكز السيطرة والإدارة والموارد، تتعاظم احتمالات نشوء سلطات موازية، ويصبح توحيد القرار الوطني أكثر صعوبة. وقد يؤدي استمرار هذا الوضع إلى تكريس اقتصاد حرب، تستفيد منه شبكات مصالح محلية وخارجية، وتصبح لديها مصلحة في استمرار الانقسام.
كما ينبغي إدراك أن آثار الحرب لن تنتهي بمجرد توقف إطلاق النار. فإعادة بناء المستشفيات والمدارس والمنازل وشبكات الكهرباء والمياه والطرق تحتاج إلى موارد ضخمة، بينما تحتاج المجتمعات إلى سنوات لاستعادة الثقة والتعافي من الصدمات وفقدان الأحبة والممتلكات.
ولهذا، فإن التحدي الراهن ليس فقط كيف تنتهي الحرب، بل كيف تنتهي من دون أن تترك وراءها أسباباً كافية لاندلاع حرب أخرى.
لقد خسر السودان من جراء هذه الحرب أكثر من مبانٍ ومؤسسات؛ خسر سنوات من التنمية، وفرصاً اقتصادية، وأمناً اجتماعياً، وثقةً في السياسة، وهي خسائر قد تمتد آثارها لعقود إذا لم تُواجه بمشروع وطني للإنقاذ وإعادة البناء.
سادساً: الدروس المستفادة والطريق إلى الخروج من المأزق
تكشف تجربة السنوات الماضية أن إنقاذ السودان يتطلب مراجعة تتجاوز تبادل الاتهامات، وتعيد تعريف الأولويات الوطنية على أسس واضحة.
أولاً: الدولة قبل الأحزاب والتحالفات. فلا يجوز أن تصبح مؤسسات الدولة رهينة لمكاسب القوى السياسية أو مراكز النفوذ العسكري. وينبغي أن تكون وحدة البلاد وسيادتها وسلامة مواطنيها مرجعية لأي تسوية أو مشروع سياسي.
ثانياً: التوافق قبل المحاصصة. فنجاح الانتقال لا يقوم على اقتسام المواقع بين القيادات، وإنما على اتفاق وطني حول قواعد الحكم، وأولويات الاقتصاد والخدمات، والعدالة الانتقالية، والإصلاح المؤسسي، والعلاقة بين المدنيين والعسكريين.
ثالثاً: لا ديمقراطية مع تعدد الجيوش. فإصلاح القطاع الأمني والعسكري وتوحيد القيادة والسلاح تحت سلطة الدولة والقانون من شروط الاستقرار، وينبغي أن يتم عبر ترتيبات واضحة ومهنية وقابلة للتنفيذ، لا عبر صفقات تؤجل معالجة المشكلة أو تعيد إنتاجها.
رابعاً: القرار الوطني لا يُستعار من الخارج. فالعلاقات الدولية والإقليمية ضرورية، لكن ينبغي أن تُدار وفق مصالح السودان، وأن تخضع أي مساندة خارجية لمعيار إسهامها في السلام والاستقرار، لا لمقدار ما تمنحه لطرف في مواجهة طرف آخر. والابقاء على ارث تلكم المرحلة الشجارية (الثورة والاطاري)
خامساً: وقف الحرب لا يعني الإفلات من المساءلة. فالتسوية المستدامة تقتضي حماية المدنيين، ومحاسبة المسؤولين عن الجرائم والانتهاكات وفق الأدلة والقانون، وجبر الضرر، ومعالجة المظالم، ورفض العقاب الجماعي أو الانتقام.
سادساً: لا انتقال مدني مستداماً دون قاعدة اجتماعية واسعة. فالقوى المدنية مطالبة بإعادة بناء ثقة الشارع، والتخلي عن ادعاء احتكار تمثيل الثورة، وتقديم برامج واقعية، وقبول التعددية والتداول على السلطة والاحتكام إلى الانتخابات الحرة والنزيهة.
سابعاً: إعادة الإعمار مشروع سياسي واجتماعي، لا مجرد خطة مالية. فالسودان يحتاج إلى رؤية وطنية لإعادة الخدمات والإنتاج، وتأهيل المؤسسات، وإعادة النازحين واللاجئين، وإصلاح العلاقات المجتمعية، وتمكين الشباب والنساء، وإعادة الاعتبار للمناطق التي عانت من التهميش والحرب.
وهذه الأولويات لا يمكن أن تتحقق بقرار منفرد أو عبر اتفاق محدود بين القيادات. إنها تتطلب عملية سياسية سودانية واسعة، تضم القوى المدنية والمجتمعية والمهنية والإدارة الاهلية والشعبية، وممثلي المناطق المتضررة، والشباب والنساء، وتضع نهاية الحرب ووحدة الدولة وحماية المواطنين فوق المنافسة على المناصب.
خاتمة: التاريخ لا يحاسب على الشعارات وحدها
بعد سنوات من 25 أكتوبر، وما أعقبه من حرب ودمار، لم يعد كافياً أن يتبادل السودانيون الاتهامات بشأن من أضاع الثورة أو من يتحمل المسؤولية الأولى عن المأساة. فالمحاسبة السياسية والتاريخية ضرورة، لكنها ينبغي أن تقود إلى استخلاص الدروس، لا إلى إعادة إنتاج الأزمات والانقسام نفسه.
لقد أخفقت قوى مدنية في بناء مشروع وطني جامع، وقطع المسار الانتقالي بفض الشراكة، ثم اندلعت حرب تحمل أطرافها مسؤوليات مباشرة عن إشعالها واستمرارها والانتهاكات التي صاحبتها. كما أسهمت تدخلات خارجية، وفق ما تثبته الوقائع في كل حالة، في تغذية الصراع وتعقيد فرص إنهائه. ولا يجوز أن تصبح أخطاء طرف مبرراً لأخطاء طرف آخر، أو أن تتحول مظالم الماضي إلى تفويض مفتوح لتدمير الحاضر والمستقبل.
ومن عظات التاريخ في تجارب الانقلابات وانهيار الفرص المدنية، أن القوى التي تجعل مكاسبها الحزبية ومواقعها في السلطة مقدّمةً على مصالح البلاد، وتُغيّب أجندة الداخل لحساب حسابات التحالفات والرافعات الخارجية، تتحمل مسؤولية سياسية جسيمة حين تنهار الفرصة التي تصدرت قيادتها. فالمسؤولية تُقاس بحجم النفوذ والفرص المتاحة والقرارات المتخذة والنتائج المترتبة عليها، لا بالشعارات المرفوعة وحدها.
ولعل المفارقة الكبرى في التجربة السودانية أن بعض القوى التي كان يُنتظر منها حماية الانتقال المدني مارست في صراعها على السلطة أساليب في الإقصاء وفرض الأمر الواقع ناقضت جوهر المدنية التي رفعتها شعاراً. وبذلك أسهمت، مع بقية عوامل الأزمة، في إضعاف المشروع الذي كانت تدّعي تمثيله، من دون أن يعني ذلك مساواة إخفاقاتها بقرار الانقلاب أو بمسؤولية من أشعل الحرب.
لقد ضاعت الثورة بين إخفاقات سياسية، وقرارات قطعت مسارها الدستوري، ثم حرب مدمرة أخرجت البلاد من دائرة الانتقال المتعثر إلى مأساة وطنية وإنسانية واسعة. ولم يخسر السودانيون فرصة سياسية فحسب، بل خسروا الأمن والاستقرار وسبل العيش، وتعرضت مؤسساتهم ومواردهم ونسيجهم الاجتماعي لأضرار قد تستغرق عقوداً لمعالجتها.
ولهذا، فإن المطلوب ليس العودة إلى ما قبل 25 أكتوبر وكأن الزمن لم يتغير، ولا التسليم بما أفرزته الحرب من وقائع قوة، بل تأسيس عقد وطني جديد يستوعب دروس الثورة والانقلاب والحرب معاً؛ عقد يعيد الاعتبار للمواطنة، ويصون وحدة السودان، ويمنع احتكار السلطة والسلاح، ويؤسس لحكم مدني حقيقي، ويضمن العدالة والمساءلة، ويعيد القرار الوطني إلى السودانيين.
إن السودان لا يحتاج إلى منتصر يفرض إرادته على وطن محطم، ولا إلى تحالف سياسي يستعيد مواقع فقدها، وإنما إلى مشروع وطني ينتصر به الوطن على أسباب انهياره. مشروع يجعل إنهاء الحرب وحماية المدنيين وتوحيد مؤسسات الدولة وإعادة الإعمار والمصالحة الوطنية أولويات لا تقبل التأجيل.
فالتاريخ لا يحاسب القيادات على ما وعدت به الشعوب فحسب، بل على ما آل إليه مصير الشعوب تحت قيادتها.
وإذا كان 25 أكتوبر قد مثّل لحظة فاصلة في تعثر الانتقال، فإن 15 أبريل كشف كلفة استمرار الاختلالات من دون معالجة. وبين الحدثين وما تلاهما يقف السودان أمام امتحان تاريخي: إما أن يحوّل الكارثة إلى مراجعة وطنية شجاعة تؤسس لدولة المواطنة والمؤسسات والقانون، وإما أن يظل أسير دورة الانقلابات والإخفاقات والحروب، فيما يواصل الشعب دفع ثمن أخطاء لم يكن صاحب القرار فيها.
فالسودان أكبر من قحت، وأكبر من أي حزب أو مكوّن أو محور؛ والثورة التي لا تنتج مشروعاً وطنياً يحمي الدولة تظل عرضة للاختطاف، والدولة التي لا تتسع لجميع مواطنيها تظل مهددة بالانقسام، والوطن الذي تتقدم فيه مصالح القيادات على مصالح شعبه يدفع الجميع ثمن ضياعه. وان غايتي من هذه المقالات الثلاثة انني أوثق لهذه الحقبة وأكتب للتاريخ، لا لسجال اللحظة؛ وأن ننصف الوطن وشعبه، لا أن نجامل القيادات!؟
——————
٢٥ أكتوبر ٢٠٢٦ م



