الرواية الأولى

نروي لتعرف

الرأي

من يملك حق اعلان وفاة الأحزاب؟

مصطفي عبدالعزيز البطل

لا شأن لي بما كتبه الأستاذ بابكر فيصل داعياً إلى إقالة الاسلاميين في السودان وإقصائهم من مسرح الحياة؛ فالرجل، في تقديري، يعبر عن أشواقه وأمانيه، ويصدر عن رغبة أصيلة في إخلاء الساحة من القوى التي تحول دون عودته ورفاقه إلى كراسي الحكم. ولا تثريب عليه؛ فمن ذاق حلاوة السلطة ثم فُطم عن ثديها قبل الأوان، لا يُستغرب أن يظل أسيراً للحنين إليها، وأن يرى في إقصاء منافسيه أقصر الطرق إلى استعادتها!

وقد سبق أن كتبنا أن عودة جماعة “قحت” المتحورة إلى “صمود” لتكرار تجربة الشراكة المنفردة مع الجيش والاستئثار بالسلطة التنفيذية، على غرار ما جرى عقب استيلاء اللجنة الأمنية على السلطة عام 2019، أمر يدخل في حكم المستحيل، لأسباب فصلناها في موضع آخر. وقلنا إن رأس المال السياسي الذي تملكه جماعة “صمود”، والمتمثل في الدعم الذي تتلقاه من قوى دولية وإقليمية، لا يكفي لتحويل تلك الرغائب إلى واقع سياسي.

غير أنني توقفت عند ما كتبه صديقي المهندس عثمان ميرغني (مرفق أدناه)، إذ بدا مزاحماً للاستاذ بابكر فيصل، بل ومزايداً عليه. فهو لا يكتفي بدعوة الحركة الإسلامية إلى مراجعة تجربتها والاعتذار عن أخطائها، وإنما يدعوها إلى حل نفسها ومغادرة الساحة السياسية قولاً واحداً.

وقد سألت عثمان صباح اليوم، في مجموعة إلكترونية تجمعني به يسميها بعض أعضائها “قروب المفكرين”، بينما يطلق عليها حبيبنا الدكتور عشاري أحمد محمود، اسم “قروب المحتالين”، أن يزيدني علماً ويؤسس لي منطق هذه الدعوة حتى أستطيع فهمها. فكان جوابه أن الحركة الإسلامية، من حيث الفكرة، “فقدت أساس تكوينها المبدئي”. فسألته: هل يعني ذلك أن مبادئ الحركة الإسلامية وأفكارها وبرامجها قد تجاوزها الزمن، ولم تعد صالحة لواقع السودان المعاصر؟ فجاءت الإجابة بالإيجاب.

ورأيت أن أنقل ردي على هذا الحبيب إلى ساحة مارك زوكيربيرج، طلباً لمزيد من العصف الذهني واستنطاقاً للأفكار واستمطاراً لها، علّ النقاش يفضي إلى ما هو أقرب إلى الصواب وأدنى إلى الحقيقة.

وكنت قد طلبت من عثمان أن يزودني بما يعرفه عن مبادئ وأهداف وبرامج الحزب الشيوعي السوداني، وحزب البعث العربي الاشتراكي، والحزب الجمهوري، والحزب الاتحادي الديمقراطي الذي يصفه أنصاره بحزب الحركة الوطنية، ثم أحزاب الأمة بمختلف فروعها الأسرية.

وانتهى بنا النقاش إلى جملة من النتائج، منها:

  1. الحزب الشيوعي: تجاوزه الزمن هو الآخر، فكراً ونظريةً وتطبيقاً، ولم يعد يملك قدرة حقيقية على التجديد.
  2. حزب البعث: ذبلت فكرته وذوت، ولم يعد له حضور سياسي مؤثر.
  3. الحزب الجمهوري: انتهى عملياً برحيل مؤسسه ومفكره.

فهل يعني ذلك أن بقية الأحزاب المتصدرة للمشهد الوطني تملك، وحدها، مقومات البقاء ومسوغات الوجود السياسي؟

خذ مثالاً الحزب الاتحادي الديمقراطي. ما هو فكره اليوم؟ وما هي أهدافه؟ وما هو برنامجه السياسي؟ الذي نعلمه أنه عاد إلى الساحة بعد غياب ستة عشر عاماً أعقبت انقلاب مايو 1969، وخاض انتخابات 1986 ببرنامج حمل عنوان “الجمهورية الإسلامية”، وهي حقيقة قد تبدو غريبة لكثير من أبناء الأجيال الجديدة.

لكن السؤال الذي ينتصب هنا هو: هل ما يزال برنامج الحزب الاتحادي الديمقراطي هو إقامة جمهورية إسلامية في السودان؟ الثابت أنه لم يطرح برنامجاً سياسياً جديداً منذ انتخابات 1986، أي منذ أربعة عقود. ولا نعرف له، طوال هذه المدة، فكراً أو نظرية أو برنامجاً واضح المعالم. وكل ما يراه الناس من أمر هذا الحزب هو صراع متواصل بين أبناء المرشد على رئاسته؛ فتارةً يصعد نجم السيد الحسن، وتارةً يخبو ليصعد نجم السيد جعفر، وحول كل نجم يحتشد الأنصار ويلتف المؤيدون، بينما يغيب الحديث عن المبدأ والفكر والبرنامج.

وكذلك كان حال حزب الأمة، الذي تجسد عملياً في شخص رئيسه الراحل الإمام الصادق المهدي: الفكر في رأسه، والمال في جيبه، والقرار في يده. وقد خاض الحزب انتخابات 1986 ببرنامج حمل اسم “الصحوة الإسلامية”، ثم ظل هذا الشعار، كما هو الحال عند رصيفه الحزب الاتحادي، مجمداً دون تطوير أو مراجعة على امتداد أربعين عاماً.

فلما غادر الإمام الحياة، لم يعد أحد يسأل عن المبادئ أو الأفكار أو السياسات أو البرامج، وكأنها جميعاً قد رحلت برحيله. وفي واقع الناس اليوم، لا يكاد أحد يعرف للحزب نظرية أو مشروعاً سياسياً؛ وإنما يدور الحديث عن أبناء السيدة سارة وبناتها، وأبناء السيدة حفية وبناتها، ثم أزواج البنات، وما يتصل بتوازنات الأسرة والوراثة السياسية.

قلت: سبحان الله! إذا كانت هذه الأحزاب جميعاً تعاني، وفق المعيار الذي يطرحه هؤلاء الأحباب، من شيخوخة الفكرة، وضمور المشروع، وغياب البرنامج، وفقدان القدرة على التجديد، فلماذا تنصرف الدعوة إلى حل تنظيم الحركة الإسلامية وحدها؟ ولماذا لا تمتد، اتساقاً مع المنطق ذاته، إلى سائر الأحزاب التي لم تعد تملك من الفكر والنظر والبرنامج ما تقدمه لشعبها؟!

إن الأزمة الحقيقية في السودان ليست أزمة وجود حزب أو تنظيم أو تيار بعينه، وإنما أزمة غياب المراجعة والتجديد لدى مجمل القوى السياسية. فمن أراد أن يجعل معيار البقاء في الساحة هو القدرة على إنتاج الأفكار والبرامج والاستجابة لمتغيرات الواقع، فعليه أن يطبّق هذا المعيار على الجميع بلا استثناء.

أما أن يتحول هذا المعيار إلى أداة لإقصاء الخصوم والتغاضي عن الحلفاء، فذلك ليس حكماً موضوعياً على الأفكار، وإنما انتصار للانتقائية وتكريس لازدواجية المعايير!

اترك رد

error: Content is protected !!