الرواية الأولى

نروي لتعرف

الكتلة الحرجة / ود البلد

من ساويرس إلى حميدتي .. تعددت الأسباب والكفيل واحد


منذ انطلاقها، التزمت زاوية الكتلة الحرجة بسياسة واضحة وثابتة تقوم على تجنب الخوض في الشؤون الداخلية للدول الأخرى، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية يمثل أساساً ضرورياً للعلاقات السليمة بين الشعوب والدول.
ولعل مصر كانت دائماً في مقدمة الدول التي حرصت الزاوية على عدم تناول شؤونها الداخلية، تقديراً لمكانتها التاريخية والحضارية، وإدراكاً للدور الكبير الذي اضطلعت به تجاه السودان عبر العقود، وخاصة منذ اندلاع الحرب الحالية، حيث وقفت الدولة المصرية والشعب المصري إلى جانب ملايين السودانيين الذين دفعتهم الحرب إلى النزوح واللجوء، وقدمت ما استطاعت من دعم ومساندة في ظروف بالغة الصعوبة.
ومن هذا المنطلق تحديداً يأتي هذا المقال. فهو لا يستهدف التدخل في شأن مصري داخلي، ولا ينطلق من موقف عدائي تجاه أي طرف مصري، وإنما من منطلق الغيرة الصادقة على مصر الشقيقة، التي يرتبط السودان بها برباط تاريخي وجغرافي وإنساني وحضاري لا ينفصم منذ فجر التاريخ، ومن منطلق الحرص على مكانة دولة بحجم مصر وقيمتها ورمزيتها في الوعي الجمعي العربي والإسلامي.

تصريحات ساويرس .. حين يصبح بن زايد “الأب الروحي لمصر”

أثارت التصريحات التي أدلى بها رجل الأعمال المصري نجيب ساويرس خلال لقاء تلفزيوني مع الإعلامية الأمريكية هادلي جامبل موجة واسعة من الجدل والاستغراب. وصف فيها رئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ محمد بن زايد بأنه “الأب الروحي لمصر”، مشيداً بدور الإمارات في دعم الاقتصاد المصري، ومعتبراً أن أبوظبي لعبت دوراً محورياً في مساعدة القاهرة خلال فترات اقتصادية صعبة.
ولم تتوقف تصريحات ساويرس عند هذا الحد، بل تضمنت إشادات متكررة بالإمارات وقيادتها، مصحوبة بانتقادات ضمنية أو مباشرة لدول خليجية أخرى، الأمر الذي أثار تساؤلات واسعة حول دوافع هذا التمايز الحاد في المواقف.

إهانة لمصر قبل أن تكون مديحاً للإمارات

بعيداً عن المواقف السياسية والاقتصادية، فإن أول ما يلفت الانتباه في هذه التصريحات هو أنها تمثل إهانة معنوية لمصر قبل أن تكون مجاملة سياسية للإمارات.
مصر ليست دولة ناشئة تبحث عن هوية أو سند تاريخي، وليست كياناً حديث التكوين يحتاج إلى “أب روحي” يمنحه الشرعية أو المكانة. مصر دولة ضاربة الجذور في التاريخ الإنساني، سبقت معظم دول العالم المعاصر بآلاف السنين، وأسهمت في تشكيل الحضارة الإنسانية نفسها.
ومن هنا يبرز التساؤل المنطقي: كيف يمكن لرجل ولد في العام ١٩٦١، أي قبل قيام دولة الإمارات العربية المتحدة بنحو عشر سنوات، أن يصبح “الأب الروحي” لدولة يمتد تاريخها إلى آلاف السنين قبل الميلاد؟
إن المشكلة لا تكمن في الثناء على دولة أو قائد مزعوم – فالعلاقات بين الدول تقوم على المصالح والتعاون المتبادل – لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الامتنان إلى صياغات تنتقص من مكانة الدولة العريقة وتوحي وكأن وجودها أو استمرارها مرهون بإرادة أطراف خارجية.

بين الخطاب والواقع .. ماذا قدمت الإمارات لمصر؟

يزداد الجدل حول تصريحات ساويرس عندما توضع في سياق السياسات الإقليمية لدولة الإمارات خلال السنوات الأخيرة.
ففي الوقت الذي كانت فيه مصر تخوض معركة دبلوماسية وقانونية معقدة دفاعاً عن حقوقها التاريخية في مياه النيل، واصلت أبوظبي توسيع استثماراتها وعلاقاتها الاقتصادية مع إثيوبيا، وضخت استثمارات كبيرة في الاقتصاد الإثيوبي خلال مراحل تطور مشروع سد النهضة، وهو ما أثار تساؤلات واسعة في الأوساط المصرية حول مدى مراعاة تلك السياسات للمصالح المائية المصرية الحيوية.
وفي السودان، ارتبط اسم الإمارات مراراً بتقديم أشكال مختلفة من الدعم لمليشيا الدعم السريع، بصورة ساهمت في إطالة أمد الحرب وتعقيد فرص الوصول إلى تسوية سياسية مستقرة، بينما دفع الشعب السوداني ثمن استمرار النزاع من دمائه وأمنه واستقراره.
أما في ليبيا، فقد كانت أبوظبي لاعباً رئيسياً في الصراع الليبي لسنوات طويلة، من خلال دعم أطراف بعينها. وفي منطقة القرن الأفريقي، برزت الإمارات كلاعب مؤثر في ملفات الموانئ والنفوذ البحري، بما في ذلك علاقتها بأرض الصومال.
لذلك فإن تصوير الإمارات باعتبارها طرفاً يعمل دائماً بما يخدم المصالح المصرية أو العربية بصورة مطلقة يبدو تبسيطاً شديداً ومخلاً لمشهد أكثر تعقيداً.

رسائل ساويرس لدول الخليج الأخرى

اللافت أن ساويرس لم يكتفِ بالإشادة بالإمارات، بل أطلق خلال اللقاء نفسه ملاحظات وانتقادات تجاه دول خليجية أخرى، متهماً بعضها بإقامة تفاهمات أو ترتيبات مع إيران، في مقابل تقديم الإمارات باعتبارها الاستثناء الوحيد.
مثل هذه المقاربة تبدو انتقائية، لأنها تتجاهل أن جميع دول المنطقة – بما فيها الإمارات نفسها – تدير علاقاتها وفق مصالحها الوطنية، وأن اختزال المشهد الخليجي في صورة طرف “وفي” وآخر “متخاذل” لا يخدم التضامن العربي.

ساويرس وحميدتي .. مواقف قديمة وأسئلة جديدة

لم تكن تصريحات ساويرس الأخيرة أول محطة مثيرة للجدل في مواقفه تجاه السودان. فقد سبق له أن أبدى مواقف إيجابية تجاه محمد حمدان دقلو (حميدتي)، قائد مليشيا الدعم السريع، وأعاد نشر أو الإشادة بمقاطع وخطابات له.
وتبقى الدوافع الحقيقية وراء تلك المواقف مسألة لا يعلمها إلا صاحبها، لكن مراقبين ربطوا بينها وبين المصالح الاقتصادية في قطاع الذهب والتعدين في السودان.

تعددت الأسباب والكفيل واحد

في نهاية المطاف، قد تختلف الدوافع وتتباين المصالح، لكن النتيجة النهائية تبدو واحدة. عندما ننظر إلى مواقف نجيب ساويرس من الإمارات وإشادته بمحمد بن زايد، ومواقفه السابقة من حميدتي، وشبكة المصالح المحيطة، نجد أنفسنا أمام خيط ناظم يصعب تجاهله: الأسباب وإن تعددت، فالكفيل يظل واحداً.
مصر أكبر من أن تُختزل في مشروع استثماري أو صفقة اقتصادية عابرة، والسودان أكبر من أن يتحول إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية أو مسرح لحروب الوكلاء. أما التاريخ، فإنه يظل أكثر صلابة من المال، وأكثر بقاءً من النفوذ.
فالأوطان تُبنى بالتاريخ والإرادة والتضحيات، لا بالرعاية السياسية العابرة ولا بعلاقات المصالح مهما بلغ حجمها. ومن يخطئ في قراءة التاريخ قد ينجح في عقد الصفقات، لكنه لن ينجح في إعادة تعريف الأمم أو إعادة كتابة مكانتها في وجدان شعوبها.

اترك رد

error: Content is protected !!