
من يظن أن المشهد العسكري متراخً فهو بعيد عن الواقع ، وما يجرى هو أشد فاعلية وربما تأثيراً من (قعقعة) السلاح ، فالتحضير للمعارك أهم كثيراً وأوسع من المواجهات الحاسمة واللحظات العابرة ، وهذا ما يجرى على أكثر من صعيد..
ودون شك أن الطرف الاخر يسعى بذات الوتيرة ، وهنا لابد من ملاحظتين مهمتين:
وأولهما: أن مليشيا آل دقلو الارهابية تعمل في بيئة متناقصة ، هناك نقص في القدرة على التعبئة والحشد ، ونقص في جلب المرتزقة من دول الجوار الافريقي ومن الخارج وتراجع في ادوار تجار الحروب وسماسرة الأزمات وقلة حماس لدى الحاضنة السياسية والمجتمعية ، وغياب الدافعية وكثرة تراكم الحرب من الخسائر البشرية والجرحى وتنازع المجتمعات ، وبشكل عام سرى الضعف في كيان المليشيا المتضعضع..
وثانياً: فإن هناك متغيرات دولية واقليمية كثيرة ، بعضها لصالح المليشيا التى تسعى إلى فتح معسكرات ومراكز تدريب على الحدود السودانية-الأثيوبية ، مع ملاحظة أن الوضع في اثيوبيا أكثر حساسية من تشاد أو جنوب السودان..
ولكن الوجهة العامة أن دولة الإمارات العربية اصبحت تتجه للعزلة ، بعد ان اصبح دورها مكشوفاً ومفضوحاً ومحل رصد..
ولعل هذا سبب اسراع وزير الدولة للخارجية الامارتية زيارة الجوار الافريقي واعادة السردية مع الاتحاد الافريقي واثيوبيا والذهاب إلى العمق الافريقي ، وهذه تحركات ينبغي للحكومة السودانية وللقوى السياسية والمجتمعية والمنظمات مناهضتها وكشفها خبايا ، وقد أحسن الراي العام والفاعلين والمؤثرين في مدافعتها..
(2)
في مسرح العمليات العسكرية مشاهد اخري ، مؤثرة ، وذات انعكاس فعلي على تطورات الأحداث ونتائجها ، وهنا نشير إلى أكثر من واقعه:
اولاً: تحولت معركة الاستنزاف من القوة المتقدمة إلى عمق تحركات المليشيا المتوحشة ، إلى مراكز امدادها ومعسكرات تدريبها ونقاط تجمعها وقادة حشودها وإلى قادتها واحداً تلو الآخر ، وهذا ما يفسر ظهور قائد ثاني المليشيا المجرم عبدالرحيم دقلو في احراش جنوب السودان يتجول ليلاً يخاطب في حراسته مع مصباح يدوي في حالة رعب حقيقي ، وغياب كلي لقائد المليشيا المتمردة بعد أن استقر به المقام بعض الوقت في راجا بجنوب السودان..
وثانياً: حالة الانقسام بين المجموعات والفصائل المختلفة وغياب منظومة الضغط والربط ، ويمكن قراءة ذلك من إعلان حظر التجول ليلاً في مدينة الضعين منذ 7 يناير 2026م ، وعنتريات المجموعات واخرهم معارضة اولاد راشد محاسبة قائدهم العميد خلاء محمد اجبر ، واحتجاجات ابناء التلس ، وخلاف ذلك من احاديث قادة المجموعات..
وثالثاً: سقوط وهم الدعايات الاعلامية ، والمنصات التى توفرها الدول الداعمة للمليشيا البربرية وبعض الأطراف السودانية ، وربما لا نبتعد عن الحقيقة إذا قلنا أن اغلب عمليات المليشيا العسكرية وحتي انتهاكاتها وتجاوزاتها ذات ارتباطات بأجندة سياسية ومناورات ، وبهدف الضغط على الحكومة أو احراجها ، ولإثارة الهلع والترويع كجزء من سلاح المعركة ، ومن الواضح أن مليشيا آل دقلو فقدت الكثير من هذه الناحية..
(3)
هذا الواقع البائس ، في مقابله شواهد أخرى ، أكثر وضوحاً ، حيث اتسعت مصادر الحكومة السودانية ، فهناك مشروع وطني للسلام وهناك حكومة تنفيذية وعودة متسارعة للمواطنين واصرار على عزل وابعاد المليشيا ومشروعها عن مستقبل السودان ، وهذا جانب معايش ، وما لا يدركه البعض أن مليشيا آل دقلو واجهت ضربات قاصمة:
• اولاً لم تكن معركة محور الدبيبات – كازقيل مواجهة عابرة ، بل عملية تفتيت وتفكيك عسكري لخلخلة كل مخطط المليشيا للضغط على مدينة الأبيض من ناحية الجنوب والشرق ، وبضربة واحدة وتحركات في أكثر من محور وقراءة موضوعية للميدان كانت احلام المليشيا وداعميها إلى سراب ، وكشفت التحقيقات مع المقبوض عليهم بؤس حالهم وضعف قدراتهم ، بينما احاديثهم في الميديا تشير بصورة أكثر وضوحاً إلى غياب العقل الجمعي ، والعجز عن فعل متزامن ، والميدان اليوم في كردفان لا يحتمل وثبات صغيرة أو مغامرات طائشة ، ولهذا فإن تلك الضربة -بحمدالله- كانت مجرد اختبار لقوات باطشة ، وذات مدد وسند وقضية..
• وثانياً: فإن المناورات القصيرة ارتدت نتائجها على مجموعات المليشيا المعزولة الآن في جبرة الشيخ وأم سيالة وعلى طول طريق الصادرات ، حيث تجرى عمليات تحييد بمستوى عال من الدقة والمهارة..وربما من الأوفق الإشارة إلى التعميم الذي اصدره مكتب الناطق الرسمي للقوات المسلحة يوم 9 يناير وجاء فيه: (نفذت وحداتنا الجوية والبرية غاراتٍ مكثفةٍ على تمركزات العدو في دارفور وكردفان وطرق تقربه من الجنوبِ الليبي، حيث بلغت خسائر مرتزقة آل دقلو تدمير أكثر من ٢٤٠ مركبةٍ قتاليةٍ وهلاك المئات من المليشياتِ الإرهابيةِ التابعة لهم ، كما تم تدمير عدد من المسيراتِ الاستراتيجية والمخابئ ومحطات التشغيل بمطار نيالا ، كذلك تمكنت القواتُ على الأرض من طردِ مليشيا التمرد من مناطق واسعة في كردفان ودارفور .
تواصل قواتكم المسلحة والقوات المساندة عملياتها لتدميرِ فلول وبقايا المليشيا الإرهابية في كلِ مناطق تواجدهم
نصرٌ من الله وفتحٌ قريب)..
حفظ الله البلاد والعباد..
11 يناير 2026م..




