أشعار ثقافة ومنوعات

ما بين الشنفرى ومحمد ود الرضي – دراسة مقارنة بين تائية الشنفرى وقصيدة (ست البيت) لمحمد ود الرضي

السفير عمر محمد احمد صديق

✍🏼 السفير عمر محمد أحمد صديق

نيويورك 20 نوفمبر 2020

​أنا وغيري كثيرون بالطبع، من المعجبين بأشعار وأغاني الحقيبة، غير أن أشعار محمد ود الرضي تجد في نفسي هوىً مغلظا لعمق معانيها ودقة أوصافها.وسحر البيان عند ود الرضي يجعلك تقف مذهولا عند مفرداته البسيطة الدارجة، وتركيب أبيات القصائد بالعفوية والاتزان ما يحملك على احترام شاعريته الفذة التي تنقاد لها الاوزان والقوافي والمعاني انقيادا طائعا لا تشعر فيه صنعة أو تكلفا.

​أي قصيدة من قصائد شاعرنا ود الرضي تمثل بنيانا متكاملا من حيث لزوميات الشعر ووحدة الموضوع ودقة المعنى وتفرد الوزن والقافية. طرق شاعرنا في شعره الدارج والفصيح كافة أبواب ومجالات الشعر في المديح والغزل والنسيب والفخر وخلافها. 

​دعوني اتوقف عند قصيدته (ست البيت) التي تغنى بها الراحل مبارك حسن بركات وسار على منواله كثيرون من مطربي اليوم. قصيدة (ست البيت) تقع في أربعة عشر مربعا وكل مربع يحوي أربعة أبيات وكل منها يصلح أن يكون بيتا كاملا أو شطراً من البيت بحكم ترابطها بالقافية، وهذه المربعات تسير على منوال مربعات الدوبيت، وبالتالي يمكن القول إنها تقع في ستة وخمسين بيتا. تغني المطرب مبارك حسن بركان بعدد مقدر من ابياتها وهو ما يحفظه العديدون وما كان لمبارك التغني بها كاملة ولذا اختفت بعض الابيان عن ذاكرتنا الجمعية وطالها الاندثار.

​ولما كنت كغيري أيضا مِن مَن يطالعون الشعر العربي خاصة شعراء المعلقات وشعراء صدر الإسلام ومن تلاهم من شعراء الدولة الاموية والدولة العباسية وما بعدها استوقفتني تائية الشنفرى ثابت بن أوس وقيل (أواس) وهو شاعر جاهلي من شعراء الطبقة الثانية حسب تقسيم المفضل الضبي صاحب المفضليات. وورد في تمثيل المثال الجزء الأول صفحة وفي الأغاني الجزء الحادي والعشرين صفحة 209 وفي شرح واختيارالمفضل الجزء الأول على الصفحات 331، ” أن الشنفري قدم على منىً وبها حُزام بن جابر، فقيل له هذا قاتل ابيك، فشد عليه فقتله ثم سبق الناس على رجليه” وكان الشنفرى كما ورد في بعض المراجع من العدائين الذين ينافسون الخيل، والله تعالى اعلم. بعد هذه الحادثة كتب الشنفرى تائيته أو على أقل تقدير جزءاً منها، وهذه التائية تقع في ستة وثلاثين بيتا ومطلعها:

ألا أم عمروٍ أجْمَعَتْ فإستقلّتِ * وما ودعّتْ جِيرانَها إذْتوَلّتِ

وقد سَبقَتْنا أمُ عمروٍ بأمـرِهـا * وكانت بأعْــناقِ المُطِيِأظلّتِ

​لاحظت أن بين هذه القصيدة، وقصيدة ود الرضي (ست البيت) تشابها عظيما من حيث الأوصاف للمحبوبة. ود الرضي يصف ويعدد محاسن (ست البيت) والشنفرى يصف ويعدد ويتغزل في محاسن (أم عمرو) ويسميها (أميمة) في بيت من القصيدة. هذا التوافق الذي يصل الى مرحلة أقرب للتطابق يشرح عاطفة المحبة والاعجاب لدي الشاعرين؛ الشنفرى لجارته (أم عمرو) وود الرضي لِ (ست البيت) والتي قصد بها زوجته كونه وصفها بلسان المتحدث.

افتتح ود الرضي قصيدته يصف كرم وسخاء (ست البيت) قائلا:

سِتْ البيت برِيدا بَرَاها* تِرتـَاح روحِي كل ما اطْراها

قَالت جـَــارتا مجاوراها * تجِي شايلا وتجِي مزاوراها

تلحَــظ إحـتاجنا بَرَاها * نَشـْــكُر سَــعــيَها بي وَرَاها

أما الشنفرى فيقول في وصف كرم وسخاء (أم عمرو):

تَـــبِيتُ، بُعَيْدَ النـَّومِ، تَهْدِي غَبُوقَها * لجـارتِها إذا ما الهــديةُ قَلَّتِ

والغبوق ما يشرب مساء وهو غير الصبوح الذي يشرب عند الصباح. هذا البيت يمثل وقع الحافر على الحافر لمربع ود الرضي حيث أن الشاعرين وصفا سخاء السيدتين (أم عمرو) و(ست البيت) في أوقات ضيق المعيشة والضنك والعوز بجودهن وهداياهن لجاراتهن، (أم عمر) تقدم الهدية لجارتها مساءً قبل النوم حينماتبتعد وتتوقف أعين الرقباء، و(ست البيت) تعرف احتياجات جارتها دونما إفصاح منها وتقدم لها ما تحتاجه من تلقاء نفسها في ستر، وجارتها لسانها يلهج بشكرها أي (ست البيت) عند تقديم الهدية وبعد مغادرتها لهم، وهذا لعمري قمة الإكرام من جانبهن دون منٍ أو أذىً. غير أن ود الرضي ذهب أبعد من ذلك في تبيان إكرام (ست البيت) لأهله واصدقائه وحنانها عليه هو،وهذا في تقديري ما افتقده الشنفرى لكون أن اهله وعشيرته ما كانوا يزورونه في الفلوات حيث كان يقضي جل وقته متصعلكاً. وفي هذا المعنى يقول ود الرضي:

ما بتحْسِب عَلي كُــلّية * تكرِم كُل مَنسُوب ليّ

أشفَقْ مِن جَـنَايــَا عَليّ * واطوَع من بناني إليّ

لو كان حبيب واصَلّي * الكَرم العَريض يوصَلّي

مِنَّها قَطْ خِلاف ما حَصَلّي * بَسْ إزعَاجَا لي قُوْم صَلّي

تطابق آخر عند الشاعرين في وصف جمال السيدتين أذ يقول ود الرضي:

ربــَّنـَا بالجَمال كــَافاها * لامِنْ قـــَال قــَواما كــَفاها

ويقول الشنفري في البيت الثاني عشر:

فَدَقّتْ، وجَلّتْ، وإسبَكرّت وأكُملت       فلو جُنَ إنسانٌ من الحسنِ جَنّتِ

​دقت بمعني صغُرت، وجلَّت بمعنى عَظُمت، وإسبكرتتعني إعتدلت، وأكملت بمعنى أنها ذات صورة مكتملة. في هذا البيت يصف الشنفرى (أم عمرو) أنها دقيقة الخصر، عظيمة الارداف ومعتدلة القوام ولو أن كمال الجمال يصيب الانسان بالجنون واللوث لأصاب ذلك المس (أم عمرو). وهذا يطابق ما قاله ود الرضي أن (ست البيت) التي عبأها المولى عز وجل بالجمال الى أن قال قوامها يكفيني هذا ولا أريد زيادة عليه “لامِن قال قواما كفاها”

يقول الشنفرى في الابيات الخامس والسادس والتاسع:

فَيَا جارَتي وأنتِ غَيرُ مُلِيمةٍ * أذا ذُكِرتِ ولا بذاتِ تَقـــَلُّتِ

لقد أعجَبَتني لا سَقُوطٌ قِانعُها * أذا ما مَشَتْ ولا بِذاتِتلفُّـتِ

كأن لها في الأرض نسياً تــَقُصُّهُ * على أَمِّها وإن تُكــلِّمكَ تبْلَتِ

​(التقلُّت) هو البغض والكراهية، أي أن (أم عمرو) لا تعرف الضغينة والحقد. و(أَمِّها) تعني مقصدها، و(النسيُ) ما نُسِيَ أو ضاع في الأرض. و(تبلّتِ) تعني يتقطع كلامها من شدة الحياء. هنا يصف الشنفري محبوبته ببعدها عمَّا يجلب لها اللوم ان تحدث عنها الآخرون وهي لا تعرف الضغائن والحنق أي أنها ذات سريرة نقية ومحتشمة لا يسقط قناعها عن وجهها، وعند المشي لا تتلفت يمنة ويسرى بل تسير وعيناها تنظران أمامها وكأنها تبحث عن شيءٍ ضاع منها في الأرض، وان كلمها أحدهم تتقطع نبرات صوتها خفراً وحياءً. 

وفي مثل هذه الأوصاف يقول ود الرضي:

مــِمَّـا ربـَّنـا أنـشــــاها * مَا بـَات بي غـَــبِينة حَشـَاها

حَاشَا الرِيبة ما بتغَشَـاها * مَا قـَـالــو بِسْ حَــاشَـاها

هنا يتطابق وصف ود الرضي مع وصف الشنفرى أن طبع وسليقة (ست البيت) لا يعرف الحقد والضغائن، وانها أبعد ما تكون من الريبة ولوم اللائمين.

وفي بيت آخر يصف ود الرضي رقة ولطف (ست البيت) وبعدها عن النكد واهتمامها بزينتها ويقول

طَيبَة عُشْرَة مِيْ غَالاتا * ما سابَت الشَّباب لى بناتا

وفي إطار الحياء والخفر الذي وصف به الشنفرى (أم عمر) يقول ود الرضي أن (ست البيت) محتشمة ولا تتحدث كثيرا عِفَّةً وانكساراً لطيفاً وليس غباءً، وأضافعليه اهتمامها بأطفالها قائلا إن (ست البيت):

حَشِيمَة سَكوتة مِن مِيلادا * مـُوْ سُكَاتاً تـَنــُوبـُو بـَلادة

نُضَـاف مَنَظـــَّمين أولادا * دايما عِندي حِلوَة جَلادَة

يصف الشنفرى علاقة (أم عمرو) بزوجها ويقول:

تحِــلُّ بمِنْجَــاةً من اللــَّــومِ بيتَها * إذا بــُيُوتٌ بالمَذَمَّةِ حـَلَّتِ

أميمةُ لا يُخْــزِي نــَثــَاها حلِيلَها * إذا ذُكِرَ النِسوانُ عَفَّت وجَلَّتِ

إذا هُـوَ أمْسَـى آبَ قـُرةَ عَينِهِ * مآبَ السَّعيدِ لم يَسَـلْ أَينَظــَلَّتِ

(نثاها) هي في الاصل (نثأُها) خففها لضرورة الشعر، وتعني السيرة والسمعة الحسنة الطيبة ويقول ود الرضي:

فَاضِي البَال حَلِـيلا جَـنَابو * ما إتـــْغَضْبـَن لـِمِس أشْنَابُو

ولا يـُــوم سُـــؤ تــَفــَاهُم نــَابـُـو * دِي الأمـْــثالانـِـتـــْغَــنــَّابُو

​الملاحظ أن كلا الشاعرين استخدما مفردة «الحليل»؛ فهي عند ود الرضي تشير إلى الزوج، وعند الشنفرى إلى الرفيقة أو الخليلة، وهذا تصادف لغوي غريب. والحليل عند ود الرضي لم يغضبه أو يسوؤه شيء تجاه زوجته، وهي، كما يذكر الشنفرى عند الحديث عن النسوان، متصفّة بالعفة والإجلال، ولم يطرأ أي سوء تفاهم بينه وبين (ست البيت). وعندما يعود إلى بيته، يجد فيها قرة عينه، كما يشير الشنفرى.

​وفيما يتعلق باهتمام السيدتين (أم عمرو) و(ست البيت) بالطيب وتعطير الدار يقول الشنفرى:

فَبِتنا كأن البَيتَ حُجِّرَ فَوقَنا * بِريحانةٍ رِيحَتْ عِــشَاءًوطُــلَّتِ

بريحانةٍ من بَطنِ حَلْيةِ نَـــوَّرَتْ * لها أرجٌ ما حَـولها غَيرُمُسْنِتِ

​(ريحت) تعنى أصابها ريح النسيم. و(طُلَّت) بمعني أصابها الطَلُّ وهو الندى. و(حَلية) هو وادٍ في تهامة.و(نوّرت) بمعنى انبثقت وردتها أي نوارتها، و(الأرج) هو الاريج أي الرائحة الطيبة و(مُسنِت) بمعني مُجدِب اييابس او ناشف.

​في هذين البيتين يصف الشنفرى ما تعطرت به (أم عمرو) أو «أميمة» كما سماها، ويشير إلى أن ذلك العطر عمَّ كل البيت. ويقول إنّه عطر الريحان المعروف لدينا، ولعل الريحان كان أجمل رائحة شمّها الشنفرى في حياته بين البداوة والعيش في الخلاء، حيث كان صعلوكًا وطريدًا مع الوحوش. ولو عاش في الحضر، لما جاء بعطر الريحان فقط، بل لربما اختار أنواعًا أخرى من الطيب، مثل المسك، المعروف بزهوّه وندرته.

الذي أورده الأعشى في معلقته حين قال:

هِركَولَةٌ فُــنُــقٌ دُرمٌ مَرافِـقُـها * كَأَنَّ أَخـمــَصَها بِالشَـوكِ مُـنـتــَعِل

إِذا تَقومُ يَضوعُ المِسكُ أَصوِرَةً * وَالزَنبَقُ الوَردُ مِن أَردانِها شَمِلُ

أو كما قال أمرؤ القيس

وَرِيح سَناً في حُقَّةٍ حِميَرِيَّةٍ * تُخَصُّ بِمَفروكٍ مِنَ المِسكِ أَذفَرا

والمعلوم أن المسك يُعد من أشهر أنواع الطيب التي عشقها الجاهليون، ولم يكن متوفّرًا في بلادهم، بل كان يُستَحصل عليه عبر التجارة مع البلدان المجاورة.

​ولنأتي الى ود الرضي في وصف عطر (ست البيت)واهتمامها بتعطير دارها إذ قال:

ما قَالَت بــِقِيــت حَــبُّوبَة * وتـَرَكَت بُوخَتَا المـَحَبوبــَة

لو جـَاتَك مِن رِياحَا هَبُوبَة * تَـحيِي عِروقَك المَهبُــوبَة

ويضيف ود الرضي:

مِيْ العَــزَّاية دايما سَــاقْدَة * ومِيْ الغَبشَا المَغَبــَّرة حَادَّة

مِيْ اللَّهـَفانة بي وَرَا المَادَّة * دي اللَّي البوخَة دِيمـة مُـوَادَّا

​إنَّ المعنى والمبنى والمقصد في الحالتين يكاد يكون واحدًا، على الرغم من اختلاف الأزمنة والأمكنة بين ود الرضي والشنفرى. فالشنفرى يصوّر الريحانة وقد لامسها نسيمُ العَشاء برقّته وعذوبته، ونزل عليها الطلُّ وهي نامية وسط نباتٍ أخضر لا يابس فيه ولا ذابل. أمّا ود الرضي فيجعل نسيمَ العشاء حاملاً عبير «بوخة» (ستّ البيت)، فينعش بذلك العروق المتعبة المتهالكة اليابسة. وهكذا يلتقي الشاعران في جوهر الصورة والمعنى؛ فنسيم العَشاء في كليهما رسولُ لطفٍ وإنعاش، غير أنّ الأول صاغه في مشهدٍ من الطبيعة الخضراء النديّة، بينما نقله الثاني إلى فضاء العاطفة الإنسانية، فجعل عبير المحبوبة باعثَ حياةٍ وانتعاش.

قصيدة ود الرضي (ست البيت):

سِتْ البَيتْ بَرِيدَا بَرَاهَا تَرْتَاحْ رُوحِى كُلْ مَا أَطْرَاهَا

قَالَتْ جَارَتَا مِجَاوْرَاهَا تَجى شَايْلا وتَجِى مِزَاوْرَاهَا

تَلْحَظْ إِحْتِيَاجْنَا بَرَاهَا ونَشْكُرْ سَعْيَهَا بِوَرَاهَا

مِمَّا رَبَّنَا أَنْشَاهَا مَا بَاتْ بَى غَبينَة حَشَاهَا

حَاشَى الرِّيبَة مَابتَغَشَاهَا مَاقَالُوا لَه بِسْ حَاشَاهَا

ربنا بالجَّمَالْ كَافَاهَا لَمَّنْ قَالْ قَوَامَا كَفَاهَا

المَسْرُورَة مِى تَفَّاهَه يَا حَلاَةْ الكَلاَمْ فِى فَاهَا

أَبَدَاً مَا بَرَى لَو طَريدَة كُلَّ الفِى جَوَارَا برِيدَا

هِىَّ الفِى فُؤَادِى فَرِيدَة كَمَانْ العَلَّمَتْنِى أَرِيدَا

لَيهْ مَا أَشَكِّرَا مِطَاوْعَانِى حَافْظَة لـِمُتْعَتِى وحَافْظَانِى

حَاوْيَه مِنْ الأنُوثَة مَعَانِى مَهْمَا أَبْقَى مُرْ بَالْعَانِى

مَا بِتَحْسِبْ عَلَىْ كُلِّيَّه وتَكْرِمْ كُلَّ مَنْسُوبْ لَىَّ

أَشْفَقْ مِنْ جَنَاىَ عَلَىَّ وأَطْوَعْ مِنْ بَنَانِى إِلَىَّ

لَوْ كَانْ يُومْ حَبيبْ وَاصَلْ لِى الكَرَمْ العَرِيضْ يَوْصَلْ لِىَّ

مِنها قَط خِلاف مَا حَصَليّ * بَسْ إزعَاجَا لَي قُوم صَلّي

مِى شَهَّايَة مِى طَمَّاعَة لَى قُولْ قَالُوا مِى سَمَّاعَة

لَوْ كَانْ يُومْ شَكَيتْ يَاجَمَاعَة بَى عَرْض العِيُونْ دَمَّاعَة

إن صَابَحْتَهَا ومَاسَيتَا طَاعْمَة ونَاعْمَة إنْ مَسَّيتا

مَاقَاسَتْنِى مَاقَاسَيتَا تَشْكُرْ فَضْلِى كُلْ مَا كَسَيتَا

حَشِيمَة سَكُوتَة مِنْ مَيلاَدَا مُو سُكَاتَاً تَنُوبَو بَلاَدَة

نُضَافْ ومَنَظَّمِينْ أَوْلاَدَا دَايْمَاً عِنْدِى حِلْوَة جَلاَدَة

تَتْلاَصَفْ سِرُورْ وَجَنَاتَا الرَّفَّايَه الكُتَارْ حَسَنَاتَا

طَيْبَة عُشْرَة مِى غَالاَتَا مَا سَابْتَ الشَّبَابْ لَبَنَاتَا

مِى العَزَّايَة دَايْمَاً سَاقدة مِى الغَبْشَا المَغَبَّرَة حَادَّة

مِى اللَّهْفَانَا بَى وَرَاءَ المَادَّة أَلْ للْبُوخَه دِيمَا مِوَادَّه

مَا قَالَتْ بِقِيتْ حَبُّوبَة وتَرَكَتْ بُوخَتَا المَحَبُوبَة

لَوْ جَاتَكْ مِنْ رِيَاحَا هَبُوبَة تَحْيىِ عِرُوقَكْ المَهبُوبُة

سِتْ البَيتْ تَزِيلْ الغُّمَة نُورْ البَيتْ بَرَاهَا ضُلْمَّة

أحْتَرَمَا وكَمَانْ بَالذُّمَة أحْتَرَمْ العَلَيهَا مَسْمَّى

جزء من تائية الشنفرى:ئية الشنفرى» الشنفرى »  فاستقلت

أَلا أَمُّ عَمرو أَجمَعَت فَاِستَقَلَّتِ * وَما وَدَّعَت جيرانَها إِذ تَوَلَّتِ

وَقَد سَبَقَتنا أُمُّ عَمرو بِأَمرِها * وَكَانَت بِأَعناقِ المَطِيَّ أَظَلَّتِ

فَيا جارَتي وَأَنتِ غَيرُ مُليمَةٍ * إِذ ذُكِرت وَلا بِذاتِ تَقَلُّتِ

لَقَد أَعجَبَتني لا سَقوطاً قِناعُها * إِذا ما مَشَت وَلا بِذاتِ تَلَفُّتِ

تَبيتُ بُعَيدَ النَومِ تُهدي غَبوقَها * لِجارَتِها إِذا الهَدِيَّةُ قَلَّتِ

تَحُلُّ بِمَنجاةٍ مِنَ اللَومِ بَيتَها * إِذا ما بُيوتٌ بِالمَذَمَّةِ حُلَّتِ

كَأَنَّ لَها في الأَرضِ نِسياً تَقُصُّهُ * عَلى أَمِّها وَإِن تُكَلِّمكَ تَبلَتِ

أُمَيمَةُ لا يُخزى نَثاها حَليلَها * إِذا ذُكَرِ النِسوانُ عَفَّت وَجَلَّتِ

إِذا هُوَ أَمسى آبَ قُرَّةَ عَينِهِ * مَآبَ السَعيدِ لَم يَسَل أَينَ ظَلَّتِ

فَدَقَّت وَجَلَّت وَاِسبَكَرَّت وَأُكمِلَت * فَلَو جُنَّ إِنسانٌ مِنَ الحُسنِ جُنَّتِ

فَبِتنا كَأَنَّ البَيتَ حُجَّرَ فَوقَنا * بِرَيحانَةٍ ريحَت عِشاءً وَطُلَّتِ

بِرَيحانَةٍ مِن بَطنِ حَليَةَ نَوَّرَت * لَها أَرَجٌ ما حَولَها غَيرُ مُسنِتِ

وختامُ القولِ إنَّ هذا التوافقَ في تواردِ المشاعرِ والخواطرِ بين الشاعرين أمرٌ لم أرَ له مثيلاً من قبل، مع الأخذ في الاعتبار فوارقَ العهودِ والأزمنةِ والأمكنةِ بينهما؛ فالأولُ عاش في الجزيرةِ العربية قبل الإسلام، والثاني ترعرع في بوادي السودان. وكلاهما عرف الغرامَ والعشقَ لزوجه، وتغزَّل بها، وساق مناقبَها وذكر أفضالَها. وهو، دون ريب، تعبيرٌ صادقٌ عن حبِّ كلٍّ منهما لرفيقة دربه وزوجه. وختاماً أقول: لله دَرُّهما من شاعرين مفوَّهين مُحنَّكين.

انتهى مع التقدير.

اترك رد

error: Content is protected !!