
من نافلة القول أن نشير بأن علاقات السودان ومصر الشعبية والرسمية متجذرة وعميقة ، أمن قومي مشترك لا يمكن ان يباع بأبخس الأثمان في سوق البضائع السياسية الإقليمية الكاسدة ، مواقف مصر مع السودان في محنته لا تقدر بأرفع الأثمان على وجه الخصيبة مهما حاول بعض صناع العدوان أن يوظفوا المشكلات العابرة لصناعة التأزيم الشعبي ودق أسفين بين البلدين ، نسأل الله الرحمة والمغفرة للمعدنيين الأهليين الذين لقوا حتفهم وشفى الله المصابين في قضية حتى الآن محل شك وجدل وما زال التحقيق والتقصي لمعرفة تفاصيلها مستمرا”، والسودان ومصر على قدر من التواصل والقدرة على التوصل إلى حلول تتجاوز الأزمة رغم اجتهاد الغرف الاعلامية للمليشيا وداعميها السياسيين والطرق المستمر بهدف تهييج المشاعر وصناعة الوقيعة بين شعبي البلدين الشقيقين ، هناك بضائع سياسية كاسدة لكن ظل اصحابها يروجون لبيعها وصناعة عصبية إجتماعية متوهمة لم نشهدها في الوقت الذي دفنت فيه المليشيا الارهابية قوميات المساليت وهم على قيد الحياة في الجنينة ولم نسمع فضل الله برمة ناصر أن اصدر بيانا” إدان فيه الجرائم التي إرتكبها الجنجويد داخل مستشفيات الفاشر وفي قرى ود النورة وأم سريحة والهلالية بالجزيرة والنيل الأبيض ، فضل الله برمة ومنصات المليشيا لم يصدروا بيانا” واحدا” يدين مسيرات المليشيا التي تقتل الابرياء في ود الماحي بالنيل الأزرق ومعسكرات النازحين بالأبيض ليلا” ونهار” ، غير أنهم بلا خجل يتباكون اليوم تنفيذا” لأوامر الكفيل ولحشد الضمير الشعبي بإدعاء اخلاقي كذوب غارق في منازع السلطة والترف..
المجموعات السياسية المسماة ( تأسيس ، صمود) واعوانهم كل يوم يستحدثون وجها” أخلاقيا” زائفة يهيجون به المشاعر في حقيقته ليس انتصارا للضحايا بل لمزيد من افساد النسل والحرث والعمران وتدمير البلد التي دمروا فيها كل شئ ، وبلادنا باتت ليس بحاجة إلى فتح جبهة صراع مصنوع يقف خلفه اصحاب المطامع والأجندات السياسية المعلنة والخفية ، لست في مقام التقليل من الواقعة التي حدثت في مناطق التعدين الاهلي على الحدود مع مصر وقبلها حدثت في جبل العوينات مع الحدود الليبية، ولا ادري الحادثة الحالية ان كانت داخل الحدود المصرية ام بالقرب من حدود السودان معها ولكن لكل دولة الحق في حماية مواردها وأمنها القومي ، وبالطبع ذلك ليس مبررا لسفك الدماء البريئة ولكن جمهورية مصر العربية ليست بكل هذا الغباء حتى تدخل في أزمة مع السودان وشعبه في هذا الظرف الذي تتلاحم فيه مع بلادنا وتنسق معه في المحافل الدولية كافة ، مصر تملك أطول حدود جغرافية لها مع السودان ، وهى دولة لا تتم فيها الأشياء بالصدفة ولا يمكن أن تدخل في أزمة وهى تدرك إلى أين ستؤول تداعياتها، ومصر الدولة والشعب ليست بحاجة للإضرار باهل السودان وهي حاضنة للملايين منهم داخل جوفها بحب وإئتمان وأمان ، ولكن المليشيا وحاشيتها والدول التي تقف خلفها لن يتوقفوا عن فعل كل ما من شأنه أن يفسد علاقات البلدين ويعكر صفاها..
قصة التعدين الأهلي باتت أزمة لكثير من الدول فهى لم تعد حاضنة خارج نطاق سيطرة الدول والقانون فحسب ، بل باتت سلوك كلفته الأمنية والإقتصادية والإجتماعية عالية جدا”، ليس اقلاها تهريب الموارد والإتجار بالبشر وبيئة صالحة لصناعة المليشيات الارهابية ، بات هذا الواقع حمولات أمنية للدول أكثر من انه بيئة اقتصاد وأسواق للذهب لتحسين الوضع الاقتصادي للمعدنين، دعونا نتفق أن الظاهرة باتت واحدة من مداخل الخلل الأمني ما يتطلب الانتباه بعيدا”عن التهريج ولغة التهديد والوعيد ، فقد أصبحت مواعين للخسارة وأسواق للتبطل وبيع للبشر وظلامات للشباب وإفسادهم وضياع آمالهم ، أكثر من انها اماكن لكسب الرزق ومساعي للإكتناز الحلال ..
لا يحتاج الأمر لكل هذا الجدل الاعلامي ولا يبرر تلك الجريمةُ المروّعةُ التي ارتُكبت بحقّ السائقين وأدت لمقتل أثنين من المصريين في السوق المحلي بالخرطوم رحمة عليهما وشفى المصاب ، فالأمر يحتاج الي تدخل سريع من قيادة الدولتين وإلى كثيرٍ من البحثِ والتدقيق لإخراج السردية الموضوعية للحادث، ومن ثم رفعِ بَصمات منفّذُها للرأي العام ، والتعامل بحزم مع الأصوات التي مازالت تهدَّد بارتكابِ جرائم أخرى بذات الكيفية ، وهي ليست غريبةً عن قاموسِ المليشيات وأفعال الجنجويد الارهابيين ، وأسلوبِهم وتاريخِهم الغذر ، وهم أصلاً ترسانةٌ أجرام دولي تبحث عن فرصةِ اشتباكٍ مصري سوداني لتبرّر وجودَها في تزكية الصراعات الاقليمية واحداث الفتنة بين الشعبية ، ولإقناع مشغليها أنَّها تستحقُّ ما ينفق عليها ، مليشيا الدعم ترسانةٌ استجلبتِ الحروبَ المتعددة للسودان والغاراتِ المتعددة على مناطق التعدين العشوائي تفرحها وتعطيها مادة لإشعال الحريق ، فهى لا تعيش إلا وسطَ مياه الحروب ، فهي تدركُ بغريزتِها أنَّ السلمَ عدوُّها الأول، وأنَّ الاستقرار لا يفردُ لها مكاناً ، لقد أُنشئت لمحاربةِ السلم والاستقرار معاً.
جاءتِ جريمة السوق المحلي بالخرطوم بعدما خسرتِ المليشيا المتمردة قدرتَها على الإقامة في العاصمة الخرطوم وكردفان وقل نومها في دارفور ، كانَ من شأن التَّحكم في الأزمات أن يضاعفَ قيمة هذه المليشيا لدى رعاتها الدوليين، وهى دائما” تأملُ أن توفرَ لأبوظبي تعويضاً للمال السياسي من خلال الثقوب الواسعة التي تحدثها مليشيا آل دقلو في جدار الشعوب على قرار حرب السودان وتأثيره في تدمير أمن الحدود بين الجوار ، رغم المأسأة التي حدثت في شمال الوادي وجنوب الخرطوم لكنَّ التقييم المتعجل والإندفاع من دون تثبت من جانب الرأي العام والنشطاء بين البلدين ، أشبهَ بالدور المفخخ الذي ينفجر بلاعبه أولا” لابد من الحكمة والتريث وعدم الإنجرار وراء صناع الفتن.




