الرواية الأولى

نروي لتعرف

الرأي

لم يعد ترفًا – لكي تعود الخرطوم .. لا بد أن تعود الأشجار أولاً

د. أمجد فريد الطيب

عند مقارنة متوسط درجات الحرارة في الخرطوم خلال الفترة بين 2003 و2006 بمتوسطها خلال الفترة بين 2023 و2026، نجد أنها ارتفعت بنحو 0.9 إلى 1.3 درجة مئوية. ويُعد هذا ارتفاعاً كبيراً إذا ما قورن بمتوسط الاحترار العالمي، الذي يُقدَّر بنحو 0.2 درجة مئوية لكل عقد منذ ثمانينيات القرن الماضي. ووفق هذا المعدل، كان من المتوقع أن يبلغ الارتفاع خلال الفترة نفسها نحو 0.4 درجة مئوية فقط، بينما تجاوز الارتفاع المسجل حالياً بنسبة 225% الي 325%، بما يجعل الخرطوم متأثرة بارتفاع درجات الحرارة بوتيرة تفوق المتوسط العالمي.

ويرتبط هذا الارتفاع بعدة عوامل عالمية ومحلية، إلا أن السنوات الثلاث الأخيرة شهدت ظروفاً استثنائية بفعل الحرب، أسهمت في تسريع بعض العوامل المحلية المؤثرة في المناخ الحضري وزيادة درجة الحرارة. فقد أدى التجريف الواسع للغطاء النباتي، والحرائق، والقصف، وتدهور البيئة العمرانية وكل هذه العوامل غير الطبيعية تساهم في ارتفاع درجات الحرارة الليلية بما يودي الي عرقلة الالية الطبيعية للتبريد وتقليص قدرة المدينة على الاستفادة من التبريد الطبيعي خلال ساعات الليل. ونتيجة لذلك، ترفع نقطة بداية درجة حرارة الأراضي والمباني كل يوم وتبدأ المدينة نهارها كل يوم بدرجة حرارة أعلى من اليوم السابق، لتنشأ حلقة تراكمية تؤدي إلى موجات حر أطول زمناً وأكثر شدة، مع ما يترتب على ذلك من آثار مباشرة على الصحة العامة، واستهلاك الطاقة، والموارد المائية، وتفاقم الإجهاد الحراري.

ومن هنا تنبع أهمية مبادرة تشجير الخرطوم. فهي ليست مشروعاً جمالياً فحسب، بل معركة جديدة مع التغير المناخي ومن اجل تحسين البيئة الحضرية. وتشير الدراسات إلى أن زيادة الغطاء الشجري في الخرطوم يمكن أن تساهم في خفض درجات الحرارة المحلية بنحو 3 إلى 5 درجات مئوية، فضلاً عن تحسين جودة الهواء، والحد من الغبار، وتقليل استهلاك الطاقة، وتزيد من قدرة التربة على الاحتفاظ بالمياه وتعزز بشكل عام قدرة العاصمة على مواجهة موجات الحر.

ولا تبدأ هذه المبادرة من الصفر، إذ سبقتها جهود شبابية ومجتمعية رائدة، مثل مبادرة “الخرطوم خضراء” وغيرها. ويستهدف المشروع المقترح توحيد هذه المبادرات ضمن إطار تنسيقي واحد، بالشراكة مع حكومة الولاية ومؤسسات الدولة والقطاع الخاص والمجتمع المدني والمتطوعين، بما يحول الجهود المتفرقة إلى برنامج وطني واسع لإعادة بناء الغطاء النباتي في العاصمة وبناء هويتها الجمالية.

وفي العاصمة روحي، وبلسم جروحي … وراجعين ليك يا خرطوم.

اترك رد

error: Content is protected !!