
التاريخ لم يتوقف في أكتوبر ٢٠٢١، الذي انقطع فيه مسار التحول إثر صراع سياسي على السلطة، شارك في صناعته وتأزيمه كل الأطراف الموجودة الآن في الساحة، بما فيها هذه الأطراف التي تدعي أن هدفها الآن هو استعادة مسار التحول الديمقراطي.
ما حدث بعد ذلك هو ما لا يزال مستمراً حتى الآن، وبدأ بالمحاولة الانقلابية في أبريل ٢٠٢٣، التي حاولت فيها مليشيا الدعم السريع ابتلاع البلاد لصالح المشروع الإماراتي في السودان وفي المنطقة وادخلت البلاد الي دوامة الحرب. في هذه الحرب مارست المليشيا، ولا تزال، كل صنوف الانتهاكات والجرائم ضد السودانيين في شتى أصقاع البلاد، واستدعت المرتزقة من حول العالم بتمويل وسند سياسي وعسكري إماراتي شهد عليه العالم.
وفي هذه الحرب، أشار المدنيون بأقدامهم إلى بوصلة الانحيازات الصحيحة، وهم يلجأون هرباً من المناطق التي تحتلها المليشيا، بكل ما تشهده من معاناة وانتهاكات، إلى المناطق التي تسيطر عليها أو تحررها القوات الحكومية (راجع تقارير منظمة الهجرة الدولية عن حركة المدنيين منذ بداية الحرب اذا وددت التأكد) . فليس من المعقول أن يُطلب من السودانيين أن يقفزوا على أولوياتهم المباشرة في التخلص من هذه الكارثة المستمرة، وأن يسعوا إلى دعم أطماع بعض القوى السياسية في السلطة التي يسعون إليها من فوق تاتشرات مليشيا الدعم السريع. خصوصًا أن هذه القوى، التي تدعي أنها تسعى إلى الديمقراطية، اختارت بمحض إرادتها التماهي مع خطاب المليشيا وتوقيع الاتفاقيات والتفاهمات معها، حتى لو جاء ذلك على حساب إطالة أمد الحرب والمعاناة المترتبة عليها، والدفاع، بشكل فج ومستمر على مدى ثلاثة أعوام، عن الممولين الخارجيين في مشيخة أبوظبي، الذين شهد عليهم العالم بأسره بأنهم أحد أسباب استمرار الحرب وزيادة حدتها في السودان.
انحياز وتماهي هذه القوى لم يبدأ بعد الحرب، بل سبقها في محاولات إجبار السودانيين على القبول بما عُرف حينها بالاتفاق الإطاري، والذي كان روشتة لتقنين ابتلاع المليشيا للبلاد، من خلال الإبقاء على الوجود المؤسسي المستقل للمليشيا لما بعد الفترة الانتقالية ولدورتين انتخابيتين بعدها. ومشروع ابتلاع الدولة وتفكيك مؤسساتها لصالح الامارات سعت اليه المليشيا باصرار منذ نجاح الثورة في الاطاحة بالبشير، وكل هذا تاريخ قريب ومعروف لمن يريد مراجعته والتأكد من حقائقه.
الان وهنا يصبح السعي إلى تفكيك الوجود المؤسسي للمليشيا والتخلص منها واستعادة معاش وأمان السودانيين في السودان هو الانحياز السياسي الصحيح في هذه اللحظة. وهذا التفكيك يمكن أن يحدث بشكل سلمي وتفاوضي إذا توقفت هذه القوى السياسية الضالة، ومن هم وراءها، عن تغذية الطموحات والأوهام السياسية لدى قادة المليشيا، وابتزاز الناس والبلاد بسلاح المليشيا وجرائمها. أما محاولات الابتزاز السياسي بالموقف من الديمقراطية والتحول المدني، فهي محاولة لخلط الأولويات الإنسانية والاجتماعية الأساسية، كما أوضحها التسلسل العلمي في هرم ماسلو، ناهيك عن المنطق الإنساني البسيط، الذي يأتي فيه معاش الناس وأمنهم قبل أي شيء آخر.
الوصول إلى الحلول يبدأ بالارتكاز إلى الحقائق، أما الاستهبال السياسي والابتزاز الذي يحاول تجار السياسة المفلسون ممارسته، فمردود عليهم، بأن الموقف مما يحدث الآن هو الفاصل بيننا وبينكم.






