ليمانيات / د. إدريس ليمان

في هواك لاقيت هوانى ..!!

د . إدريس ليمان


ما أبهى خمريات شِعرنا الغِنائى الرقيق وإن كان قائله نجَّاراً أو تاجراً بسيطاً بسوق أمدرمان أو بائعاً للمساويك أو مهاجراً مع العصافير فى موسم الشوق الحلو ، وما أقبح خمريات واقعنا البائس الذى يقتل فينا كُلّ جميل ويخاطبنا بصوتٍ مبحوح تستجدينا نظراته الحائرة ونحن لا نُحرِّك ساكناً ولا نُسَكِّنْ مُتحرِّكاً .. فها هى سنوات الدراسة تتسرب من بين أيدى أبنائنا وهم يدفعون ثمن التجاذبات والتشاكس بين الفرقاء من الطامعين والطامحين .. فالتعليم العالى الذى يُمثِّل فى أى دولة راشدة أهم دعائم تطوير المجتمعات البشرية وأدوات النهوض بها بصقل الأجيال المؤهلة فنيَّاً وعِلميَّاً لتحقيق التنمية الإقتصادية والإجتماعية ، لم يَعُد للأسف قاطرة التنمية فى سودان المستقبل ، ولم يَعُد المقياس الحقيقى لنهضته ، فقد تعثَّرت العملية التعليمية وتأثَّرت بالوضع العام وأصابها الهُزال المُفضِى للإحتضار فهجر أبناؤنا مقاعد الدراسة قسراً ، وهاجرت الأُسر شمالاً .. وإن إستمرَّ الوضع نخشى أن يأتى اليوم الذى تملأ فيه العناكب مدرجَّات مؤسساتنا التعليمية الرسمية والخاصة ، هذا فضلاً عمَّا نشهده اليوم فى بعض أرجاء السودان وربوعه من سقوطٍ مجتمعى مدوٍّ يكاد أن يأخذ مستقبل البلد رهينة بفعل التفاهات الفكرية والخطابات العنصرية وتردِّى الخطاب القبلى والجهوى لفئامٍ من الناس لإذكاء النعرات العرقية وتحريض الشباب والعَوام على العنف والكراهية كأنهم شياطين أُرسلوا إليهم تؤزهم أزَّاً .. وكل ذلك من أجل أن يُسجِّلوا حضوراً بائساً فى المشهد العبثى ولو أدَّى ذلك لتفكيك المجتمع وإشعال نار الفتنة بين مكوناته ( نبرأ إلى الله من هؤلاء ، ومن أولاء ، ومن أولئك ) .. وهو الخطر الحقيقى الذى تواجهه بلادنا إن لم نقف جميعنا صفاً واحداً لمواجهته .. فإن أردنا أن نُحافظ على سوداننا وطناً جامعاً لنا فعلينا إنكار هذا المُنكَر الذى يُهدد وحدتنا وأمننا القومى ، وأن نُنْكِر على كُلّ من يسعى للعبث بإستقرارنا المجتمعى من أجل طموحات بائسة ويسعى بها لرفع خسيسته من ذات الصدع إلى ذات الرجع ..!! فالأوطان من الثوابت التى لاتقبل المساومة والمقايضة ، والإنتماء إليها لايكون لمصلحة أو منفعة آنية ينتهى بإنتهائها ..!! فحُبُ الأوطان ليس مجرد عاطفة تزداد أوتنقص حسب الشدة والرخاء ..!! إنَّما حُبٌ وإخلاص وولاءٌ دائمٌ لاينقطع سواء كان الوطن بالعدوة القصوى أو بالعدوة الدنيا .. فلا يزال سوداننا بخير ، ولا تزال أساوره خرساء لاصوت لها ولا رنين ، فضروعه ممتلئة بالحليب وفروعه مُثقلة بالثمار .. ولاتزال بلادنا ودوداً ولوداً تؤتى أُكلها كُلّ حين متاعاً لأهلها ولأنعامهم ، ولايزال هناك من يغرس فى سودان الخير شتلات الأمل والخير ..!! فكيف لانزداد حمداً وشكراً لله وسوداننا لم يُنبِتْ خمطاً ولا أثلاً ولاشئٍ من سِدرٍ قليل ..!! وكيف لا أعشق جمالك وإنتَ مُغرِى ..!!؟
حفظ الله بلادنا وأهلها من كُلِّ سوء .
د . إدريس ليمان
الجمعة ٢٨ أكتوبر ٢٠٢٢م

اترك رد

error: Content is protected !!