
يقضي الإنسان جانبًا كبيرًا من عمره وهو يعتقد أنه يمسك بمقود حياته كاملًا، وأن حسن التخطيط، وقوة الإرادة، وكثرة السعي كفيلة بأن تجعل الأيام تسير كما يشتهي. لكنه، مع تعاقب التجارب، يكتشف حقيقة لم يكن يتصورها في بدايات الطريق؛ وهي أن الحياة لا تُدار بإرادتنا وحدها، وأن لها سننًا تجري بما يشاء الله، لا بما يشتهي الإنسان.
هذه الحقيقة ليست دعوة إلى اليأس، ولا تبريرًا للتقاعس، وإنما هي دعوة إلى إدراك حدود ما نملك، والتمييز بين ما نستطيع تغييره، وما ينبغي أن نتقبله، وما يحتاج إلى أن ننتظر أوانه. فليس كل ما يحدث نتيجة تقصير، ولا كل ما نتمناه يتحقق بالإصرار وحده.
لعل من أكثر الأخطاء التي يقع فيها الإنسان أن يتعامل مع جميع الظروف بالطريقة نفسها؛ فيقاوم ما لا يمكن مقاومته، ويؤجل ما يجب المبادرة إليه، ويستعجل ما لم يحن أوانه، ويستسلم لما كان قادرًا على تغييره. ومن هنا يبدأ الاستنزاف الحقيقي.
لو تأمل الإنسان محطات عمره، لاكتشف أن أكثر ما استنزفه لم يكن الأحداث نفسها، بل طريقته في التعامل معها؛ إذ كثيرًا ما خلط بين السعي المشروع ومحاولة التحكم في النتائج. نسعى لأن الله أمرنا بالسعي، ثم نريد أن نتحكم في النتائج، فإذا جاءت على غير ما نشتهي بدأ صراعنا مع الواقع، لا لأن الواقع تغير، بل لأننا رفضنا الاعتراف بحدود قدرتنا.
هذه الحكمة تتجلى بوضوح حين نتأمل المواقف التي تضعنا الحياة أمامها، والتي يمكن ردها – في الغالب – إلى ثلاثة أنواع.النوع الأول هو ما يكون متاح بين يديينا ، كطلب العلم، والعمل، والاجتهاد، وتطوير الذات، وتربية الأبناء، والإصلاح بين الناس، والمحافظة على الصحة، والتخطيط للمستقبل. في هذه المواطن لا يجوز رفع راية الاستسلام، لأن الله سبحانه وتعالى أمر بالأخذ بالأسباب، وجعل السعي مسؤولية، ولم يجعل انتظار النتائج عذرًا لترك العمل. فمن قصر في واجبه، ثم علّق إخفاقه على القدر، فقد أخطأ في فهم معنى التوكل، لأن التوكل لا يكون إلا بعد استفراغ الوسع وبذل الجهد.
أما النوع الثاني، فهو ما يخرج عن إرادة الإنسان خروجًا كاملًا، كوفاة عزيز، أو الإصابة بمرض لا يد للإنسان في حدوثه، أو كارثة طبيعية، أو تبدل قلوب الناس، أو أحداث فرضها الواقع دون اختيار. هنا تصبح المقاومة، بعد استنفاد الأسباب، كمن يحاول أن يمنع شروق الشمس بكفيه أو يوقف المد بيديه؛ فهي لا تغيّر الواقع، وإنما تستنزف صاحبها.
يبقى النوع الثالث، وهو أكثر ما يمر بنا في حياتنا، حيث يكون جزء من الأمر بيدك، بينما يكون الجزء الآخر في يد غيرك أو في ظروف لا سلطان لك عليها. وهنا تتجلى الحكمة بأوضح صورها.
تخيل أبًا يقف أمام غرفة العمليات ينتظر خروج طفله، أو زوجًا يرافق زوجته لإجراء عملية جراحية دقيقة. لقد بحث عن أفضل الأطباء، واختار المستشفى المناسب، وهيأ العلاج، وأجرى الفحوصات، ولم يدخر سببًا يستطيع الأخذ به. وما إن تُغلق أبواب غرفة العمليات حتى ينتهي دوره العملي. في تلك اللحظة، لن يزيد القلق من مهارة الجراح، ولن تختصر الدموع زمن العملية، ولا يبقى إلا قلب يطرق أبواب السماء بالدعاء. وليس ذلك عجزًا، بل وعيًا بأن لكل دور حدًا، وأن ما بعده تفويضٌ لله.ينطبق الأمر نفسه على الطالب الذي اجتهد عامًا كاملًا ثم خرج من قاعة الامتحان. لقد انتهى دوره، ولن تضيف ساعات القلق درجةً واحدة إلى ورقة إجابته. كما ينطبق على التاجر الذي أعد مشروعه بعناية، ثم داهمت الأسواق ظروفًا اقتصادية لم يكن يملك دفعها. وينطبق كذلك على العلاقات الإنسانية؛ فبإمكانك أن تكون صادقًا، ومخلصًا، ووفيًا، لكنك لا تستطيع أن تُكره قلبًا على البقاء، ولا أن تفرض مشاعر لا يولدها إلا الاقتناع. فإذا أديت ما يمليه عليك ضميرك، ثم خرج القرار من يدك، فلا تجعل قلبك أسيرًا لما لم يعد في قدرتك.
يبقى جانب لا يقل أهمية، وهو أن بعض المشكلات لا يستعصي حلها، وإنما لم يأت أوانها بعد؛ فالزمن، كما الأسباب، جزء من تمام الحل. فكما أن لكل ثمرة موسمًا، فإن لبعض القرارات ساعةً إذا جاءت أثمرت، وإذا استعجلها الإنسان قبل أوانها، لم يحصد منها إلا العناء.إن تأجيل بعض الإصلاحات لا يعني الهروب منها، بل قد يكون عين الحكمة. فكم من خلاف عائلي انتهى حين هدأت النفوس، ولو أُصر على حله في لحظة الغضب لاتسعت هوة الخلاف. وكم من مشروع تعثر لأنه وُلد قبل أوانه، وكم من فرصة ضاعت لأن صاحبها استعجلها قبل اكتمال أسبابها.
غير أن الانتظار المقصود هنا ليس انتظارًا يلتهم الأعصاب، ولا ترقبًا يستهلك النفس. فالانتظار الممزوج بالقلق يشبه من يحمل حقيبته الثقيلة واقفًا في محطة القطار؛ فالقطار سيصل في موعده، لكن التعب سيكون من نصيب من أصر على حمل حقيبته طوال الانتظار.
حين يدرك الإنسان هذه الحقيقة، يغدو انتظار الأقدار طمأنينةً لا استنزافًا، ويصبح الصبر فعلًا من أفعال الثقة لا مجرد احتمالٍ للأيام.لذلك، فرب ساعة مباركة في أوانها خير من ساعات طويلة يبددها الاستعجال. قد تصلح كلمة قيلت في وقتها ما عجزت عنه سنوات من الجدل، وقد يفتح الله بابًا في لحظة بعدما استعصى على محاولات كثيرة جاءت في غير أوانها.
من المؤلم أن كثيرًا من الناس يظنون أن القلق دليل اهتمام، وأن الانشغال الدائم برهان مسؤولية، بينما الحقيقة أن القلق لا يغيّر القدر، وإنما يستهلك صاحبه.
ليس هذا المعنى مجرد تأمل نظري، بل تؤكده الوقائع التي عاشها الناس في أحداث حرب الكرامة الأخيرة. فقد وجد كثير من الناس أنفسهم أمام واقع لم يختاروه، واضطروا إلى مغادرة بيوتهم، أو فقدوا أعمالهم، أو تفرقت بهم السبل. بعد أن بذلوا ما استطاعوا لحماية أنفسهم وأسرهم، لم يعد أمامهم إلا التكيف مع الواقع، وإعادة ترتيب حياتهم، وانتظار الفرج.فالإنسان بعد العواصف لا يحتاج إلى أن يستعيد كل ما فقده بقدر ما يحتاج إلى أن يحافظ على جذوره حية؛ لأن الشجرة التي بقي أصلها ثابتًا تستطيع أن تورق من جديد مهما طال الشتاء.إن الحياة لا تطلب منا أن نكون أقوى من القدر، وإنما أن نكون أحكم في التعامل معه. فالسعي له وقته، والانتظار له وقته، والتسليم له وقته. ومن يخلط بين هذه المراحل يرهق نفسه في غير موضعها؛ فيسعى حين يكون الانتظار أولى، وينتظر حين يكون العمل واجبًا، ويقاوم حين يكون التسليم هو عين الحكمة.
فالقبول بالواقع ليس تصفيقًا له، ولا رضا بكل تفاصيله، وإنما اعتراف بالحقيقة كما هي، حتى يصبح الإصلاح ممكنًا. فالإنسان لا يستطيع أن يغيّر طريقًا يرفض الاعتراف بأنه يسير فيه.إن الاتزان النفسي لا يولد من سيطرتنا على الحياة، وإنما من قدرتنا على التمييز بين ما نسعى إليه، وما ننتظر أوانه، وما نفوضه إلى الله بعد استنفاد الأسباب. ومن أدرك هذا الميزان عاش مطمئن القلب، قوي الإرادة، قليل الندم، لأنه لم يحمل نفسه يومًا مسؤولية ما لم يكلّفه الله بها.
إن النضج الحقيقي ليس أن تربح كل معركة، وإنما أن تعرف أي المعارك يستحق أن تُبذل فيها أعصابك ووقتك، وأيها يكفيها الصبر، وأيها لا يملك مفاتيحه إلا الله. فليس من الحكمة أن تنفق عمرك في طرق باب لم يحن موعد فتحه، كما أنه ليس من العقل أن تقف أمام باب أغلق نهائيًا وتنسى أن في الحياة أبوابًا أخرى تنتظر أن تطرقها.
لعل أجمل معادلة تهدي الإنسان في رحلته هي: ابذل كل ما تستطيع فيما تملك، وانتظر بطمأنينة ما يحتاج إلى وقته، وسلِّم لله ما لا يملكه إلا الله.
ما بين السعي والانتظار والتسليم، يمضي الإنسان في رحلته لا باحثًا عن حياةٍ تخلو من الابتلاء، بل عن قلبٍ لا تهزمه تقلبات الأيام. فليست الطمأنينة ثمرة حياةٍ مثالية، وإنما ثمرة نفسٍ عرفت متى تبذل جهدها، ومتى تصبر، ومتى ترفع الأمر إلى الله راضيةً بحكمته، واثقةً بأن ما اختاره لها خيرٌ مما كانت تختاره لنفسها. وعندها فقط، لا يعود السلام هديةً تمنحها الظروف، بل يصبح حالةً يسكن بها القلب مهما تبدلت الأحوال.﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾.






