الرواية الأولى

نروي لتعرف

فيما أرى / عادل الباز

عيد للشهداء.. وفاءً لمن هم أكرم منا جميعاً.

عادل الباز



ناموا لِتَنبُتَ في الثَرى أحلامُنا
فَوقَ الرُفاتِ وَتُزهِرَ الآمالُ
— محمد مهدي الجواهر
إن تضحيات الشهداء ليست سوى فصول من العطاء الأبدي، تتحول فيها تراب الأرض إلى أرض خصبة تنبت الحياة والأمل للأجيال القادمة. فالشهادة في سبيل الله والوطن ليست فناءً، بل هي استمرار باذخ للوجود، ونبع متدفق لازدهار أمة. وهي رحلة انتقال كريمة، تهدي صاحبها عبوراً سلساً من ضيق الحياة الدنيا وضنكها إلى سعة جنةٍ وارفة، عرضها السماوات والأرض، حيث الخلود والمقام الكريم.
1
«الشهداء أكرم منا جميعاً»، لطالما رددناها بألسنتنا، ولكن أين هي الأفعال؟ هم الآن منسيون؛ فلا الدولة ولا الذين ضحوا من أجلهم يذكرونهم حتى بالدعاء.
الذين عادوا إلى الخرطوم الآن مبتهجين، أدعوهم أن يذهبوا زرافات ووحداناً لزيارة قبور الشهداء في «سركاب» وغيرها، التي تمتد فيها القبور لآلاف على مد البصر، ليتذكروا أن عودتهم تلك دفع ثمنها مقدماً هؤلاء الشهداء الذين تغطي قبورهم أنحاء العاصمة، بل كافة أرجاء البلاد.
2
حتى نكون صادقين مع أنفسنا ووفيين لشهدائنا، علينا أن ننظر جميعاً إلى ما قدمناه لهم؛ وهل كان في مستوى تضحياتهم؟ أم أننا بمجرد أن نعمنا بالأمن والاستقرار نسيناهم؟
ترى، من يسأل منا عن أسر هؤلاء الشهداء وكيف يعيشون؟ ومن يصرف على أطفالهم وما مستقبلهم؟ وما دورنا؟ ومن الملقى على عاتقه رعايتهم الآن وغداً؟
الآن وقد وافى العيد، ماذا سنقدم لهم؟ لدي أربعة اقتراحات أرجو أن تجد أذناً صاغية من الشعب والحكومة والجيش:

  • أدعو الشعب أن يجعل من صلاة عيد الأضحى هذا يوماً لذكراهم يُعلى فيها ذكرهم. لنحمل صورهم على صدورنا في ميادين الصلوات؛ فلا شك أن في كل منطقة شهيداً، فلنذكره ونرفع له الدعاء ونبر أهله بزيارات جماعية.
  • لتنهض كل الأحياء بدورها، داعيةً سكانها إلى تلمُّس احتياجات أسر الشهداء في صمت وعزّة، وسدّ ضائقتهم دون أن يُضطَرُّوا للسؤال. ولتحملوا لأطفالهم الهدايا، واذكروا لهم مآثر آبائهم وشجاعتهم، ففضلهم يمتد من الحي إلى سائر أرجاء السودان.
    3
    هذا العيد فرصة للحكومة لتظهر لأسر الشهداء وللشعب أنها على قدر من الوفاء لشهداء الوطن. نرجو أن ينهض رئيس الوزراء السيد كامل إدريس والولاة بإحياء ذكرى الشهداء في أرجاء العاصمة والأقاليم بزيارة قبورهم والترحم عليهم، ثم الطواف على أحياء مختارة قدمت شهداء كثر، وبعض بيوت الشهداء كدلالة رمزية يستحقونها. ولا شك أن رئيس الوزراء الذي يرتاد الأسواق والميادين سيكون وفياً للذين جعلوا جلوسه على رأس الوزارة وطوافه ذلك ممكناً؛ إذ يمكن للحكومة أن تعلن هذا العيد الأول بعد العودة للخرطوم «عيداً للشهداء»، تُزيَّن فيه الشوارع الرئيسية بعبارات التمجيد، وتدعو الجمهور لزيارة أماكن محددة دارت فيها معارك فاصلة وشهدت أعلى معدل للشهداء مثل (القيادة العامة وسركاب) وغيرها.
    4
    أدعو قيادة الجيش إلى إقامة طابور شرف في كافة الوحدات العسكرية والمتحركات، يُحيون فيه ذكرى الشهداء ويستذكرون مآثرهم، وفاءً لرفاق دربهم؛ فما أقسى أن يتناسى إخوة الخنادق رفاقهم. كما أدعو الرئيس البرهان إلى تخصيص جل خطابه في العيد لإبراز التضحيات التي قدمها آلاف الشهداء في معركة الكرامة، والدعوة إلى معايدة كبار الضباط وسط قبور الشهداء في القيادة العامة، ووضع حجر أساس لنصب تذكارية في أهم مناطق المعارك تُدوَّن عليها أسماء الشهداء. وأدعو أيضاً قيادات الجيش للتحرك يوم العيد نحو «المتحركات» المنتشرة في الخلاء، لرفع الروح المعنوية للمقاتلين في الميدان وتثمين دورهم ودور رفاقهم الشهداء.
    5
    أرجو أن يسارع رجال الأعمال، عبر اتحادهم، بإنشاء محفظة باسم «شهداء الكرامة» تُعلن في هذا العيد، وأقترح أن تبدأ برأسمال لا يقل عن 100 مليار جنيه. تُستثمر أموال هذه المحفظة بحيث تعود عوائدها لصالح أبناء الشهداء. إن رجال الأعمال الذين يتوافدون الآن إلى العاصمة الخرطوم وغيرها لإعادة أعمالهم التجارية وتشغيل مصانعهم يدركون أن ذلك ما كان ممكناً لولا الأرواح التي قُدِّمت ثمناً لذلك. صحيح أن رجال الأعمال خسروا كثيراً من ثرواتهم وبعضهم أُفلِس، ولكن في المقابل، هناك من قدموا أرواحهم نفسها لتعود تلك المصانع للدوران. إن رد هذا الجميل والدين الذي يطوق أعناقهم هو فعل يليق بهم وبالشهداء. ويا حبذا لو وضعوا ضريبة ذاتية على كل منتج تذهب سنوياً لصالح محفظة الاستثمار هذه.
    6
    لا بد أن تسارع الجاليات في كل مراكزها في المهجر بتخصيص يوم من أيام العيد لإقامة الصلوات على الشهداء وإقامة ندوات ومعارض إحياءً لذكراهم، وأن يبحثوا مستقبلاً عن واجبهم في رعاية أسر الشهداء بتبني جسم خارج الدولة يساهم في كل ما هو ضروري للأيتام من أبناء الشهداء. أقترح أن يدفع كل مغترب خمسين دولاراً فقط في العام لصالح صندوق الشهداء. وليتذكروا أن هناك من حفظ لهم وطناً يعودون إليه يوماً ما. اللهم آمنا في أوطاننا.
    7
    الدعوة موجهة لوزارة الصحة والجهات الطبية المختصة إلى الالتزام برعاية صحية شاملة ومجانية وكاملة لأسر الشهداء والجرحى الذين أصيبوا في المعركة. يجب إصدار بطاقة «الوفاء الطبي» التي تضمن لهم الأولوية في العلاج، والعمليات الجراحية، والعلاج التأهيلي مجاناً في كافة المؤسسات الطبية الحكومية، والتعاقد مع المستشفيات الخاصة لتقديم الخدمات لهم دون مقابل، اعترافاً بجميل من ضحوا بأرواحهم وأجسادهم من أجل الوطن.
    8
    أدعو السيد وزير الإعلام الصديق خالد الإعيسر أن يوجه أجهزته لتخصيص زمنٍ مُقدَّر في العيد للشهداء؛ عبر برامج وثائقية تُبرز تضحياتهم، وبرامج مع أسرهم، وبرامج أطفال تستضيف أبناءهم في منازلهم.
    9
    الدور الثقافي والتعليمي لترسيخ الذاكرة
    أدعو المؤسسات الثقافية والتعليمية إلى تفعيل دورها في ترسيخ هذه الذكرى الخالدة، معلنة تبني برنامج يُشهر دورها في ترسيخ ذكرى شهداء معركة الكرامة. وأقترح على وزارة التربية والتعليم ووزارة الإعلام والثقافة والجهات المعنية أن تتبنى برنامجاً يشمل الآتي:
  • توثيق قصص الشهداء: إطلاق برنامج وطني شامل لتوثيق قصص الشهداء وبطولاتهم وتضمينها في المناهج التعليمية والتربوية، لضمان أن تبقى تضحياتهم محفورة في ذاكرة الأجيال القادمة.
  • إقامة المعارض الدائمة: تخصيص مساحات في المتاحف والمكتبات الوطنية لإقامة معارض دائمة لبطولات «معركة الكرامة».
  • الفنون التذكارية: تكليف الفنانين والنحاتين بإقامة أعمال فنية ومنحوتات تذكارية في الميادين العامة تخليداً لأسمائهم وأفعالهم.
  • كما أوصي وزارة التعليم أن تصدر قراراً بأن تكون كل المراحل التعليمية متاحة مجاناً لأبناء الشهداء. وأرجو أن تحذو الجامعات الخاصة حذوها بتحديد نسبة مئوية من استيعابها السنوي لصالح أبناء الشهداء مجاناً. الآن مئات من طلاب تلك الجامعات تركوا مقاعد الدراسة وسارعوا لفداء وطنهم، فينبغي أن تكون مؤسساتهم على مستوى تضحيات طلابها.
    10
    عندما تُطوى صفحات هذا العيد المبارك، وتخفت أصداء التكبير والتهليل، سيأتي غدٌ يحمل في طياته عبء المسؤولية المؤسسية لإصلاح ما أفسده الإهمال في حق أسر الشهداء. ذلك حديث المستقبل الطويل.
    إن الوفاء للشهداء ليس مجرد كلمات تُقال في يوم العيد، بل هو منهج حياة وثقافة مجتمع. فكلما أكرمنا أهلهم وأبناءهم، أكرمنا أنفسنا ووطننا، وأيقظنا في نفوس الأجيال القادمة قيم التضحية والفداء.
    أما في هذا اليوم، فليس هناك صوت يعلو فوق صوت الوفاء الخالص والتمجيد لـ«أكرم منا جميعاً». ففي كل خطوة نخطوها على هذه الأرض، وفي كل نسمة أمن نتنفسها، هي شهادة حية على أن تضحياتهم هي الثمن الباذخ لعودتنا المظفرة. فبفضلهم، وبفضل الله، عدنا لنمشي على تراب بلادنا لا «نتلفت» خوف أن نُسأل عن هوية أو بطاقة إقامة، «نقدل» بأرضه هاماتنا مرفوعة نغني له ( أنا بسعد بيك ياوطني) ونهلل ونكبر ونفعل ما يروق لنا «على كيفنا».
    اللهم ارحم شهداءنا وأسكنهم جنة عرضها السماوات والأرض.

اترك رد

error: Content is protected !!