الرواية الأولى

نروي لتعرف

الكتلة الحرجة / ود البلد

عدوان المسيّرات: تقاطعات الدور الإماراتي–الإثيوبي و زعزعة الاستقرار الإقليمي

في ٤ مايو ٢٠٢٦، أعلن الناطق الرسمي باسم القوات المسلحة السودانية، العميد الركن عاصم عوض عبد الوهاب، أن هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت مطار الخرطوم الدولي ومواقع حيوية في العاصمة. وأكد البيان امتلاك أدلة فنية دامغة تربط هذه الهجمات بانطلاقها من محيط مطار بحر دار في إثيوبيا، ضمن نمط تصعيدي متكرر منذ مارس ٢٠٢٦. يمثل هذا التحول نقلة نوعية خطيرة من الصراع الداخلي إلى العدوان الإقليمي مباشر على سيادة السودان، بما يعكس اتساع نطاق الحرب خارج حدودها التقليدية.

محور المصالح: أبوظبي – أديس أبابا:

لا يمكن فصل هذا العدوان عن التقاطع الاستراتيجي العميق بين الإمارات وإثيوبيا في السودان. تسعى إثيوبيا إلى منافذ بحرية ونفوذ إقليمي يخفف عزلتها الجغرافية، بينما توفر أبوظبي التمويل والتسليح واللوجستيات ضمن شبكة مصالح متشابكة في القرن الأفريقي. وتشير تقارير دولية موثوقة، من بينها تقارير مراكز بحثية ومنصات إعلامية مثل ييل ورويترز، إلى وجود معسكرات تدريب في مناطق داخل إثيوبيا كأصوصا (بني شنقول-قمز)، تُستخدم لتأهيل عناصر مرتبطة بمليشيا الدعم السريع، مرتبطة بسلاسل إمداد تشمل نقل أسلحة وطائرات مسيّرة عبر الأراضي الإثيوبية.
هذا التلاقي ليس ظرفيًا، بل يعكس نمطًا مستمرًا من تداخل المصالح، حيث تتحول الجغرافيا السودانية إلى ساحة تقاطع لمشاريع إقليمية تتجاوز حدود الدولة الوطنية.
التدخل الإماراتي وإعادة إنتاج الفوضى
يمثل ما يجري في السودان امتدادًا لنمط تدخل إقليمي تكرر في أكثر من ساحة. في ليبيا، دعمت أبوظبي أطرافًا مسلحة خارج إطار الشرعية الدولية، مما ساهم في إطالة أمد الحرب الأهلية. وفي الصومال وأرض الصومال، أدى إنشاء قواعد وموانئ استراتيجية في بربرة وبوساسو إلى تعميق الانقسامات الداخلية وإعادة تشكيل موازين القوى المحلية. أما في ملف سد النهضة، فقد وقفت الإمارات سياسيًا في جانب لم يتقاطع مع مصالح دولتي المصب، مما زاد من تعقيد ملف المياه في حوض النيل.
في السودان، يصبح هذا النمط أكثر خطورة لأنه يتعامل مع دولة مركزية تعاني أصلًا من هشاشة سياسية وأمنية، مما يجعل أي تدخل خارجي عامل تسريع لتفكك الدولة لا مجرد تأثير في مسار الصراع.
وفي هذا السياق، تحولت مليشيا الدعم السريع من قوة داخلية نشأت في سياق أمني سوداني محدد إلى أداة وظيفية ضمن توازنات إقليمية أوسع. وتشير معطيات متعددة إلى أن مستويات الدعم اللوجستي والعسكري التي تلقتها هذه المليشيا، بما في ذلك التسليح والتدريب والتنسيق عبر الحدود، ساهمت في إطالة أمد الحرب ورفع كلفتها الإنسانية بشكل غير مسبوق.
هذا النمط يعكس خطورة متزايدة في المنطقة، لأنه يعيد تعريف دور الفاعلين غير الدوليين ليصبحوا بدائل وظيفية للجيوش النظامية، بما يهدد فكرة الدولة الوطنية نفسها في الإقليم.

استهداف بنية الدولة والضغط على السيادة:

إن استهداف مطار الخرطوم ومنشآت حيوية أخرى لا يمكن قراءته كهجمات عسكرية معزولة، بل كجزء من مسار ضغط استراتيجي يستهدف قدرة الدولة على العمل والإدارة. فالمطارات وشبكات الإمداد والمراكز الحيوية ليست أهدافًا عسكرية فحسب، بل هي شرايين سيادية تحدد قدرة الدولة على البقاء.
هذا النوع من التصعيد يعكس انتقال الصراع إلى مستوى “تفكيك وظيفي” للدولة، حيث يتم استهداف قدرتها على الاستمرار بدلًا من مجرد تحقيق مكاسب ميدانية.

ازدواجية المعايير: بين ترك الفيل والطعن في ظله:

تكشف الحالة السودانية عن ازدواجية واضحة في السلوك السياسي الإماراتي. ففي الوقت الذي تتجنب فيه أبوظبي الدخول في مواجهة مباشرة مع تهديدات استراتيجية كبرى تمس أمنها الإقليمي (وعلى رأسها التوتر مع إيران)، تنخرط في ساحات نزاع أقل كلفة لكنها أكثر قابلية لإعادة تشكيل النفوذ، مثل السودان.
هذه المفارقة يلخصها المثل الشعبي السوداني بدقة: “ترك الفيل والطعن في ظله”، حيث يتم تجنب المواجهات الكبرى لصالح تدخلات غير مباشرة في بيئات هشة، مما يؤدي في النهاية إلى تضخيم الأزمات بدلًا من احتوائها.
ويشير تحليل نشرته صحيفة “فايننشال تايمز” تحت عنوان “MBZ .. الشيخ الإماراتي الذي هز الخليج” في مايو ٢٠٢٦، إلى طبيعة السياسة الخارجية الإماراتية القائمة على التدخل النشط في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية. غير أن انعكاسات هذا النهج في السودان تتجاوز حدود “إعادة التوازن” لتصل إلى مستويات من الدمار المؤسسي والإنساني.

خاتمة: الكتلة الحرجة في مواجهة التفكيك:

في هذه المرحلة، لم يعد السودان أمام أزمة داخلية مجردة، بل أمام شبكة تفاعلات إقليمية معقدة تتقاطع فيها مصالح دول وفاعلين غير دوليين. إن خطورة الوضع تكمن في أن استمرار هذا النمط من التدخلات قد يدفع البلاد نحو إعادة تشكيل قسري لكيانها السياسي والجغرافي.
في مواجهة ذلك، يصبح تشكيل كتلة حرجة من الوعي الوطني والإقليمي ضرورة استراتيجية، تدرك أن ما يجري في السودان لا يهدد دولة بعينها فحسب، بل يمس استقرار الإقليم العربي والأفريقي بأكمله. وفي هذا السياق، تظل القوات المسلحة السودانية التعبير المؤسسي الأساسي عن سيادة الدولة ووحدتها، في مواجهة محاولات التفكيك وإعادة الهندسة من الخارج.

اترك رد

error: Content is protected !!