
لولا اللغط والاتهامات المتبادلة التي سيطرت على الساحة الإعلامية وشغلت الرأي العام عن قضايا هي الاهم لما حاولت ان اكتب سطرا واحداً في قضية هي في الأصل اتفاق بين الدولة ( الموكل) و الموظف ( الوكيل) وهي علاقة تراض واتفاق ليس بها اي شبهات فساد او تجاوزات طالما انها تحتكم إلى أطر قانونية وعقد عمل موثق من الجهات العدلية في الدولة .
تمنيت لو ان النقاش تركز على نجاح او إخفاقات محافظ البنك المركزي السيدة امنة مرغني بدلا عن الانحراف به إلى موضوع هامشي وهو ما تتقاضاه من اجر نظير تكليفها بالمهام الموكلة اليها .
وفي اعتقادي انها هامشية لان هناك عشرات الملفات والقضايا التي يمكن ان تفتح حول سياسات البنك المركزي .
عدة نظريات ونماذج اقتصادية عالمية صادرة عن مؤسسات دولية وأكاديمية تضع معايير لاجور مسؤولي البنوك المركزية في الدول المأزومة والمنهارة اقتصاديا او التي تعاني حروب واضطرابات امنية وسياسية بما يجعلها في وضع الامتياز مقارنة مع الوظائف العليا في الدولة لعدة اسباب تبدو فعلا منطقية .
في مثل هذه الأوضاع يتولى محافظ البنك المركزي سلطة اتخاذ قرارات مصيرية مثل تحديد أسعار الصرف، إدارة مبيعات الذهب، وضخ السيولة . وهو ما يبرر وضع أجور ومخصصات مرتفعة يُقلل منافع أي مكاسب غير مشروعة قد يُعرض لها المسؤول، او يعرضه لاحتمالات الفساد أو الانصياع للضغوط .
في البيئات شديدة الاضطراب تُطبق سوق العمل المالية مفهوم علاوة المخاطر على الوظائف القيادية في المناطق والظروف الاستثنائية وهو نظام معروف عالميا لأن ادارة البنك المركزي أثناء الحروب تتضمن اتخاذ قرارات ذات أثر سياسي وأمني مباشر كتمويل مستلزمات المعركة والصرف على القوات المقاتلة بما يفوق موارد الدولة المالية ، وهذا المستوى من الضغط القانوني والسياسي والأمني يرفع التكلفة الاقتصادية لشغل المنصب، مما يقتضي حزمة تعويضات تتناسب مع حجم المسؤولية الاستثنائية.
خلال هذه الحرب اللعينة هربت معظم الكفاءات الإدارية والاقتصادية إلى دول اخرى بحثا عن الاستقرار الامني والاقتصادي ، ولم يعد السودان به ما يجذب اي صاحب مقدرات ادارية ناهيك عن شخص اصلا كان بالخارج ويعيش أوضاعا مستقرة ، فعلى اقل تقدير فان من يقبل بهذه الأوضاع ان يجد التعويض المناسب الذي يجعله يقبل العمل في ظروف استثنائية وان كان مبلغ سبعة الاف دولار ما كان ينبغي ان تحدث كل هذه الجلبة المفتعلة .
ما لا نعيه ان تسعير مثل هذه الوظائف يتم وفق معايير السوق المالية الدولية وليس السلم الوظيفي الحكومي ولا تخضع عقودات العمل للهيكل الوظيفي الذي مرجعيته قانون الخدمة العامة حتى نقوص في مقارنات ومفارقات الأجور وهي مفارقات معلومة ومعروفة وسط الخدمة العامة عندنا داخل السلم الوظيفي العادي وقد تجد شخصا ما اقل كفاءة وخبرة يتقاضى اجرا أضعاف ما يتقاضاه اصحاب الكفاءات والمؤهلات العلمية.
تشير دراسات صندوق النقد الاجنبي إلى ضرورة الاستقلالية المالية للبنك المركزي كأهم نقطة للاستقرار النقدي ، وان يكون مفصولا عن الهيكل المالي والتنظيمي للجهاز التنفيذي ، بما في ذلك الهيكل الراتبي للحكومة . لذلك فان الاجر المرتفع لمحافظي البنوك المركزية ليس امتيازا بقدر ما انه حماية واستقرار للأداء في ظل ظروف استثنائية .
كان علينا كقادة راي ان نبحث في قضايا اكثر اهمية وأكثر حساسية في تعقيدات المشهد الاقتصادي الذي تقع ظلاله على قفة ملاح المواطن بشكل يومي ..
ما مدى نجاح او فشل السياسات النقدية والرقابية للبنك المركزي الذي تقوده امنة ميرغني؟
هل استطاعت ان تحقق الاستقرار الذي عيّنت من اجله خاصة في مسالة انفلات سعر الصرف وكل السياسات النقدية التي شهدت اضطراباً متزايدا مع استمرار ظروف الحرب.
هل هناك نجاح ام اخفاق في ادارة سعر الصرف وحماية العملة الوطنية من الانهيار ؟
هل هناك اتساع في عمليات السوق الاسود ام ان ما اتخذته من سياسات قلص الفجوة وقلل من الحلول الامنية التي ظلت هي المسيطر على محاولات سد الفجوة بين السعرين رغم انه اجراء اثبت فشله طيلة الحقب السابقة ؟
الكثير من الملفات غير المرتب كان ينبغي فتحها ومناقشتها مثل ايضا التمويل بالعجز وطباعة العملة ، التضخم وتغذيته من خلال التوسع النقدي الذي أدى إلى تاكل دخل المواطن وشل قدرته الشرائية .
الاسبوع الماضي وبحسب ما انفردت به مجلة حواس قام بنك تنمية الصادرات بتحويل مبلغ مليون دولار لشركة وهمية وهو ما يقود إلى سؤال مهم حول دور بنك السودان في عمليات الرقابة المصرفية ، و الحوكمة وإلزام البنوك التجارية باجراءات الكفاءة والمتابعة والكفاية المالية وغيرها من القضايا الملحة في عمليات اصلاح القطاع المصرفي السوداني.
توجد ملاحظات حول اداء بنك السودان المركزي فيما يختص بتخصيص النقد الاجنبي وتشوهات أسواقه والابتعاد عن تمويل قطاعات الانتاج والتوجه نحو المضاربات والتمويل التجاري التي زادت من السوق الاسود للدولار وغيرها من القضايا التي يمكن ان تفتح بابا للنقاش الموضوعي وليس الانصرافي




