الرواية الأولى

نروي لتعرف

من اعماقي / د. امجد عمر

حين تصبح المعلومة وشاية

د. امجد عمر محمد

تُعد المعلومة أحد أهم الأدوات التي تشكل وعي الإنسان وتوجه مواقفه وقراراته تجاه الأشخاص والأحداث والقضايا المختلفة. فمنذ القدم اعتمد الإنسان على المعلومة لفهم ما يدور حوله وبناء تصوراته عن الواقع. ولذلك ارتبطت قيمة المعلومة بمدى صدقها ودقتها وموضوعيتها، لأن الناس يبنون أحكامهم وسلوكهم بناءً على ما يصل إليهم من أخبار وحقائق. ولهذا ظل التثبت والتحقق من المعلومات علامة على نضج المجتمعات ورقيها، إذ لا يمكن أن يستقيم العدل ولا أن تستقر العلاقات الإنسانية في بيئة تُبنى فيها الأحكام على الظنون والانطباعات.

غير أن ما نشهده في السنوات الأخيرة يكشف تحولًا مقلقًا في طريقة التعامل مع المعلومات، حيث أصبح كثير من الناس يتلقون الأخبار بصورة سماعية، وينقلونها دون تمحيص أو تحقق من مصادرها. يكفي أن تُنشر رواية أو يُتداول تعليق أو مقطع مقتطع من سياقه، حتى تبدأ رحلة الانتشار، ويتحول الظن إلى يقين، والإشاعة إلى حقيقة يتداولها الناس بثقة لا تستند إلى دليل.

هنا تفقد المعلومة قيمتها المعرفية، وتتحول إلى وشاية متنقلة بين الناس. فالوشاية لا تقوم على البحث عن الحقيقة، وإنما تعتمد على الإثارة وسرعة الانتشار، وغالبًا ما تُبنى على أنصاف الحقائق أو اجتزاء الوقائع أو تضخيمها بصورة تخدم غرضًا معينًا. والمشكلة لا تكمن فقط فيمن يختلق المعلومة، بل أيضًا فيمن ينقلها دون وعي أو تحقق، لأن إعادة تداولها تمنحها قوة وتأثيرًا أكبر.

الأخطر من المعلومة الكاذبة أحيانًا ، هو المعلومة الصحيحة التي تُقدَّم بطريقة مضللة. فقد تكون الواقعة صحيحة في أصلها، لكن يتم إخراجها من سياقها، أو تضخيمها، أو عرضها بصورة انتقائية توحي بالنصح والإصلاح بينما يكون الهدف الحقيقي هو التشويه أو إسقاط الآخرين. وهنا تتحول الحقيقة نفسها إلى وسيلة تضليل، فيما ينطبق عليه الوصف القديم: “كلمة حق أريد بها باطل”. فليست كل حقيقة تُقال يُراد بها الخير، لأن بعض الحقائق قد تُستخدم سلاحًا معنويًا لإثارة الفتن أو توجيه الرأي العام أو النيل من الأشخاص والمؤسسات.

من يظن أن الوشاية أو تشويه الآخرين بالمعلومات المضللة يحقق له مكسبًا دائمًا ، يغفل عن سنة من سنن الحياة أكدها القرآن الكريم بقوله تعالى : ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ فالمكر القائم على تضليل الناس أو تخبيبهم على الآخرين قد يحقق أثرًا مؤقتًا، لكنه في النهاية يرتد على صاحبه، لأن الثقة التي يفقدها الإنسان بسبب ممارساته لا تعوضها أي مكاسب عابرة. وقد أثبتت التجارب أن من يتخذ من الكلمة وسيلة للإفساد والتشويه يصبح مع الزمن أسيرًا لما صنعه بنفسه.
لقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تضخيم هذه الظاهرة بصورة غير مسبوقة، فأصبح الإنسان يتعرض يوميًا لسيل هائل من الأخبار والتعليقات والمقاطع، دون أن يمتلك في كثير من الأحيان الوقت الكافي للتحليل أو التحقق. ومع ضعف الثقافة النقدية، صار البعض يصدق ما يوافق عواطفه أو ميوله أو مواقفه المسبقة، لا ما تؤيده الأدلة والحقائق.

لذلك وضع القرآن الكريم قاعدة عظيمة لحماية المجتمعات من أخطار الشائعات والاتهامات غير الموثقة، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ فالتثبت هنا ليس مجرد فضيلة أخلاقية ، بل ضرورة لحماية الأبرياء وصون الحقوق ومنع الظلم الناتج عن التسرع في إصدار الأحكام.

من الناحية النفسية والاجتماعية، فإن المجتمعات التي تنتشر فيها الوشاية تفقد شيئًا فشيئًا قدرتها على الثقة. و يصبح الناس أكثر شكًا في بعضهم البعض، وأكثر استعدادًا لتصديق الاتهامات، وأقل ميلًا للإنصاف والتروي. ومع مرور الوقت تتحول العلاقات الإنسانية إلى مساحات من الحذر والريبة، ويصبح الخوف من التأويل والتشويه حاضرًا في كثير من التعاملات.

إن مواجهة هذه الظاهرة لا تبدأ من المؤسسات وحدها، بل تبدأ من الفرد نفسه. فكل إنسان مطالب بأن يسأل عن مصدر ما يسمع، وأن يراجع ما يقرأ، وأن يقاوم إغراء نقل الأخبار قبل التحقق منها. كما أن من الحكمة ألا نحكم على الأشخاص من رواية واحدة أو مقطع مبتور أو تعليق عابر، لأن العدالة تقتضي النظر إلى الصورة كاملة قبل إصدار الأحكام.

كما ينبغي تعزيز ثقافة التفكير النقدي داخل الأسرة والمدرسة ووسائل الإعلام، حتى ينشأ جيل يميز بين الحقيقة والإشاعة، وبين النقد المسؤول والتشويه المتعمد. فالمجتمعات القوية ليست تلك التي تخلو من الأخطاء، وإنما تلك التي تمتلك القدرة على التعامل مع المعلومات بوعي وإنصاف.

في زمن أصبحت فيه الكلمة تصل إلى آلاف الناس خلال ثوانٍ معدودة، تزداد مسؤولية الإنسان تجاه ما ينشره أو يعيد تداوله. فالكلمة قد ترفع إنسانًا وقد تهدمه، وقد تصلح بين الناس وقد تفسد بينهم. لذلك يبقى التثبت والإنصاف وحسن الظن والرجوع إلى الحقائق الموثقة من أهم القيم التي تحفظ للمجتمع تماسكه وللأفراد كرامتهم. فحين نحسن التعامل مع المعلومة نجعلها مصدرًا للوعي والبناء، أما حين نسمح لها أن تتحول إلى وشاية، فإننا نشارك بقصد أو بغير قصد في صناعة الظلم ونشر الفتنة بين الناس.

اترك رد

error: Content is protected !!