الرواية الأولى

نروي لتعرف

رؤى وأفكار / د.إبراهيم الصديق

حراك الميدان والاقليم: ما بين بارا والقاهرة

د. إبراهيم الصديق علي

(1)
تحركات دولية واقليمية ، وحديث أسافير ووقائع عما يجري في مسرح العمليات العسكرية في السودان ، وما يجري في الميدان هو في مجمله صدى لثرثرة الغرف المغلقة والاجندة المعلنة والمغلفة ، ولهذا سنستعرض في هذا المقال تفاصيل ذات ارتباط وثيق بها..
ونبدأ بمسرح العمليات العسكرية وأبرزها كثافة الحديث عن الأبيض ، عاصمة شمال كردفان ، وهى مركز ثقل عملياتي وسكاني واقتصادي وقيمة استراتيجية ، ولهذا فإن الحديث عنها بالغ الحساسية ، مع أن الأبيض هى أول مدينة تم الهجوم عليها بعد العاصمة ، صبيحة يوم 15 ابريل 2026م ، وبشهادة قائد مليشيا آل دقلو الارهابية ، حين قال ( أنهم استهدفوا مطارها وكانت لديهم قوة متربصة به) ، وظلت صامدة رغم الحصار والضغط العملياتي حتى حدث انفتاح القوات المسلحة وبقية القوات المساندة ، بل تم تأمين خطوط الحركة حتى الدلنج وكادوقلي ، فما هو الخطر المستجد الآن ؟..
هو في حقيقة الأمر ، مناورة في إطار تسويات سياسية وكذلك حرب نفسية لإحباط مواطن الولاية ورفع معنويات العدو المليشي ، وتم استغلال (هرج الميديا) لهذه الغاية ، دون أن ننسى حرب المسيرات التى استهدفت البنية التحتية للمؤسسات الخدمية والاعيان المدنية..
وهذا لا ينفى وجود تحركات عسكرية للمليشيا حول المنطقة ، وفي شكل مجموعات صغيرة تختبيء في القرى والفرقان ، بينما المجموعات الأكبر تتجه إلى جبرة وحمرة الشيخ وسودري شرق تنة واغلب المجموعات بهذه المنطقة من التبو الليبيين وحركة سيليكا (افريقيا الوسطى) ومرتزقة النوير من جنوب السودان ومجموعات محلية ، اما غرب الأبيض ، فإن أغلب عناصر المليشيا المتمردة عانت من استنزاف كبير وخسروا أكثر من 500 فرد بسبب العمليات النوعية وضربات الطيران..
هذا واقع الحال ، من طرف العدو ، وبالتأكيد هناك تدابير عسكرية لمقابلة هذه التحركات والتعامل معها ، دون خوض في التفاصيل..
(2)
ومما لا شك فيه ، أن المليشيا تسعى إلى بناء قواعد اشتباك جديدة للاستفادة منها في العملية التفاوضية ، وهذا منهج معروف ، فمنذ 15 ابريل 2023م ، تشن المليشيا البربرية عمليات أو قصف قبل أي تفاوض ، وحتى ليلة وصباح اتفاق جدة في مايو 2023م ، انفتحت المليشيا على عدة محاور داخل العاصمة في واحدة من أكثر العمليات العسكرية شراسة وتمدداً ، حيث هاجمت القيادة العامة من ثلاث محاور وبأكثر من موجة واستمرت 12 ساعة واستخدمت اكثر من 200 عربة قتالية ، وكادت قوات المليشيا أن تقتحم المدرعات ووصلت حتى البوابة الشرقية ولم تتراجع حتى تدخل الطيران ما بعد الثالثة ظهراً وكذلك الحال في كبري الحلفايا وفي المهندسين ، وذات الأمر تكرر على مدار عامين في الهجمات على مدني وعلى الفاشر وعلى سنجة وحتى الهجوم على الكرمك وما صاحبه من دعاية تستهدف الدمازين حاضرة النيل الأزرق ، فالمسرح العسكري يدار من جبهة سياسية ولمصالح واجندة سياسية..
(3)
ونعيد هنا ما ذكرناه امس حول موقف المجتمع الدولي (فقد كثرت التصريحات الصادرة من المجتمع الدولي عن السودان عموماً ، وعن الأبيض ، وصحيح أنها ذات الحملة الاعلامية التي حدثت قبل الهجوم على الفاشر ، وهذه أمر ينبغي التنبه له من عدة وجوه:
▪️ أولاً: مصادر المنظمة الدولية واسعة ومتعددة ، وبعضها ميداني (منظمات انسانية وجمعيات ، وشبكات مصالح ، وبعضها تقني من طائرات واستطلاع وحركة اتصالات ، وكثير منها وارد أطراف دولية أخرى) ولذلك فانها دعوات ذات قيمة لا يمكن تجاهلها ، أو التقليل منها..
▪️وثانياً: فإن بعض المعلومات والبيانات مرجعيتها حركة السلاح والعتاد والذخائر والمرتزقة والتقنيات من شركات عابرة للحدود أو من دول اخري ، فهى في طريقها للتشكل ولم تستكمل حلقاتها بعد ، وهذا الأمر يستدعى العمل على أكثر من مسار ، اولهما: الضغط من خلال المنصة الدولية لإيقاف حركة السلاح الخارجي ودعم مليشيا آل دقلو الارهابية من دول اقليمية وأطراف دولية ، وثانيها: تنفيذ عمليات نوعية ذات فاعلية كبيرة لتفتيت هذه التحركات المليشية وعدم منحها حق الخيار وفرض اجندة الميدان وزمام المبادرة ، هناك خيارات عسكرية يمكن التعامل معها وللعسكريين معرفة أكثر ، وما استطيع قوله أن المليشيا فقدت القدرة على مسرح العمليات منذ فبراير 2025م ، ولكنها هذه الأيام تحاول بناء قواعد اشتباك جديدة..
ثالثاً: ما دام الأمم المتحدة كانت شاهدة على ما جرى في الفاشر من وحشية المليشيا ، فلماذا تتحدث دون أن تتخذ قرارات حاسمة وملزمة بإعلان مليشيا آل دقلو منظمة ارهابية ، هذه لحظة مناسبة لوزارة الخارجية والقوى الوطنية والمدنية للضغط في هذا الاتجاه..)
إذن الأمر مرتبط بحراك دولي لا ينفصل عما جرى في اديس ابابا وما يتوقع أن يحدث مجدداً خلال أيام أو أسابيع ، وهو ما يقتضي مقابلته بتحركات سودانية داخلية على كافة الصعد.. ومن بينها تصعيد حركة وتعبئة المقاومة الشعبية..
(4)
ومن المؤشرات الجيدة انعقاد
اجتماع وزراء الخارجية المصرية والسعودية بالقاهرة مع مبعوث الرئيس الامريكي دونالد ترامب ، ولقاءات وزير الخارجية السوداني مع وزير الخارجية المصري ، وكلها مساعي بناء منظور جديد لاحلال السلام في السودان بعيداً عن الاملاءات الخارجية وعن الحمولات السياسية وقريباً من الرؤية الوطنية ومصالح البلاد والعباد..
لا يكفي رفض مقترحات الغير أو التعليق عليها بالنقد – وهى تستحق ذلك ، وإنما من الضروري بناء أجندة وطنية متفق عليها ، وتقديم الفاعلين والمؤثرين لقياداتها ولجم المغامرين الذين ينتهزون الفرص للفوز بقرص..
سيكون مهماً الحديث والتحرك نحو عملية سياسية وطنية ، وبناء حلف خارجي مدرك لطبيعة الحرب في السودان وأبعادها..
هذا الربط مهم للداخل السوداني وللخارج لفهم طبيعة شبكة الأجندة المتعددة ، والتعامل معها بأفق مفتوح..

حفظ الله البلاد والعباد ..

اترك رد

error: Content is protected !!