الرواية الأولى

نروي لتعرف

هموم وقضايا / السفير د. معاوية التوم

بين هدنةٍ تُغذّي الحرب وتصريحاتٍ تُديرها: إلى أين تتجه المواجهة!؟

السفير د. معاوية التوم


في لحظةٍ تبدو فيها اللغة أعلى من الفعل، والتهدئة أقرب إلى إعادة التموضع منها إلى صناعة السلام، تتشكل ملامح مشهدٍ إقليمي متوتر تحكمه مفارقة لافتة: كل طرف لاعتبارات داخلية يعلن الصمود، لكنه في العمق يعيد ترتيب أدوات التصعيد. وبينما تمدّد واشنطن الأطر الزمنية دون سقفٍ حاسم، وتُقلّل من أثر أوراق الضغط كإغلاق الممرات البحرية أو الاستحقاقات الانتخابية، تردّ طهران بقراءة مغايرة تعتبر أن أي هدنة ليست سوى نافذة لتعزيز الجاهزية العسكرية واستئناف الاشتباك بشروط أفضل. هكذا تتآكل الثقة، وتتحول المفاوضات إلى ساحة اختبار نوايا لا إلى منصة إنتاج تسويات يكذبها الواقع.

هدنة بلا ثقة… تفاوض تحت سقف الشك
ليست المشكلة في غياب القنوات، بل في غياب اليقين. فالمعادلة الراهنة تُبقي الباب مفتوحًا للتفاوض شكليًا، لكنها تغلقه عمليًا أمام اختراقٍ حقيقي. الولايات المتحدة تسعى إلى إدارة الضغط دون الانزلاق إلى حربٍ شاملة، مراهِنة على الوقت وتراكم الأثر الاقتصادي والسياسي. في المقابل، ترى إيران أن منطق “خطوة مقابل خطوة” لا يستقيم في بيئة تُدار فيها الضغوط كأدوات إكراه، فتتعامل مع الهدنة باعتبارها استراحة تكتيكية لا التزامًا استراتيجيًا. النتيجة: جولات مؤجلة، وسجالات إعلامية، ورسائل ميدانية محدودة تُستخدم لرفع كلفة الطرف الآخر دون كسر التوازن.

استمرار الأعمال العدائية… تصعيد دون عتبة الحرب
في ظل هذا الانسداد، يميل الطرفان إلى ما يمكن تسميته “التصعيد المنضبط”: ضربات محدودة، احتكاكات غير مباشرة، ورسائل بحرية محسوبة. الهدف ليس الحسم، بل تحسين شروط التفاوض. غير أن هذا النمط يحمل في طياته خطرًا دائمًا؛ فالهامش الضيق بين الردع والانفلات قد يُختصر بخطأ تقدير واحد، أو حادث غير محسوب في نقطة تماس حساسة. ومع كل جولة تصعيد محدودة، تتسع دائرة الشك، ويصعب إعادة عقارب الساعة إلى ما قبلها، وتبعد نجعة جولة التفاوض.

البيئة الإقليمية… هشاشة تتسع مع كل موجة توتر
لا تقف تداعيات هذا المشهد عند حدود طرفيه. فالإقليم، خصوصًا دول الخليج، يدفع كلفة التذبذب بين التهدئة والتصعيد. الممرات البحرية الحيوية تظل تحت ضغط الاحتمالات، وأسواق الطاقة تُدار على إيقاع التهديد لا الاستقرار، والاستثمار يتردد أمام بيئة عالية المخاطر ستأخذ في حدها الادنى ٦ اشهر وفق المؤشرات الحالية . حتى دون إغلاق فعلي للمضائق، يكفي ارتفاع منسوب التوتر لرفع كلفة التأمين والشحن، وتعكير حسابات الموازنات، وإبطاء مشاريع التعافي الاقتصادي. إنها حرب ظلّ تُرهق الاقتصاد قبل أن تُشعل الجغرافيا، وتوتر العالم بأسره .

نافذة الستين يومًا… زمنٌ بلا اختراق
مع اقتراب الأطر الزمنية المعلنة، ومنها مهلة الستين يومًا، تزداد الضغوط دون أن تتضح معالم المخرج. الزمن هنا ليس عامل حل، بل أداة ضغط متبادل: واشنطن تستخدمه لتراكم الأثر، وطهران لتآكل فعاليته وإظهار القدرة على الصمود. وإذا انقضت المهلة دون اختراق، فإن السيناريو الأرجح ليس الانفراج، بل انتقالٌ إلى مستوى أعلى من “التصعيد المنضبط”، يهدف إلى إعادة ضبط قواعد الاشتباك قبل أي جولة تفاوض جديدة.

السيناريوهات الأقرب… إدارة أزمة لا تسوية
في المحصلة، لا تبدو التسوية الشاملة خيارًا واقعيًا في الأمد القريب. الأرجح هو استمرار “اللااتفاق المُدار”: مفاوضات شكلية تُوازيها أعمال عدائية محدودة، مع احتمال بروز اتفاقات جزئية مرحلية إذا توافرت ضمانات كافية لكلا الطرفين. أما الانزلاق إلى مواجهة واسعة، فيبقى احتمالًا قائمًا لكنه غير مرغوب، وكلفته المرتفعة تُبقيه في خانة المخاطر لا الخيارات.

الورقة الأقوى بيد الوسيط
في هذا السياق، يبرز الدور الباكستاني كعامل توازن دقيق يتجاوز كونه مجرد وسيط تقليدي، إلى موقع “الضامن المرحلي” الذي يمتلك قنوات اتصال مفتوحة مع الطرفين، وقدرة على تمرير رسائل غير معلنة تخفف من حدة التصلب التفاوضي. فـباكستان، بحكم علاقاتها المركبة مع كلٍ من الولايات المتحدة وإيران، تستطيع أن توظف موقعها الجيوسياسي وخبرتها في إدارة الأزمات لتقريب وجهات النظر، خاصة في ظل انسداد قنوات الثقة المباشرة.

ولا تقف قوة هذا الدور عند حدود الوساطة الشكلية، بل تمتد إلى امتلاك “الورقة الأولى” لإنقاذ الطرفين من حالة الجمود الكامن، عبر طرح صيغ مرحلية قائمة على مبدأ “خفض التصعيد مقابل فتح المسارات”، وهو ما يمنح كل طرف مخرجًا يحفظ ماء الوجه دون تقديم تنازلات كبرى دفعة واحدة. كما أن قدرة إسلام آباد على إدارة التوقيت، وتدوير الزوايا الحادة في الملفات الحساسة، قد تجعل منها نقطة ارتكاز لبلورة تفاهمات أولية قابلة للبناء عليها، خصوصًا إذا ما اقترنت هذه الوساطة بإرادة دولية غير معلنة (الصين – روسيا) لتفادي الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة في الإقليم.

خاتمة:
فالمشهد الراهن ليس طريقًا إلى سلامٍ قريب، بل إدارة دقيقة لحافةٍ خطرة. كل طرف يحسب كلفة التراجع وكلفة التقدم، ويختار البقاء في منطقة رمادية تُبقي الضغط قائمًا دون كسر التوازن. غير أن هذه المنطقة، على هشاشتها، لا يمكن أن تستمر إلى ما لا نهاية. فإما أن تنضج شروط صفقةٍ جزئية تُخفف الاحتكاك وتفتح مسارًا تدريجيًا، أو أن يتراكم التصعيد إلى نقطةٍ يتجاوز فيها الجميع عتبة الحسابات الباردة. وحتى ذلك الحين، ستظل البيئة الإقليمية تدفع ثمن “الهدنة التي تُغذّي الحرب بكلفة عالية”، وتبقى الأعمال العدائية، بصيغها المنضبطة، اللغة الأكثر حضورًا على حساب لغة التسويات، ولا تاكيد حتى اللحظة من قبل الجانب الإيراني على بدء جولة مفاوضات غدا الجمعة كما تقول امريكا .
—————-
٢٣ أبريل ٢٠٢٦ م

اترك رد

error: Content is protected !!