الرواية الأولى

نروي لتعرف

الرأي

انقسام في واشنطن حول حصاد بكين.. هل يغطي ترامب النتيجة بحرب مع إيران؟

السفير د. محمد يوسف حسن

خرج الرئيس الأمريكي الديموقراطي الأسبق بيل كلينتون بتقييم قاسٍ لقمة بكين بين ترامب وشي جينبينغ، وقالها بوضوح فيديو تيك توك بعنوان Why China is more powerful now: “الأمر قد انتهى. كثير من الناس لا يدركون أن ترامب جعل الصين أقوى”.
الرئيس الأسبق لم يرمِ حجارة على الرئيس الحالي، كما قال، لكنه حكم من واقع خبرة من جلس على نفس الطاولة. المشكلة عنده ليست في ما قيل، بل في كيف قيل. ترامب وصف الزيارة بأنها “لا تصدق”، وتحدث عن إنجازات: الصين ستشتري 200 طائرة بوينغ، ومزيداً من فول الصويا، والطرفان اتفقا على إعادة فتح مضيق هرمز.
لكن كلينتون لاحظ شيئاً بسيطاً وخطيراً: “هذه الالتزامات لم تُضمّن في اتفاقية، ولم يصدر بها بيان مشترك”. ترامب نفسه صاغها بصيغة ملتبسة: “شيء ما أظنه التزاماً… شيء يشبه التصريح لكنني أعتقد أنه التزام”.
بالنسبة لكلينتون، هذه ليست طريقة تتعامل بها مع الصين. “عندما تعود من قمة لا يمكنك أن لا تقول للأمريكيين إنك توصلت لالتزام أو تصريح. هناك شخص على الطرف الآخر من الطاولة حصل على أسبوع جيد جداً”. ما رآه في بكين، يقول، “ليس نصراً لقوة أمريكا، بل تسليم هادئ”.
المؤشرات تدعم قلقه. البيت الأبيض لم ينشر بياناً مشتركاً. ممثل التجارة الأمريكي جايمسون غرير قال لبلومبيرغ إن الرقابة على تصدير رقائق الذكاء الاصطناعي – وهي الملف الاستراتيجي الأول – لم تكن البند الأساسي في النقاش. حتى الرسوم الجمركية، السبب الأصلي الذي جمع الطرفين، لم تُطرح بالمرة.
الصين لعبت لعبتها القديمة: ضخامة إعلامية مقابل التزامات شفوية غير ملزمة. كلينتون يرى أن ترامب ذهب بوفد من رجال الأعمال وعائلته، ولم يأخذ معه “مؤسسات الدولة الاستراتيجية” ولا “فريقاً تفاوضياً” ولا “نصاً مكتوباً يراجعه سطراً سطراً”. النتيجة: ستة أشهر من الضخ الإعلامي بوعود الصفقة، وبعد عامين ستأخذ الصين كل ما قيل على الطاولة غير المكتوبة.
السياق يجعل الصورة أثقل. صحيفة واشنطن بوست نقلت عن تقييم استخباراتي سري أن الحرب على إيران تمنح الصين أفضلية استراتيجية. بكين استغلت الأزمة لتزويد حلفاء واشنطن الخليجيين بالأسلحة، ولتخفيف أزمة الطاقة بعد إغلاق مضيق هرمز، ولتقديم نفسها كقوة توفر حلولاً بينما تبدو واشنطن غارقة في الحرب. حتى قمة بكين نفسها، حسب التقرير، أعادت تموضع ترامب تجاه إيران، وخرجت الصين كأكبر المستفيدين من حرب استنفدت المخزون العسكري الأمريكي.

رئيس هيئة الأركان دان كين نقل القلق ذاته خلال زيارة ترامب لبكين: كلفة جيوسياسية تتسع مع كل يوم حرب. هنا يأتي السؤال الذي يشغل واشنطن الآن: هل يلجأ ترامب لحرب تعويضية لتغطية نتائج بكين. التسريبات تقول إن خيارات ضرب إيران مطروحة مجدداً، من قصف جوي مكثف إلى إنزال قوات خاصة لاستهداف اليورانيوم المخصب في أصفهان. ترامب قال لإيران قبل السفر: “إما صفقة أو ستهلكون”. لكن لا يوجد قرار معلن، والانقسام الداخلي الأمريكي عميق.
القراءة الأقرب هي أن ترامب يحاول استعادة زمام المبادرة الخارجية بعد قمة لم تمنحه ورقة مكتوبة يلوح بها. لكنه يفعل ذلك في لحظة تبدو فيها الصين هي من يدير الأزمة، والبيت الأبيض هو من يرد.
الخلاصة: الداخل الأمريكي منقسم بين من يرى في بكين “هدنة مؤقتة” ومن يراها “تنازلاً مقنعاً”. وكلينتون خلصها بجملة واحدة: “هم حصلوا على سياسة، ونحن لم نحصل على اتفاق”.
والسؤال المفتوح: هل تكون ضربة إيران هي الورقة التي سيعود بها ترامب ليقول إنه فاز بشيء؟

اترك رد

error: Content is protected !!