الرواية الأولى

نروي لتعرف

آفاق رقمية / د. محمد عبدالرحيم يسن

الولاية الشمالية.. خطوات نحو منظومة رقمية متكاملة

د. محمد عبدالرحيم يسن



(٥/٥)

في الحلقات السابقة، تناولت جوانب من تجربة التحول الرقمي في الولاية الشمالية، من الخدمات الحكومية والبنية الرقمية إلى فرص تطوير الزراعة وأسواق المحاصيل. وفي الحلقة الأخيرة، أتوقف عند تجربتين تستحقان الوقوف عندها تمثلان نماذج للاقتداء، وبالطبع لايعني ذلك عدم وجود تجارب مماثلة، فقد اطلعت على نماذج وزارة المالية ومحلية دنقلا والوقوف عليهما عن قرب ، وأرجو أن أتمكن من الاطلاع على كل أنشطة الولاية في التحول الرقمي.
في عام ٢٠١٧م، كنت شاهدا، بحكم إدارتي للمركز القومي للمعلومات، على تطبيق نظام وافي بوزارة المالية بالولاية الشمالية، والنظام يعتبر أحد الأنظمة المتميزة في إدارة موارد مؤسسات الدولة، والذي طوره مركز النيل، وهو مركز وطني متخصص في تطوير الأنظمة، ضم أكثر من مائة مطور شاب محترف في البرمجيات مفتوحة المصدر، كما طور المركز نظام أورنيك مالي١٥ الإلكتروني، الفائز بالجائزة الذهبية للاتحاد الدولي للاتصالات.
لقد مثلت هذه التجربة نموذجا لما تستطيع الكفاءات السودانية إنجازه في مجال التقنية، ومن الآثار المؤلمة للحرب توقف نظام وافي، إلى جانب تشريد العاملين بمركز النيل، جراء الاعتداء على مقر المركز وتدميره، وقد تابعت باهتمام الخطوات التي تبذلها قيادة المركز لاستعادة نشاطه تحت مسمى الشركة الوطنية للتقنية.
وسعدت بزيارة وفد الشركة للولاية الشمالية خلال الأسبوع الماضي، ولقائه بقيادات حكومة الولاية ووزارة المالية ومركز معلومات الولاية، لبحث إعادة تشغيل النظام الذي بدأ العمل بالولاية عام ٢٠١٧، وتوقف عام ٢٠٢٣م عقب الحرب.
وقد جاءت الزيارة في إطار جهود تحديث بيانات المرتبات والحسابات، واستكمال البيانات منذ عام ٢٠٢٣م، تمهيدا لتنفيذ موازنة العام الجديد عبر النظام، مع استكمال منظومات المشتريات والتعاقدات والمخازن والموازنة المالية.
وتعكس هذه الخطوات اهتمام قيادة وزارة المالية، ممثلة في الوزير الأستاذ أمير حسن سيد أحمد ، ومدير عام الوزارة المكلف، ورغبتهم في استعادة الأنظمة وتطوير العمل المالي والإداري، بالتعاون مع مركز معلومات الولاية والشركة الوطنية للتقنية.
إن إعادة تشغيل وافي تتجاوز استعادة نظام تقني، فهي فرصة لاستعادة العمل المؤسسي، وتنظيم إدارة الموارد المالية، وتوفير البيانات للمتابعة واتخاذ القرار، إلى جانب الاستفادة من الخبرات الوطنية في تطوير الأنظمة الحكومية.
التجربة الثانية من محلية دنقلا، أود أن أحيي الأخ الكريم الباقر مكاوي الخير الوقيع، المدير التنفيذي للمحلية، على اهتمامه بالتحول الرقمي، وما يجري من عمل لتأسيس وتجهيز مركز معلومات المحلية، بما يشمل توفير الأجهزة والمعينات الفنية، وإنشاء الشبكة الداخلية وتركيب الكاميرات، بجانب تطوير الانظمة، ومن أبرز الخطوات اللافتة تصميم نظام لحصر المواعين الإيرادية للمحلية، نفذته كوادر محلية بالولاية، وتنبع أهمية هذا النظام من دوره في تنظيم بيانات مصادر الإيرادات وتوثيقها، بما يدعم الشفافية والوضوح والعدالة في إجراءات التحصيل، ويوفر معلومات تساعد الإدارة على متابعة الموارد واتخاذ القرار.
وقد أسهمت جهود مديرة المركز، الأستاذة سلافة عبدالقادر، وفريق العمل، في دفع هذه التجربة إلى الأمام بالتعاون مع الإدارة التنفيذية، وهي تجربة تستحق التوثيق والتطوير، مع دراسة إمكانية تطبيقها في بقية محليات الولاية، وفق احتياجات كل محلية، وصولا إلى قاعدة معلومات مترابطة تدعم إدارة الموارد والإيرادات المحلية.
تكشف التجربتان عن مسارين مهمين للتحول الرقمي، استعادة الأنظمة الوطنية وتطويرها، من جهة، وتصميم حلول محلية تستجيب لاحتياجات العمل، من جهة أخرى، وتتكامل هذه الجهود مع ما تناولناه في الحلقات السابقة عن مركز معلومات الولاية، والخدمات الحكومية، وفرص تطوير الزراعة وأسواق المحاصيل.
والخطوة المطلوبة هي جمع هذه المبادرات ضمن خارطة طريق للتحول الرقمي في الولاية الشمالية، تحدد الأولويات ومسؤوليات التنفيذ، وتدعم تكامل الأنظمة وتبادل البيانات، مع الاهتمام بتأهيل الكوادر واستمرارية التشغيل وحماية المعلومات.
وأتوجه بالتحية إلى السيد والي الولاية الشمالية، لإهتمامه بجهود التحول الرقمي، مع التطلع إلى رعايته المباشرة لهذا الملف، وتوفير الدعم اللازم لاستمرار المبادرات القائمة وتكاملها، حتى تصبح تجربة الولاية نموذجا عمليا تستفيد منه بقية الولايات، فهذه الجهود تستحق الدعم والمتابعة، حتى تتحول المبادرات القائمة إلى منظومة مترابطة تخدم المواطن، وتدعم إدارة الموارد، وتفتح آفاقا جديدة للتنمية، كما أن توثيق هذه التجارب ودراستها يتيح لولايات السودان الأخرى فرصة الاستفادة منها في مرحلة إعادة بناء المؤسسات بعد الحرب.
وفي ختام هذه السلسلة، أخص بلمسة وفاء الأستاذ فتحي محمد عبدالرحيم، مدير مركز معلومات الولاية السابق، لما قدمه من جهود في تأسيس العمل المعلوماتي بالولاية، ولتواصله المستمر معنا ومع زملائه مديري مراكز المعلومات في ولايات السودان حتى اليوم، فهذا التواصل وتبادل الخبرات يمثلان رصيدا وطنيا ينبغي الحفاظ عليه والبناء عليه.
فالتحول الرقمي لا يتحقق بتشغيل نظام أو إنشاء مركز معلومات فحسب، وإنما ببناء عمل مؤسسي متكامل، تتضافر فيه القيادة والخبرة والبيانات والتقنية، فالولاية الشمالية تملك تجارب وخطوات يمكن البناء عليها في هذا الطريق.

اترك رد