الرواية الأولى

نروي لتعرف

من اعماقي / د. امجد عمر

النفاق الاجتماعي… حين تصبح الوجوه المتعددة منهجاً للحياة

د. امجد عمر

في المجتمعات الإنسانية تتعدد أنماط العلاقات وتختلف طبيعة التعامل بين الأفراد؛ فهناك من يبني علاقاته على الصدق والوفاء والاحترام المتبادل، وهناك من يتعامل مع الآخرين وفقاً لما تقتضيه مصالحه ومكاسبه، فيُظهر من المشاعر والمواقف ما لا يعكس حقيقة ما يضمره في داخله. هنا تبرز ظاهرة النفاق الاجتماعي باعتبارها واحدة من السلوكيات التي لا تقتصر آثارها على العلاقات الشخصية، بل تمتد لتؤثر في منظومة القيم والأخلاق والثقة بين أفراد المجتمع.

النفاق الاجتماعي ليس مجرد مجاملة عابرة أو اختيار كلمات لطيفة لمراعاة مشاعر الآخرين، فالمجاملة سلوك إنساني محمود متى ارتبط بالذوق والاحترام، وإنما تكمن المشكلة في التناقض المتعمد بين الظاهر والباطن؛ حين يُظهر الإنسان المحبة لمن لا يضمر له إلا النفور، ويعلن التأييد لمن يخالفه في غيابه، ويمتدح شخصاً في حضوره بينما ينتقص منه في المجالس الأخرى. إنه باختصار أن يرتدي الإنسان وجهاً يناسب كل مجلس، وأن يبدل مواقفه بحسب الأشخاص وموازين المصالح.

تتعدد الأسباب التي تدفع بعض الشخصيات إلى اعتماد هذا السلوك، فقد يكون الدافع هو الانتهازية والرغبة في تحقيق المصالح، أو الخوف من المواجهة وتحمل تبعات المواقف الواضحة، أو حب الظهور والتقرب من أصحاب النفوذ والمكانة. إضافة إلى ذلك، قد تسهم الغيرة والحسد وضعف الوازع الأخلاقي في صناعة هذه الازدواجية، خاصة في البيئات التي تمنح المتملق فرصاً أكبر مما تمنحه لصاحب الموقف والمبدأ.

الأكثر إثارة للتأمل أن بعض الأشخاص لا يمارسون النفاق بوصفه تصرفاً عارضاً، بل يتخذونه منهجاً لإدارة علاقاتهم الاجتماعية. فتجد الشخصية المتلونة التي تتبنى رأياً في مجلس، ثم تتبنى نقيضه في مجلس آخر، والشخصية المتملقة التي توزع الثناء بسخاء على أصحاب المكانة، والشخصية المصلحية التي تقترب حين تكون هناك منفعة وتبتعد حين تنتهي الحاجة، فضلاً عن الشخصية ذات الوجهين التي تظهر الود في المواجهة وتمارس الانتقاص في الغياب. هذه الأنماط لا تبحث دائماً عن علاقة إنسانية حقيقية، بقدر ما تبحث عن موقع يضمن لها القبول أو المنفعة أو الحضور.

تكمن خطورة النفاق الاجتماعي في أنه لا يفسد العلاقات بين الأفراد فحسب، بل يترك آثاراً متراكمة على منظومة القيم والأخلاق، فتتراجع الثقة، وتختل معايير التقدير والاستحقاق، وتتحول العلاقات إلى مساحات من الحذر والشك، ويصبح التملق وسيلة للوصول على حساب الصدق والكفاءة. وتزداد خطورته حين يتسلل إلى المواقف الحاسمة التي تتطلب رأياً واضحاً وسديداً، أو عند معالجة المشكلات واتخاذ القرارات المصيرية وطلب المشورة؛ إذ تصبح المجاملة والتملق حائلاً دون قول الحقيقة، وتحل الآراء التي ترضي الأشخاص محل الآراء التي تصوب المسار، فتكون العواقب أكثر ضرراً من مجرد خداع عابر في علاقة اجتماعية. غير أن المصيبة الكبرى تكمن في أن يصبح هذا السلوك ديدناً للمجتمعات، ويتغلغل في تفاصيل حياتها حتى يغدو أساساً للتعامل، فتتراجع الفضائل الأخلاقية، وتتسع المساحات أمام الانتهازية والاستغلال، ويصبح الصادق غريباً في بيئة اعتادت التلون، والصدق نشازاً، والأخلاق سلوكاً غير مألوف. عندها لا يعود النفاق مجرد سلوك فردي، بل يتحول إلى ثقافة تضعف المبادئ وتمنح أصحاب الوجوه المتعددة مكانة لا يستحقونها، خاصة حين تجد من يصدق رواياتهم، ويتقبل ممارساتهم، ويكافئ تملقهم على حساب أصحاب المواقف الواضحة.

لذلك فإن محاربة النفاق الاجتماعي تبدأ من إعادة الاعتبار للقيم، وترسيخ ثقافة الصراحة المسؤولة، وعدم مكافأة التملق على حساب الكفاءة، وتعزيز القدوة الأخلاقية في الأسرة والمؤسسات والمجالس العامة. كما تتطلب ألا نكون جزءاً من صناعة هذه الظاهرة بنقل الكلام أو المشاركة في تشويه الآخرين أو التصفيق للمواقف المتناقضة. فالمجتمع الذي يحترم الصادق، حتى عندما يختلف معه، يضعف فيه نفوذ المتلون، ويصبح المبدأ أكثر قيمة من المجاملة العابرة.

أما على المستوى الشخصي، فإن حماية الإنسان لنفسه لا تعني أن يعيش متوجساً من الجميع، أو أن ينظر إلى كل علاقة باعتبارها مشروع خداع، وإنما أن يمنح الثقة بقدر ما تثبته المواقف، وأن يراقب الأفعال أكثر من الأقوال، وألا يكشف أسراره وخططه لكل من يقترب منه. عليه أن يضع حدوداً واضحة في علاقاته، وأن يميز بين الاحترام والثقة؛ فليس كل من نحترمه يستحق أن نأتمنه على تفاصيل حياتنا، وليس كل من نبتسم في وجهه ينبغي أن نفتح له أبوابنا الخاصة.

إضافة إلى ذلك، ينبغي ألا نواجه النفاق بنفاق مماثل، أو نسمح لتجاربنا السيئة بأن تحولنا إلى أشخاص يفقدون الثقة في الجميع. فالوعي لا يعني سوء الظن، والحذر لا يعني القسوة، والطيبة لا تعني السذاجة. ومن الحكمة أن نتعامل مع الناس بأخلاقنا، ونقيّمهم بمواقفهم، ونمنح العلاقات مساحتها الطبيعية دون إفراط في التوقعات أو اندفاع في الثقة.

في نهاية الأمر، ليست المشكلة أن تختلف الوجوه باختلاف المواقف الاجتماعية، فلكل مقام أسلوبه، ولكل علاقة حدودها، وإنما المشكلة أن تتغير المبادئ بتغير المصالح، وأن يصبح الإنسان قادراً على ارتداء كل الأقنعة دون أن يشعر بالتناقض. فالأقنعة قد تنجح في إخفاء الملامح لبعض الوقت، لكنها لا تستطيع أن تخفي حقيقة أصحابها إلى الأبد؛ إذ تكشفها المواقف حين تضيق مساحات المجاملة، وتتراجع المصالح، وتصبح الأفعال هي الشاهد الأخير.

فالمجتمع لا يحتاج إلى أشخاص يجيدون إرضاء الجميع بقدر حاجته إلى أشخاص يحترمون الجميع دون أن يتنازلوا عن الحقيقة؛ لأن الاحترام لا يُصنع بحسن ارتداء الوجوه، وإنما بصدق المواقف وثبات المبادئ. وليس الخطر في وجود النفاق الاجتماعي بين الناس، وإنما في أن يتحول إلى ثقافة تمنح المنافق ما لا يستحق، وتحرم الصادق مما يستحق. فحين يصبح التلون قاعدة، لا تكون خسارة المجتمع في غياب الصدق وحده، بل في ضياع قدرته على التمييز بين الفضيلة والرذيلة، وبين الموقف الأصيل والقناع الزائف.

فالمجتمعات لا تنهض بكثرة الوجوه التي تتقن المجاملة، وإنما بصدق النفوس التي تثبت على المبادئ؛ لأن القيم حين تفقد مكانتها، لا تتراجع الأخلاق وحدها، بل تتآكل الثقة التي يقوم عليها المجتمع بأسره.

اترك رد