الرواية الأولى

نروي لتعرف

هموم وقضايا / السفير د. معاوية التوم

المشهد الأمريكي الإيراني بعد عودة ترامب: دبلوماسية الضغط وحافة الانفجار!؟

السفير د. معاوية التوم


مقدمة

عاد الملف الإيراني إلى واجهة السياسة الدولية بقوة مع عودة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، لكن هذه العودة لم تُعد فقط سياسة “الضغط الأقصى” بصيغتها القديمة، بل دفعت العلاقة بين واشنطن وطهران إلى مرحلة أكثر تعقيدًا، تتداخل فيها أدوات الردع العسكري مع القنوات الدبلوماسية، وتتصاعد فيها الحرب الاقتصادية بالتوازي مع التلويح بإعادة رسم خرائط النفوذ والأمن في الخليج.
وفي ظل التوتر المتصاعد حول مضيق هرمز، والتحركات البحرية غير المسبوقة، والرسائل الإيرانية المتشددة تجاه الغرب، تبدو المنطقة أمام مشهد مفتوح على احتمالات متعددة؛ تبدأ من إدارة التوتر وتنتهي بمواجهة واسعة قد تتجاوز حدود الخليج نفسه.

ترامب وسياسة “الضغط بالقوة”
منذ عودته، أعاد ترامب تقديم مقاربته التقليدية تجاه إيران، القائمة على فرض الوقائع بالقوة وانه ليس بحاجة لأحد ، ولوح بالعودة الي مشروع الحرية ، وقبول تعليق النووي ل ٢٠ عاما، وربط أي تفاوض بإضعاف أدوات النفوذ الإيراني أولًا. غير أن الفارق هذه المرة يتمثل في أن الإدارة الأمريكية تتحرك وسط بيئة إقليمية أكثر اشتعالًا، وتوازنات دولية أكثر هشاشة.
الخطاب الأمريكي الحالي يجمع بين أمرين متوازيين:
• فتح المجال أمام تسويات مشروطة.
• والتلويح بخيارات عسكرية واسعة إذا رفضت طهران الانصياع.
وقد ظهرت هذه المقاربة بوضوح في التصريحات الأمريكية الأخيرة المتعلقة بمضيق هرمز، حيث تحدث ترامب عن أوامر مباشرة باستهداف أي تحركات بحرية إيرانية تهدد الملاحة الدولية.

هرمز.. من ممر للطاقة إلى ساحة اشتباك استراتيجي
أصبح مضيق هرمز اليوم العنوان الأبرز للصراع بين الطرفين. فإيران تدرك أن هذا الممر يمثل الورقة الأكثر حساسية في الاقتصاد العالمي، إذ يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط والغاز الدولية، ولا يمكنه ان يعود كما كان الوضع قبل الحرب .
وفي المقابل، تعتبر واشنطن أن أي تهديد لحرية الملاحة في هرمز يمثل تحديًا مباشرًا للهيمنة الأمريكية ولأمن الطاقة العالمي.
التقارير المتداولة حول وجود عشرات السفن المتكدسة أو المحتجزة قرب الموانئ الإيرانية تعكس حجم القلق الدولي من احتمال تحول المضيق إلى ساحة حصار متبادل، خاصة مع الحديث الإيراني المتكرر بأن “هرمز لن يعود كما كان قبل الحرب”.
هذا التصعيد البحري لا يحمل بعدًا عسكريًا فقط، بل يحمل أيضًا:
• ضغطًا اقتصاديًا على الأسواق العالمية.
• ورسالة سياسية لحلفاء واشنطن في الخليج.
• وتحذيرًا من أن أي حرب ضد إيران لن تبقى داخل حدودها الجغرافية.

الرسائل الإيرانية: الردع بدل التراجع
تحاول طهران تقديم نفسها باعتبارها قادرة على إدارة “حرب استنزاف طويلة”، لا مجرد رد فعل عابر على الضغوط الأمريكية.
وفي هذا السياق، جاءت رسائل الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان إلى الغرب لتؤكد عدة معانٍ استراتيجية:
1. أن إيران لا تفاوض تحت التهديد.
2. أن أمن الخليج مرتبط بأمن إيران.
3. أن أي محاولة لعزل طهران ستقابل بتوسيع دائرة التوتر.
4. أن أدوات النفوذ الإقليمية ما تزال حاضرة وقادرة على التأثير.
الرسالة الإيرانية الأساسية تبدو واضحة: إذا كانت واشنطن تريد اتفاقًا جديدًا، فعليها الاعتراف بأن إيران ليست في موقع الانكسار الكامل، وأن ميزان الردع ما يزال قائمًا.

زيارة وزير الداخلية الباكستاني إلى طهران: ما وراء الدبلوماسية
اكتسبت زيارة وزير الداخلية الباكستاني إلى طهران أهمية خاصة في هذا التوقيت، ليس فقط بسبب العلاقات الثنائية، بل بسبب ارتباطها المباشر بمشهد هرمز وأمن الإقليم.
تدرك إسلام آباد أن أي انفجار واسع في الخليج ستكون له انعكاسات خطيرة على:
• أمن الطاقة.
• الملاحة البحرية.
• الاقتصاد الإقليمي.
• والتوازنات الأمنية في بحر العرب والمحيط الهندي.
كما أن باكستان تسعى للحفاظ على موقع الوسيط القادر على إبقاء خطوط الاتصال مفتوحة مع الجميع، خصوصًا في ظل تصاعد الاستقطاب بين المحور الأمريكي وحلفاء إيران الإقليميين.

هل تقترب المنطقة من مواجهة شاملة؟
رغم التصعيد الحاد، فإن المؤشرات لا تزال توحي بأن الطرفين يحاولان البقاء تحت سقف “الردع المتبادل”، دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة.
فالولايات المتحدة تدرك أن أي حرب واسعة ضد إيران قد تؤدي إلى:
• انفجار أسعار الطاقة.
• وتعطيل سلاسل التجارة الدولية.
• وتوسيع دائرة الاستهداف للقواعد والمصالح الأمريكية.
• وإرباك المشهد الانتخابي والاقتصادي الداخلي.
وفي المقابل، تدرك إيران أن المواجهة المباشرة الشاملة قد تهدد بنية الدولة نفسها في ظل العقوبات والضغوط الاقتصادية المتراكمة.
لذلك يبدو المشهد الحالي أقرب إلى:
• حرب أعصاب طويلة،
• وضغط اقتصادي متبادل،
• واستعراض قوة محسوب،
مع إبقاء باب التفاوض مواربًا.

سيناريوهات المرحلة المقبلة
أولًا: التهدئة المشروطة
ويقوم على تفاهمات غير معلنة تضمن تخفيف التصعيد البحري مقابل تخفيف بعض الضغوط الاقتصادية والسياسية.
ثانيًا: التصعيد المحدود
ويشمل ضربات موضعية أو احتكاكات بحرية محسوبة دون الوصول إلى حرب شاملة.
ثالثًا: الانفجار الإقليمي
وهو السيناريو الأخطر، حيث يتحول أي خطأ ميداني أو استهداف مباشر إلى مواجهة واسعة تشمل الخليج ولبنان وربما البحر الأحمر.

خاتمة
المشهد الأمريكي الإيراني بعد عودة ترامب لا يمكن قراءته باعتباره مجرد أزمة ثنائية، بل باعتباره صراعًا على شكل النظام الإقليمي نفسه، وعلى مستقبل النفوذ في الخليج والشرق الأوسط، بكل ما خلفته الحرب من تمظهرات.
فالولايات المتحدة تريد إعادة فرض معادلة الردع والهيمنة، بينما تسعى إيران إلى تثبيت نفسها كقوة لا يمكن تجاوزها أو إخضاعها بسهولة. فيما تتباين المواقف الدولية صعودا وهبوطا تجاه الأطراف .
وبين الدبلوماسية والبارود، يقف مضيق هرمز اليوم كأخطر نقطة اختبار في العالم؛ لأن أي شرارة فيه قد لا تعيد فقط تشكيل أمن الخليج، بل قد تعيد رسم موازين السياسة الدولية بأكملها، وسيناريوها لا تخلو من تعقيدات وقتامة.
——————
١٦ مايو ٢٠٢٦ م

اترك رد

error: Content is protected !!