الرواية الأولى

نروي لتعرف

هموم وقضايا / السفير د. معاوية التوم

المرحلة الثانية بين واشنطن وطهران: هل تتجه المنطقة إلى هدنة مؤقتة أم إلى إعادة تشكيل الصراع!؟

السفير د. معاوية التوم


دخلت العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران ما يمكن وصفه بـ”المرحلة الثانية” من إدارة الصراع؛ مرحلة تتجاوز مجرد الرسائل العسكرية المحدودة أو الضغوط الاقتصادية التقليدية، لتتحول إلى صراع مركّب تتداخل فيه ملفات النووي، وأمن الطاقة، ولبنان، والبحر الأحمر، ومستقبل النفوذ الإقليمي في الشرق الأوسط.

وفي هذا السياق، تبدو الخلافات والتصريحات المتبادلة بين الطرفين، إلى جانب تأخر الرد الإيراني على الورقة الأمريكية الأخيرة، في ضوء النقاط ال ١٤، ومؤشرات على أن الأزمة لم تعد محصورة في إطار تفاوض تقني حول البرنامج النووي والباليستي، بل أصبحت مرتبطة بإعادة رسم قواعد الاشتباك الإقليمي بأكمله. واتساع الهوة بين الطرفين ومدى امكانية جسرها.

أولاً: لماذا تأخر الرد الإيراني؟
لا يبدو تأخر طهران في الرد على المقترحات الأمريكية مجرد مسألة إجرائية أو تفاوضية، بل يعكس حسابات أعمق تتعلق بطبيعة اللحظة الإقليمية والدولية، ورفض إيران للضغط الأقصى ومقاربة النصر الممكن لا الاستسلام كما تطلب أمريكا .
فإيران تدرك أن واشنطن، رغم استمرار خطابها المتشدد، لا ترغب في انفجار شامل بالمنطقة، خصوصًا في ظل:
• هشاشة أسواق الطاقة العالمية،
• التوترات في البحر الأحمر،
• استمرار الحرب في غزة وتداعياتها،
• القلق الأمريكي من توسع الحرب إلى لبنان والخليج،
• والانشغال الأمريكي بالمنافسة الكبرى مع الصين وروسيا.
• انشغالات الداخل الامريكي.
في المقابل، ترى طهران أن الوقت قد يمنحها أوراق ضغط إضافية، خاصة مع ارتفاع كلفة المواجهة على الغرب اقتصاديًا وأمنيًا.
ولذلك، تبدو الاستراتيجية الإيرانية القائمة على وقائع الجغرافيا والطبوغرافيا تبنى على:
1. إطالة أمد التفاوض دون انهياره،
2. رفع سقف الشروط تدريجيًا،
3. استخدام الساحات الإقليمية كورقة ضغط غير مباشرة،
4. وتجنب الوصول إلى مواجهة مباشرة مفتوحة مع الولايات المتحدة.
لكن هذا التكتيك نفسه يحمل مخاطر كبيرة؛ لأن واشنطن قد تعتبر المماطلة الإيرانية محاولة لفرض وقائع جديدة ميدانيًا وسياسيًا.

ثانيًا: واشنطن بين الردع ومنع الانفجار
الولايات المتحدة تواجه معضلة استراتيجية معقدة:
فهي تريد منع إيران من التحول إلى قوة نووية فعلية، لكنها في الوقت نفسه لا تريد حربًا واسعة قد تشعل الشرق الأوسط وتؤثر على الاقتصاد العالمي وأسعار الطاقة قبيل الاستحقاقات السياسية والاقتصادية الحساسة داخليًا.
لذلك تبدو السياسة الأمريكية الحالية قائمة على معادلة دقيقة:
• إبقاء الضغط العسكري والاقتصادي قائمًا،
• توجيه رسائل ردع قوية،استمرار الحصار،
• دعم الحلفاء إقليميًا،
• مع إبقاء باب التفاوض مفتوحًا.
غير أن هذه المقاربة تواجه تحديًا أساسيا يتمثل في أن إيران باتت تتعامل مع أدوات الردع الأمريكية باعتبارها قابلة للاحتواء، خصوصًا بعد سنوات من “حروب الظل” والهجمات المحدودة المتبادلة.
ومن هنا، فإن المرحلة الحالية ليست مرحلة سلام حقيقي، بل مرحلة “إدارة التصعيد” أكثر من كونها مرحلة تسوية نهائية.

ثالثًا: لبنان بين الهدنة الهشة واحتمالات الانفجار
يبقى لبنان أحد أخطر مسارح المرحلة المقبلة.
فالهدنة الحالية على الجبهة اللبنانية تبدو أقرب إلى وقف اشتباك مؤقت منها إلى استقرار دائم، خاصة أن:

• إسرائيل ترى أن البيئة الأمنية شمالًا لم تعد مقبولة،
• و”حزب الله” يعتبر أن أي تراجع كبير سيضعف معادلة الردع التي بناها منذ سنوات.

ومع تعثر المسار الأمريكي الإيراني، ترتفع احتمالات استخدام الساحة اللبنانية كورقة ضغط متبادلة، سواء عبر:
• تصعيد محدود ومدروس،
• أو عمليات أمنية نوعية،
• أو توسيع نطاق الاشتباك تدريجيًا.
لكن جميع الأطراف تدرك أيضًا أن الحرب الشاملة في لبنان ستكون مختلفة جذريًا عن أي مواجهة سابقة، بسبب:
• تطور القدرات الصاروخية،
• هشاشة الوضع اللبناني الداخلي،
• احتمال انخراط أطراف إقليمية متعددة،
• وتأثير الحرب المباشر على الملاحة والطاقة والأسواق العالمية.
ولهذا، فإن السيناريو الأكثر ترجيحًا على المدى القريب قد يكون استمرار “اللاحرب واللاسلم”، مع بقاء احتمالات الانفجار قائمة في أي لحظة نتيجة خطأ ميداني أو قرار سياسي مفاجئ.

رابعًا: أسعار الطاقة… السلاح الأكثر حساسية
كلما تعقدت العلاقة بين واشنطن وطهران، عادت أسواق الطاقة إلى واجهة القلق العالمي.
فالمنطقة لا تزال تتحكم في أهم شرايين الطاقة العالمية، سواء عبر:
• مضيق هرمز،
• البحر الأحمر،
• أو خطوط الإمداد المرتبطة بالخليج. واستفادة الصين وروسيا من هذه الوضعية،
وأي تصعيد مباشر أو غير مباشر ينعكس فورًا على:
• أسعار النفط،
• تكاليف التأمين والشحن،
• سلاسل الإمداد العالمية،
• والتضخم الدولي.
وقد أثبتت التجارب الأخيرة أن مجرد التهديد بإغلاق المضائق أو استهداف السفن كفيل بإرباك الأسواق، حتى دون وقوع حرب شاملة.
وهنا تكمن خطورة المرحلة الحالية:
فالصراع لم يعد محصورًا في الحسابات العسكرية، بل أصبح مرتبطًا مباشرة باستقرار الاقتصاد العالمي، والأثر الكبير على دول المنطقة خاصة الخليج..
ولهذا تسعى القوى الكبرى، بما فيها الصين والاتحاد الأوروبي، إلى منع الانهيار الكامل للمسار التفاوضي، لأن تكلفة الفوضى الإقليمية أصبحت عالمية وليست إقليمية فقط.

خامسًا: أبرز السيناريوهات المحتملة

  1. سيناريو التهدئة المشروطة
    ويقوم على:
    • استمرار التفاوض غير المباشر،
    • تجنب التصعيد العسكري الكبير،
    • احتواء جبهات لبنان والبحر الأحمر،
    • وتفاهمات مؤقتة حول النووي والعقوبات.
    وهو السيناريو الأكثر ملاءمة للاقتصاد العالمي، لكنه يبقى هشًا وقابلًا للانهيار.
  2. سيناريو التصعيد المحسوب
    ويتمثل في:
    • ضربات محدودة،
    • تصعيد عبر الوكلاء،
    • عمليات بحرية وأمنية،
    • ورفع متبادل لسقوف التهديد.
    هذا السيناريو هو الأقرب حاليًا، لأنه يسمح للطرفين بالحفاظ على الردع دون الانزلاق إلى حرب شاملة، يبنى على وقف الحرب بصورة شاملة.
  3. سيناريو الانفجار الإقليمي
    وهو الأخطر، ويشمل:
    • توسع الحرب في لبنان،
    • استهداف منشآت الطاقة أو المضائق،
    • تدخلًا أمريكيًا أوسع،
    • واضطرابًا عالميًا في أسواق الطاقة.
    لكن هذا السيناريو، رغم خطورته، لا يزال أقل ترجيحًا لأن كلفته ستكون هائلة على الجميع.

خاتمة
المرحلة الثانية من التوتر بين الولايات المتحدة وإيران لا تتجه على الأرجح نحو تسوية شاملة، لكنها أيضًا لا تبدو متجهة فورًا إلى حرب كبرى.
فالطرفان يتحركان داخل مساحة رمادية معقدة:
• واشنطن تريد الاحتواء دون انفجار،
• وطهران تريد تثبيت النفوذ دون مواجهة مباشرة،
• بينما تقف المنطقة كلها فوق توازن هش تحكمه حسابات الردع والطاقة والممرات الاستراتيجية.
لكن المشكلة الجوهرية أن الشرق الأوسط بات يعيش على إيقاع “الأزمات المؤجلة”، حيث تُدار الصراعات بدل حلها، وتُؤجل الانفجارات بدل معالجتها.
وفي مثل هذه البيئة، قد يصبح أي خطأ ميداني صغير، أو عملية غير محسوبة في لبنان أو الخليج أو البحر الأحمر، شرارة لتحول استراتيجي واسع تتجاوز آثاره حدود المنطقة إلى الاقتصاد والنظام الدولي بأكمله، الذي يواجه أكبر تعدي له في مقابل شرعية الحرب ومترتباتها على ثوابت النظام الدولي وركائزه في السلم والأمن الدوليين.
——————
٩ مايو ٢٠٢٦ م

اترك رد

error: Content is protected !!