القاهرة بين مسارين: ماذا تريد واشنطن من اجتماعات الغد حول السودان!؟

مقدمة
تستضيف القاهرة غداً لقاءين متوازيين يتصلان مباشرة بالملف السوداني؛ الأول يجمع وزير الخارجية السوداني مع مسؤولين أمريكيين ومصريين، والثاني يضم أطرافاً أمريكية وتركية ومصرية معنية بالشأن السوداني. ورغم محدودية المعلومات المعلنة حول جدول الأعمال، فإن توقيت الاجتماعين يطرح أسئلة جوهرية حول أهدافهما الحقيقية، خاصة في ظل التطورات العسكرية المتسارعة على الأرض، والتبدلات التي تشهدها المقاربة الأمريكية تجاه الأزمة السودانية.
فبعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، تبدو الأطراف الدولية أمام واقع مختلف عن ذلك الذي ساد في بدايات الحرب المفروضة على السودان. فالجيش السوداني نجح في استعادة مساحات واسعة من الأراضي، بينما تواجه قوات الدعم السريع المتمردة، ضغوطاً ميدانية متزايدة، رغم استمرارها في استخدام الطائرات المسيّرة لقتل المدنيين واستهداف المنشآت المدنية والبنى التحتية في مختلف أنحاء البلاد.
وفي الوقت ذاته، تشهد العلاقات السودانية الأمريكية حراكاً ملحوظاً بعد فترة من التوتر والتباينات، بينما تتزايد المخاوف الإقليمية والدولية من اتساع رقعة الحرب وانتقالها إلى مرحلة أكثر خطورة، خاصة مع تصاعد الحديث عن معركة محتملة حول مدينة الأبيض وما يمكن أن يترتب عليها من تداعيات استراتيجية وإنسانية واسعة.
لماذا الآن؟
لا يبدو أن اختيار هذا التوقيت جاء مصادفة. فالإدارة الأمريكية تدرك أن المعادلة العسكرية لم تعد كما كانت قبل عام أو عامين، وأن الوقائع التي فرضها الميدان بدأت تعيد رسم حدود الحركة السياسية والدبلوماسية للقوى الدولية المنخرطة في الملف السوداني.
كما يأتي هذا الحراك في وقت تتزايد فيه التحذيرات الأوروبية والدولية من تدهور الأوضاع الإنسانية، وهو ما انعكس في المواقف الصادرة عن عدد من الدول الأوروبية التي دعت إلى حماية المدنيين وضمان وصول المساعدات الإنسانية. غير أن هذه المخاوف لا تنحصر في الجانب الإنساني فحسب، بل تمتد إلى اعتبارات أوسع تتعلق بأمن البحر الأحمر، والهجرة غير النظامية، واستقرار منطقة الساحل والقرن الأفريقي، والجوار السوداني.
وتدرك واشنطن أن استمرار الحرب بالوتيرة الحالية يهدد بتحويل السودان إلى بؤرة عدم استقرار طويلة الأمد، وهو ما يفسر تكثيف الاتصالات السياسية ومحاولة فتح قنوات جديدة مع الخرطوم ومع الأطراف الإقليمية المؤثرة.
مسعد بولس وخطاب الهدنة الإنسانية
خلال الأسابيع الأخيرة، كثّف المبعوث الأمريكي مسعد بولس حديثه عن ضرورة التوصل إلى هدنة إنسانية وفتح ممرات آمنة لوصول المساعدات. غير أن هذا الطرح يواجه إشكالية جوهرية من منظور الدولة السودانية، تتمثل في أن الحديث عن التهدئة تجاوزته الأوضاع ، ويتزامن مع استمرار هجمات تمرد الدعم السريع بالطائرات المسيّرة على المدن والمنشآت الخدمية ومحطات الكهرباء والبنى التحتية، فضلاً عن استهداف المدنيين في عدد من المناطق.
ومن ثمّ ترى الخرطوم أن أي هدنة لا تترافق مع وقف العمليات العسكرية كافة، ولا تتضمن إجراءات واضحة لمنع تدفق السلاح والعتاد والتشوين والطائرات المسيّرة والتمويل إلى التمرد، قد تتحول عملياً إلى فرصة لإعادة التموضع وإعادة بناء القدرات العسكرية على الأرض، ولا سبيل للتصالح مع هذه الفكرة.
ولذلك لا يبدو أن التحفظ السوداني تجاه الطروحات الإنسانية نابع من رفض المبدأ ذاته، بقدر ما يرتبط بالسؤال الأساسي المتعلق بضمانات التنفيذ ومصادر استمرار الحرب.
الأبيض.. العقدة العسكرية التي تفسر جانباً من الحراك الدولي
لا يمكن فصل اجتماعات القاهرة عن التطورات الميدانية المتسارعة خاصة حول مدينة الأبيض، التي تمثل اليوم إحدى أهم العقد الاستراتيجية في مسار الحرب السودانية. فالمدينة ليست مجرد عاصمة لولاية شمال كردفان، بل تشكل نقطة الربط الرئيسية بين وسط السودان وغربه، وبين دارفور والخرطوم، كما تمثل مركزاً حيوياً لشبكات الإمداد والاتصالات والحركة التجارية والعسكرية، فهي صرة البلاد.
ومن هذا المنطلق، فإن أي محاولة من قوات التمرد لإسقاط الأبيض كما فُعِل بالفاشر، لن تُقرأ باعتبارها مكسباً ميدانياً عادياً، وإنما باعتبارها تحولاً استراتيجياً قد يعيد تشكيل خريطة الصراع بأكملها. فنجاح مثل هذه المحاولة ـ إن حدثت لا سمح الله ـ سيمنح التمرد موطئ قدم مؤثراً في قلب السودان الجغرافي، وسيعزز قدرته على ربط مسارح العمليات المختلفة ببعضها البعض.
ولهذا تبدو المدينة اليوم بالأنظار المصوبة عليها في قلب الحسابات الإقليمية والدولية. فالعواصم المعنية بالأزمة تدرك أن اندلاع معركة واسعة حول الأبيض قد يفتح الباب أمام موجات نزوح جديدة بمئات الآلاف، ويزيد من تعقيد المشهد الإنساني، كما قد يفضي إلى توسيع نطاق الحرب إلى مناطق ظلت حتى وقت قريب بعيدة نسبياً عن خطوط المواجهة المباشرة.
وفي المقابل، تنظر الخرطوم إلى الدفاع عن الأبيض باعتباره دفاعاً عن تماسك الدولة وسيادتها ووحدة التراب و المجال الاستراتيجي السوداني، وليس مجرد معركة حول مدينة بعينها. لذلك فإن أي دعوات إلى وقف إطلاق النار في هذا التوقيت تُقرأ داخل دوائر صنع القرار السودانية من زاوية تأثيرها على المشهد الداخلي والتوازنات الميدانية القائمة أكثر من قراءتها كخطوة إنسانية مجردة، وكاننا نعيد سيناريو سقوط الفاشر.
رسالة واشنطن: إدارة الحرب أم البحث عن تسوية؟
ثمة انطباع متزايد بأن بعض الدوائر الغربية انتقلت من مرحلة البحث عن تسوية سياسية شاملة إلى مرحلة إدارة الأزمة ومنع انهيارها الكامل. فبعد تعثر المبادرات السابقة، وتبدل موازين القوى على الأرض، باتت الأولوية لدى عدد من الفاعلين الدوليين هي احتواء التداعيات الإنسانية والأمنية ومنع انزلاق السودان إلى مزيد من الهشاشة والتفكك.
ومن هذه الزاوية، قد يكون الهدف الفعلي من لقاءات القاهرة هو اختبار إمكانية التوصل إلى ترتيبات ميدانية محدودة، أو وقف مؤقت للتصعيد في بعض الجبهات، أو فتح مسارات إنسانية، أكثر من كونه سعياً إلى اتفاق سياسي شامل ونهائي.
كما تسعى واشنطن إلى المحافظة على خطوط التواصل مع الحكومة السودانية، وإعادة بناء قدر من الثقة يسمح لها بالاحتفاظ بدور مؤثر في أي ترتيبات مستقبلية، خاصة بعد أن أثبتت تطورات الميدان أن تجاوز شرعية الدولة السودانية القائمة، أو محاولة فرض معادلات خارجية لا تراعي توازنات الداخل السوداني لم يعد خياراً واقعياً ولا مقبولا.
مصر.. ثبات في الموقف ودور في إدارة التوازنات
على الجانب المصري، لا توجد أي مؤشرات حقيقية إلى تغير في الموقف المعلن تجاه السودان. فمنذ اندلاع الحرب، أكدت القاهرة تمسكها بوحدة السودان وسيادته وسلامة مؤسساته الوطنية ورفضها لأي ترتيبات تؤدي إلى تقسيم البلاد أو إضعاف الدولة المركزية.
ومن هنا يمكن فهم استضافة القاهرة لهذه اللقاءات باعتبارها جزءاً من دورها التقليدي في الملف السوداني، وليس باعتبارها انتقالاً إلى موقف جديد. فمصر حريصة على أن تبقى أي تحركات تخص السودان ضمن إطار التنسيق مع الدولة السودانية ومؤسساتها الشرعية، كما تدرك أن استقرار السودان يمثل ركناً أساسياً من أركان أمنها القومي والمصير المشترك.
وفي الوقت نفسه، تحمل القاهرة رسالة ضمنية للشركاء الدوليين مفادها أن أي تسوية قابلة للحياة لا يمكن أن تقوم على تجاوز الدولة السودانية أو التعامل مع الأزمة باعتبارها مجرد نزاع بين طرفين متكافئين كما سعت سردية رعاة الحرب ، بل ينبغي أن تنطلق من الحفاظ على مؤسسات الدولة ووحدة البلاد وسيادتها.
ما الرسالة الموجهة إلى الخرطوم؟
يمكن تلخيص الرسائل المحتملة لهذه الاجتماعات في ثلاثة عناوين رئيسية.
أولاً، أن المجتمع الدولي لا يزال يبحث عن نافذة لاحتواء التدهور الإنساني ومنع اتساع رقعة الحرب، حتى وإن تعثرت المسارات السياسية التقليدية.
ثانياً، أن واشنطن تسعى إلى إعادة تنشيط قنوات التواصل مع الخرطوم وإبقاء دورها قائماً في الملف السوداني، خاصة في ظل التحولات الميدانية التي جعلت من الصعب تجاهل الحكومة السودانية أو تجاوزها.
ثالثاً، أن هناك محاولة لاختبار مدى استعداد الخرطوم للتجاوب مع ترتيبات إنسانية أو أمنية محدودة دون الانتقال مباشرة إلى ملفات التسوية السياسية النهائية.
غير أن الخرطوم بدورها تبدو حريصة على إيصال رسالة مقابلة مفادها أن الأزمة السودانية ليست مجرد أزمة إنسانية، وإنما هي أزمة أمن قومي وعدوان مركب علي سيادة الدولة أرضاً و حكومة وشعبا، وأن معالجة النتائج دون معالجة الأسباب لن تؤدي إلى سلام مستدام.
ما وراء الرسائل غير المعلنة
القراءة الأعمق لهذه الاجتماعات تشير إلى أنها ليست اجتماعات إنسانية خالصة كما يوحي الخطاب المعلن، وليست أيضاً مفاوضات سلام مكتملة الأركان، بل تمثل محاولة لاستكشاف حدود الممكن سياسياً وعسكرياً في لحظة تشهد فيها الحرب تحولات مهمة قد تؤثر على شكل السودان ومستقبل الإقليم.
فالولايات المتحدة وحلفاؤها يبدون معنيين بمنع انفجار إنساني جديد وبالحفاظ على قدر من الاستقرار الإقليمي، بينما تتمسك الخرطوم بأولوية إنهاء التمرد وتجفيف مصادر دعمه الخارجي قبل الانتقال إلى أي تسوية أو ترتيبات سياسية أو أمنية واسعة.
ومن هنا يظل السؤال الأساسي الذي ستجيب عنه لقاءات القاهرة: هل تسعى الأطراف الدولية إلى إدارة الأزمة وإبطاء تداعياتها فحسب، أم أنها باتت مستعدة للتعامل مع جذور الحرب ومصادر استمرارها على نحو جدي؟
خاتمة
في المحصلة، تبدو اجتماعات القاهرة محاولة لقراءة مرحلة جديدة من تداعيات المشهد السوداني أكثر من كونها منصة لإعلان اختراق سياسي كبير. فالميدان يتحرك، والتوازنات تتغير، والفاعلون الدوليون يحاولون التكيف مع واقع مختلف عما كان سائداً خلال السنوات الماضية.حتى حراك برلين وأديس ابابا بمظلة (الخماسية) ومخرجاتها لم تضيف الي الواقع تحركا جديدا.
غير أن نجاح أي جهد سياسي أو إنساني سيظل مرهوناً بقدرته على التعامل مع جوهر الأزمة لا اختزال مظاهرها فقط. فالسودان، بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب، لم يعد يبحث عن هدنة مؤقتة بقدر ما يبحث عن معادلة شاملة تضمن أمنه القومي في كلياته، واستعادة الاستقرار وسيادة الدولة ومنع تكرار الأسباب التي قادت إلى هذه الحرب المدمرة منذ البداية بنتائجها الماثلة للعيان وكلفتها الباهظة على الدولة والشعب.
————
٢٠ يونيو ٢٠٢٦ م



