السودان والتسوية… كيف يربح الجميع دون أن تخسر الدولة؟ (قراءة نقدية في أطروحة فارس النور)

يطرح الأستاذ فارس النور، في مقاله «السودان والتسوية… كيف يربح الجميع من السلام؟»، والمنشور بصحيفة الشرق الأوسط بتاريخ الأحد 13 سبتمبر 2026م؛ سؤالاً يستحق النقاش الجاد: كيف يمكن نقل السودان من البحث عن انتصار طرف على آخر إلى وضع يصبح فيه السلام أكثر ربحاً للجميع من استمرار الحرب؟ والفكرة، في أصلها، ضرورية لبلد أنهكته الحروب والاستقطابات وتكرار التجارب الانتقالية. غير أن صعوبة الحالة السودانية تبدأ تحديداً عندما ننتقل من جاذبية هذا المبدأ إلى هندسة التسوية المقترحة، ومن السؤال الأخلاقي عن السلام إلى السؤال السياسي والقانوني عن أطرافه وشروطه وحدوده.
فالمقال يقدم تصوراً يبدو متوازناً في بنائه: لكل طرف ضمانة، وفي مقابل كل ضمانة تنازل تاريخي. الإسلاميون يغادرون «الدولة العميقة»، والجيش يغادر السياسة، والدعم السريع والحركات المسلحة تتخلى عن الجيوش المستقلة، والقوى المدنية تتخلى عن احتكار الشرعية وعن مطلب الانتقال المدني الفوري. ثم يجتمع الجميع داخل دولة واحدة تنتهي، بعد مرحلة انتقالية، إلى الانتخابات.
لكن هذا التصور يثير سؤالاً جوهرياً: هل الأطراف التي تشملها هذه التسوية متماثلة أصلاً في مركزها القانوني والدستوري ومسؤوليتها عن الأزمة؟ ثم هناك سؤال يسبق حتى توزيع الضمانات والتنازلات: من يملك أصلاً حق تقديم هذه الضمانات، ومن يملك توزيع ما يسمى بالاستحقاقات؟
هنا تكمن المعضلة الأولى في تصور فارس النور. فالقوات المسلحة ليست تنظيماً سياسياً ينافس الإسلاميين أو القوى المدنية، وليست جماعة مسلحة تبحث عن نصيب في السلطة حتى تُدرج معها ضمن صفقة لتبادل التنازلات. هي مؤسسة من مؤسسات الدولة، وهذا المركز القانوني لا يعني إعفاء تجربتها السياسية من النقد، ولا تجاهل تدخلاتها السابقة في الحكم أو نشاطها الاقتصادي. ويمكن، وينبغي، مناقشة إخراجها من السياسة والاقتصاد وإخضاعها للسلطة الدستورية والقانون، لكن نقد سلوك المؤسسة شيء، وتغيير مركزها القانوني شيء آخر. فتدخل الجيش في السياسة لا يضعه، من حيث مركزه القانوني والدستوري، في مرتبة تشكيل مسلح موازٍ للدولة أو قوة حملت السلاح في مواجهتها.
ومن هنا تظهر مشكلة أكثر حساسية في معالجة وضع الدعم السريع. فقول المقال إن اختفاء عشرات الآلاف من المقاتلين بمجرد توقيع اتفاق أمر غير واقعي صحيح من الناحية العملية، لكنه لا يكفي لتحديد طبيعة الحل. هناك فارق بين معالجة المقاتلين وبين الحفاظ على الكيان العسكري الذي جمعهم. يمكن للدولة أن تضع برامج للتسريح والدمج بإعادة التأهيل والاستيعاب الفردي وفق معايير مهنية وأمنية دقيقة، وأن تعالج الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية لمن لم تثبت بحقهم جرائم، دون أن يعني ذلك الاعتراف ببقاء تشكيل عسكري موازٍ أو تحويل وجوده المسلح إلى مصدر لشرعية تفاوضية دائمة.
والأمر هنا يتجاوز مسألة الدمج والتسريح إلى سؤال أعمق عن مستقبل الدعم السريع نفسه ككيان في الحياة العامة السودانية. فما ارتبط بهذه القوة خلال الحرب من فظائع وانتهاكات واسعة، وما شهدته مناطق عديدة من قتل ونهب وتهجير وتدمير للبنية التحتية والمرافق العامة والخاصة، خلق واقعاً سياسياً واجتماعياً وقانونياً لا يمكن تجاوزه بمجرد توقيع اتفاق. فالتسوية قد تعالج أوضاع عشرات الآلاف من الأفراد، وتفتح لمن لم تثبت بحقهم جرائم أبواب العودة إلى المجتمع والحياة المدنية، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى إعادة تأهيل للكيان نفسه ومنحه موقعاً جديداً في الدولة. وفي تقديري، لم يعد مقبولاً أن يستمر الدعم السريع، بعد هذه الحرب، فاعلاً عسكرياً مستقلاً أو تنظيماً ينتقل بقوته وقيادته من الميدان إلى المجال السياسي والمدني. معالجة الأفراد ضرورة تفرضها مسؤولية الدولة، أما إعادة إنتاج التنظيم في الشأن العام السوداني فتعني أن القوة التي استخدمت السلاح خارج إطار الدولة يمكن أن تنهي تمردها، ثم تحتفظ، مع ذلك، بعائد سياسي من حمل السلاح.
وعبارة «إصلاح القطاع الأمني يشارك فيها الجميع» تحتاج بدورها إلى تدقيق. فإصلاح القطاع الأمني ليس مؤتمراً بين الجيوش لإعادة تأسيس الجيش من الصفر، وإنما عملية لإصلاح مؤسسات الدولة الأمنية والعسكرية وترسيخ مهنيتها وخضوعها للدستور، بالتوازي مع إنهاء التشكيلات الموازية واحتكار الدولة للسلاح. ومرجعية الإصلاح ينبغي أن تكون مؤسسة الدولة نفسها وحاجتها إلى التطوير والاحتراف، لا واقع تعدد الجيوش باعتباره نقطة تأسيس لنظام أمني جديد. فإذا انطلقت العملية من اعتبار جميع القوى المسلحة أطرافاً متساوية في إعادة تصميم المؤسسة العسكرية، فقد تتحول نتيجة الحرب نفسها إلى مدخل لإعادة إنتاج تعدد الجيوش تحت عنوان إصلاحها.
المسألة ذاتها تظهر عند الحديث عن «الاستحقاقات السياسية» التي رتبتها اتفاقات سابقة. فالحقوق المشروعة للأقاليم المتأثرة بالحرب في التنمية والسلطة والثروة والتمثيل العادل حقوق ينبغي حمايتها، لكنها تختلف عن تحويل القوة المسلحة إلى أصل دائم لاكتساب الحق السياسي. السودان يحتاج بعد هذه الحرب إلى كسر العلاقة بين البندقية والاستحقاق السياسي؛ لأن الإبقاء عليها يرسل رسالة خطرة إلى المستقبل: من يريد تحسين موقعه في الدولة، فليحمل السلاح أولاً ثم يفاوض لاحقاً على الثمن.
أما الدعوة إلى عدم اجتثاث الإسلاميين جماعياً فهي من أكثر نقاط المقال وجاهة من حيث المبدأ. فلا يمكن بناء ديمقراطية تقوم على الإقصاء السياسي الشامل، كما أن المسؤولية الجنائية فردية ولا ينبغي تحويلها إلى عقوبة جماعية على أساس الانتماء. لكن المشكلة تبدأ عندما تصبح ممارسة مواطنين لحقوقهم السياسية جزءاً من «صفقة» تمنحها لهم أطراف أخرى. فحق التنظيم والعمل السياسي السلمي حق دستوري، ومن ارتكب جريمة يحاسب عليها القضاء، ومن لم يرتكبها لا يحتاج إلى ضمانة من خصومه حتى يمارس حقه كمواطن.
وهنا نصل إلى مسألة أعمق في فكرة «الصفقة التاريخية»: كثير مما يجري تقديمه باعتباره ضمانات متبادلة ليس ملكاً للأطراف المتفاوضة أصلاً. فمن يملك أن يمنح الإسلاميين حق المشاركة السياسية أو يحجبه عنهم؟ ومن يملك أن يقرر للجيش موقعاً في مؤسسة الرئاسة لسبع سنوات؟ ومن يملك منح الحركات استحقاقات سياسية مستمرة، أو تسليم القوى المدنية قيادة الجهاز التنفيذي طوال مرحلة انتقالية ممتدة؟ هذه ليست ممتلكات سياسية تتبادلها القوى فيما بينها، وإنما قضايا تتصل بحقوق المواطنين وبنية الدولة والدستور ومصدر السلطة فيها. والتسوية التي تعيد توزيع الدولة بين أطراف الأزمة قد توقف الصراع بينها، لكنها لا تؤسس بالضرورة شرعية جديدة للدولة.
وينطبق ذلك على القوى المدنية أيضاً. فالمقال مصيب في رفض احتكار أي كتلة سياسية للشرعية دون تفويض انتخابي، سواء كانت «صمود» أو «تأسيس» أو الكتلة الديمقراطية أو غيرها. لكن تصحيح هذا الخلل لا يكون بتوزيع الشرعية بالتساوي بين القوى الموجودة في المشهد، وإنما بإعادتها إلى مصدرها الطبيعي: الشعب السوداني. والمرحلة الانتقالية ضرورة قد تفرضها ظروف الحرب، لكنها ينبغي أن تكون طريقاً إلى التفويض الشعبي، لا نظاماً سياسياً قائماً بذاته يعيد إنتاج النخب ذاتها لسنوات طويلة.
ومن هنا تأتي الملاحظة على السنوات السبع التي يقترحها فارس النور. صحيح أن إعادة اللاجئين والنازحين، والإعمار، ومعالجة قضايا الأراضي، وإصلاح المؤسسات، وتوحيد الدولة وتهيئة البلاد للانتخابات تحتاج إلى زمن، لكن تحديد سبع سنوات سلفاً يحمل مخاطرة تحويل الانتقال من جسر مؤقت إلى سلطة طويلة الأجل. السودان خبر المراحل الانتقالية التي تبدأ باعتبارها استثناءً ضرورياً ثم تتحول إلى ساحة جديدة للصراع على السلطة. الأنسب أن ترتبط المرحلة بمهام واضحة وجداول زمنية قابلة للقياس والمراجعة، وأن تظل الانتخابات أقرب ما تسمح به الظروف الموضوعية، لا أبعد ما تستطيع القوى السياسية الاتفاق عليه.
ويضاف إلى ذلك أن أطروحة فارس النور، بصرف النظر عما فيها من أفكار تستحق النقاش، تواجه مشكلة في التوقيت نفسه. فعسكرياً، لم تنضج بعد الشروط التي يمكن أن تقوم عليها تسوية مستقرة؛ فالقتال مستمر، ومركز الدولة ووضع التشكيلات المسلحة وترتيبات إنهاء وجودها العسكري لم تستقر بعد، وأي صيغة تمنح الأطراف المسلحة ضمانات واستحقاقات مسبقة قد تتحول عملياً إلى تثبيت لواقع فرضه السلاح قبل الاتفاق على كيفية إنهائه. ومدنياً وسياسياً، المجتمع السوداني لم يخرج بعد من آثار القتل والنزوح والنهب وفقدان الممتلكات وتدمير المدن والمرافق، ولا تزال جراح قطاعات واسعة من المواطنين مفتوحة. وفي مثل هذا المناخ، فإن الانتقال مباشرة إلى الحديث عن «ماذا سيأخذ كل طرف» قبل استكمال وقف الحرب والمحاسبة وتثبيت سلطة الدولة قد يجعل التسوية تبدو، في نظر الضحايا، أقرب إلى مكافأة أطراف الصراع منها إلى تأسيس سلام عادل. فالتسوية لا تحتاج فقط إلى مضمون قابل للحياة، وإنما إلى لحظة سياسية واجتماعية تستطيع حملها.
جوهر الخلاف مع أطروحة فارس النور، إذن، ليس حول السلام ولا حول الحاجة إلى تنازلات مؤلمة. السودان يحتاج بالفعل إلى تسوية تاريخية وإلى شجاعة سياسية تتجاوز الانتقام والإقصاء. لكنه يحتاج قبل ذلك إلى تحديد ما الذي تتم التسوية عليه، وما الذي ينبغي أن يبقى خارج المساومة.
يمكن التفاوض على ترتيبات الانتقال، وشكل الحكم، والفيدرالية، وتقاسم الموارد، والإعمار، وعودة النازحين، وضمان المشاركة السياسية، وإصلاح المؤسسات. أما وحدة الدولة، واحتكارها للسلاح، ووحدة المؤسسة العسكرية، وخضوع الجميع للقانون، وعدم تحويل القوة المسلحة إلى مصدر للشرعية السياسية، فينبغي أن تكون قواعد تأسيسية للتسوية وليست حصصاً داخلها.
والسلام المستدام يحتاج بالتأكيد إلى أن يجد الجميع مصلحة فيه، لكنه لا يقتضي مساواة الجميع في المركز القانوني أو في الاستحقاقات السياسية. المطلوب أن يجد جميع السودانيين مكاناً آمناً وعادلاً داخل الدولة، وأن تُصان الحقوق السياسية والمدنية، وأن يخضع مرتكبو الجرائم للقضاء، وأن يصبح حمل السلاح خارج مؤسسات الدولة طريقاً مسدوداً لا وسيلة لتحسين شروط التفاوض معها.
ولذلك فإن السؤال الذي أثاره فارس النور يحتاج إلى سؤال يسبقه: قبل أن نسأل كيف يربح الجميع من السلام، ينبغي أن نسأل: أي دولة نريد أن تنتج عن هذا السلام؟
إذا كانت الإجابة دولة تتسع للجميع، ويحكمها القانون، ويختار شعبها حكامه، وتحتكر الدولة فيها الاستخدام المشروع للقوة، فلا خلاف كبير على الغاية. أما إذا أصبحت التسوية وسيلة لمعادلة الدولة بتشكيل مسلح، وتحويل نتائج حمل السلاح إلى استحقاقات سياسية، وتوزيع شرعية لا يملك أطراف التفاوض منحها، وتأجيل العودة إلى الشعب لسنوات طويلة، فنكون قد أوقفنا حرباً وربما وضعنا داخل الاتفاق نفسه بذور الحرب التالية.
المشكلة، إذن، ليست في البحث عن تسوية يربح منها الجميع، وإنما في أن يبدأ الربح من الدولة نفسها. فإذا خسرت الدولة احتكار السلاح، أو تساوت مؤسساتها مع التشكيلات المسلحة، أو تحولت البندقية إلى مصدر دائم للاستحقاق السياسي، فلن يكون ما تحقق سلاماً مستداماً بقدر ما سيكون هدنة أعادت توزيع مواقع أطراف الحرب.
السودان يحتاج إلى سلام يفتح أبواب الدولة للجميع، دون أن يجعل السلاح مفتاحاً لتلك الأبواب.
الإثنين، 14 سبتمبر 2026م



