الرواية الأولى

نروي لتعرف

هموم وقضايا / السفير د. معاوية التوم

الخليج بين ضيق الخيارات واتساع المخاطر: هرمز وباب المندب ومعادلة الردع المعقد!؟

السفير د. معاوية التوم


مضيق هرمز: شريان الطاقة العالمي تحت التهديد
يمثل التهديد بإغلاق مضيق هرمز من قبل إيران لحظة فارقة في أمن الطاقة العالمي، إذ يمر عبره جزء معتبر من تجارة النفط المنقولة بحرًا. أي تعطيل حتى ولو جزئي—كفيل بإحداث صدمة فورية في الأسواق، ورفع الأسعار، وإرباك سلاسل الإمداد الدولية، ما يجعل الأزمة انعكاسًا مباشرًا على الاقتصاد العالمي.

بدائل محدودة… وقدرة لا توازي الخطر
رغم تطوير السعودية لخطوط التصدير عبر ينبع، وتعزيز الإمارات لقدراتها عبر الفجيرة، إلا أن هذه البدائل تظل محدودة أمام حجم الصادرات الكلي. كما أنها لا تعالج هشاشة بقية دول الخليج، ما يجعل الأزمة جماعية بطبيعتها وتحتاج إلى تحرك مشترك. وان تامن هذه المواني من الاستهداف الإيراني.

باب المندب: توسيع رقعة التهديد
احتمال امتداد التصعيد إلى مضيق باب المندب وارد وقد يفتح جبهة بحرية ثانية، ويحوّل الأزمة إلى خنق مزدوج للممرات الاستراتيجية، بما يضاعف الكلفة ويحد من خيارات المناورة أمام دول المنطقة.

غياب الرؤية الخليجية الموحدة: الاعتماد على الخطوط العامة
تظل المعضلة الأكبر أن معظم الدول الخليجية تتحرك وفق خطط عامة وعناوين عريضة، دون رؤية استراتيجية موحدة لمواجهة الأزمات الكبرى. هذا الفراغ في التنسيق يجعل القرارات متأخرة أو محدودة التأثير، ويترك المجال للقوة الخارجية لتحديد الإطار العام للتحرك، بينما تتحمل دول المنطقة المخاطر المباشرة على أراضيها واقتصادها.

القوة الأمريكية والحلفاء: الحماية مع حدودها
رغم الحضور العسكري الأمريكي الكثيف في الخليج، لم يُبنى دائمًا أي قرار تصعيد على توافق كامل مع دول المنطقة او تشاور جدي كما هو الحالف مع الحليف الأمريكي . لقد نجحت هذه القوات جزئيًا في حماية تدفق النفط ومنع الانهيار الكامل للممرات البحرية، كما أسهمت في الحد من اندلاع مواجهة عسكرية شاملة، عبر دوريات بحرية وأنظمة مراقبة للمنشآت الحيوية.
مع ذلك، ظل الردع غير كامل، إذ لم يمنع التهديدات غير التقليدية مثل استهداف الناقلات أو الهجمات غير المباشرة، أو ارتفاع كلفة التأمين والشحن، ما يجعل بيئة المخاطر قائمة رغم الحماية وسط التهديدات التي علقت اليوم بواسطة الرئيس ترامب.

الكلفة غير المحسوبة: حين تتجاوز الحرب بداياتها
لم تكن الكلفة الحقيقية لهذا التصعيد ضمن الحسابات الأولية للأطراف. فارتفاع أسعار الطاقة، وزيادة كلفة التأمين والشحن، وتراجع الثقة في استقرار الإمدادات، كلها عوامل تضغط على الاقتصاد العالمي. كما تتحمل دول الخليج كلفة مزدوجة: حماية منشآتها النفطية من جهة، وخسارة جزء من استقرار تدفقاتها النفطية من جهة أخرى، مما يضاعف الكلفة وسط استقالات في المؤسسة الأمريكية .

سيناريوهات محتملة للأزمة
• السيناريو العسكري المباشر: مواجهة محدودة بين إيران ودول الخليج، قد تستهدف منشآت نفطية أو ناقلات، مع ارتفاع حاد في أسعار النفط وفقدان الثقة في استقرار الإمدادات .
• السيناريو الاقتصادي: اختناقات جزئية في هرمز والفجيرة تؤدي إلى موجة تضخم عالمي، وزيادة كلفة الشحن والتأمين، مع ضغط متواصل على ميزانيات دول المنطقة.
• السيناريو الدبلوماسي: ما بين الهدنة والاتفاق، هنالك محاولة دفع القوى الكبرى والولايات المتحدة إلى إنشاء إطار حماية جماعي للممرات البحرية، أو فرض عقوبات وإجراءات ضغط على إيران لخفض التوتر، مع محدودية التأثير إذا غابت الرؤية الخليجية الموحدة.

الردع دون مواجهة: معادلة صعبة
تسعى دول الخليج بإسناد تركي مصري إلى موازنة الردع وتفادي الحرب عبر تعزيز الدفاعات، وتوسيع الشراكات الدولية، والدفع نحو حماية جماعية للممرات البحرية. غير أن محدودية التوافق الدولي، وتباين مصالح القوى الكبرى، وضعف الرؤية الخليجية الموحدة يجعل هذا النهج أقل فاعلية، بينما يظل ضغط إيران على المنطقة أداة لتغيير قواعد اللعبة من دون حرب مباشرة.

خاتمة: بين التوافق والفراغ الدولي
في ظل ضيق الخيارات واتساع المخاطر، يصبح التوافق الخليجي والتحرك الدولي الفعّال ضرورة استراتيجية. فإغلاق هرمز لم يعد مجرد تهديد عسكري، بل أداة لإعادة تشكيل التوازنات، في لحظة تتطلب ردعًا ذكيًا يمنع الانزلاق إلى مواجهة مفتوحة لا يمكن احتواء تداعياتها، رغم وجود الحلفاء والقوة الأجنبية في المنطقة، وغياب رؤية خليجية موحدة كاملة للتعامل مع الأزمة. هذا التراجع اليوم من قبل الولايات المتحدة عن ضرب منشآت الطاقة الابرانية ، ربما امكن من اجراء توافقات تهدئة في المرحلة القادمة باستصحاب القلق الخليجي عن المآلات المحتملة والقدرة على تحقيق الامن المستدام.
—————-
٢٣ مارس ٢٠٢٦ م

اترك رد

error: Content is protected !!