
أفرزت الحرب السودانية، منذ اندلاعها في الخامس عشر من أبريل 2023م، ظاهرة سياسية تستحق الدراسة والتحليل، تتمثل في تبني عدد من القيادات والرموز السياسية، ومن ورائهم كياناتهم وتنظيماتهم، وحتى بعض عامة الناس، موقف الحياد في هذه الحرب الدائرة بين القوات المسلحة السودانية ومليشيا الدعم السريع، تحت شعار أنهم لا يقفون مع الجيش ولا مع المليشيا. وقد يبدو هذا الموقف تعبيراً عن رفض الحرب والانحياز إلى السلام، غير أن النظر فيه من منظور سياسي وقانوني يكشف عن إشكالية أعمق تتعلق بمفهوم الدولة، وطبيعة الشرعية، وحدود الحياد السياسي، ومدى اتساقه مع المبادئ التي تقوم عليها المؤسسات الوطنية.
تبدأ الإشكالية من الاختلاف الجوهري في الطبيعة القانونية والمؤسسية لطرفي الحرب. فالقوات المسلحة مؤسسة من مؤسسات الدولة السودانية، يستند وجودها واختصاصاتها إلى الإطار الدستوري والتشريعي المنظم لأجهزة الدولة، وفي مقدمته قانون القوات المسلحة لسنة 2007م وتعديلاته، وتخضع في تكوينها وأدائها للقوانين واللوائح العسكرية. أما قوات الدعم السريع، فرغم أن وجودها نُظم بموجب قانون سنة 2017م، فإن تمردها ودخولها في مواجهة مسلحة مع القوات المسلحة والدولة أحدث تحولاً جوهرياً في طبيعة علاقتها بالسلطة العامة، وأثار مسألة استمرار وضعها القانوني ومشروعية بقائها قوة مسلحة موازية، وهي مسألة تُحسم وفق التشريعات والقرارات الصادرة عن السلطات المختصة.
ومن هنا يبرز سؤال يتجاوز المواقف السياسية الآنية: هل يستقيم الحياد بين مؤسسة تمثل جزءاً من البنيان القانوني للدولة، وتشكيل مسلح خرج على سلطتها وخاض حرباً ضدها؟ إن الإجابة تستدعي التمييز بين الامتناع عن الانحياز إلى أي طرف في القتال، والمساواة بين الطرفين في المركز القانوني والمشروعية المؤسسية. فرفض الحرب أو عدم تأييد قيادتي الطرفين لا يعني بالضرورة الاعتراف لهما بالوضع ذاته، لكن الخطاب الذي يطمس هذا الاختلاف قد يضعف مفهوم الدولة واحتكارها المشروع للقوة المسلحة، ويفتح الطريق أمام تعدد مراكز القوة وتآكل السيادة.
ولعل أحد أبرز مواطن الخلل في الخطاب السياسي السوداني يتمثل في الخلط بين المؤسسة العسكرية والأشخاص الذين يتولون قيادتها، أو السياسات والممارسات التي تصدر عنها. فالجيش مؤسسة وطنية مستمرة، بينما قياداته وأفراده يتعاقبون على مواقع المسؤولية ويخضعون للمساءلة القانونية. وقد تشوب المؤسسة اختلالات في بنيتها أو أدائها أو علاقاتها بالسلطة السياسية، وقد يرتكب بعض منتسبيها تجاوزات تستوجب المحاسبة، غير أن معالجة هذه الاختلالات تكون بالتشريع والرقابة والإصلاح المؤسسي وإعمال القانون. فالشرعية القانونية لوجود المؤسسة تختلف عن المشروعية السياسية لقرارات قيادتها، كما تختلف عن مشروعية الأفعال التي يرتكبها أفرادها أثناء العمليات العسكرية، والتي تظل خاضعة للقانون الوطني وقواعد القانون الدولي الإنساني.
والأصل أن المؤسسات العامة لا تُختزل في أخطاء بعض منتسبيها، كما أن صلاح أفرادها لا يمنحها حصانة من النقد والمراجعة. فالمجتمع لا يعادي مهنة الطب بسبب طبيب أخطأ، ولا الهندسة بسبب مهندس أهمل، ولا التعليم بسبب معلم أساء أداء رسالته، ولا سائر المهن بسبب انحراف بعض العاملين فيها. ويصلح هذا التشبيه لتوضيح مبدأ الفصل بين المؤسسة وأفرادها، مع إدراك أن المؤسسة العسكرية تتميز باختصاصات سيادية وسلطات في استخدام القوة المسلحة، تفرض عليها التزامات أشد صرامة في الانضباط والمساءلة والرقابة الدستورية. فالمهنية العسكرية شرف ومسؤولية، والإصلاح المؤسسي سبيل المحافظة على مكانتها وثقة المجتمع فيها.
وتزداد أهمية هذا التمييز في السودان، حيث تركت الانقلابات العسكرية والتدخلات السياسية آثاراً عميقة في الوعي العام، وأنتجت لدى بعض القوى السياسية موقفاً سلبياً من المؤسسة العسكرية ذاتها. غير أن الاعتراض على تدخل الجيش في السياسة، والمطالبة بخضوعه للسلطة المدنية الدستورية، يختلفان جوهرياً عن معاداته بوصفه مؤسسة مسؤولة عن الدفاع عن الدولة. ومن حق القوى السياسية المطالبة بإصلاح المؤسسة العسكرية وإبعادها عن التنافس الحزبي، مع الإقرار بضرورتها لبقاء الدولة وحماية سيادتها.
وتتعدد الدوافع المحتملة وراء تبني بعض القوى السياسية موقف الحياد. فقد يرتبط بعضها بمواقف تاريخية من الحكم العسكري، أو بمخاوف من أن يُفسر دعم الجيش باعتباره تفويضاً سياسياً لقيادته، بينما قد تحكم مواقف أخرى حسابات تتصل بمستقبل السلطة والتحالفات والتوازنات السياسية بعد الحرب. وهناك من ينطلق من رفض مبدئي للعنف المسلح والدعوة إلى حماية المدنيين. وهذه الدوافع، على اختلافها، تستدعي من أصحابها توضيح موقفهم من شرعية مؤسسات الدولة، ومستقبل السلاح خارج سلطتها، والضمانات التي تحول دون إعادة إنتاج التشكيلات العسكرية الموازية.
ويرتبط بهذا الموقف شيوع شعار «لا للحرب» في خطاب بعض القوى التي تتبنى الحياد، وهو شعار يعبر في ظاهره عن رغبة مشروعة في وقف القتال وحماية الأرواح، لكنه يثير تساؤلاً حول التمييز بين الحرب بوصفها وسيلة للصراع على السلطة، واستخدام القوة المسلحة دفاعاً عن الدولة والمواطنين. فالقوات المسلحة أُنشئت بموجب الدستور والقانون، وأُنيط بها الدفاع عن البلاد وحماية سيادتها وأمنها، ومن أجل مواجهة الأخطار والاعتداءات التي تهدد الدولة والمجتمع مُنحت صلاحيات استخدام القوة المسلحة. وقد تُفرض الحرب على الدولة في ظروف تصبح فيها القوة ضرورة لصد العدوان وحماية الأرواح والممتلكات واستعادة الحقوق، شريطة الالتزام بالقانون ومبادئ الضرورة والتناسب والتمييز بين المدنيين والمقاتلين. ومن ثم فإن الدعوة إلى وقف الحرب تكتسب وضوحها السياسي والأخلاقي عندما تقترن بتحديد كيفية وقف الاعتداءات، وحماية المواطنين، واستعادة سلطة الدولة، ومنع تكرار الأسباب التي أدت إلى اندلاع القتال.
وتبرز هنا مفارقة سياسية تستحق التوقف عندها، تتمثل في أن بعض القوى التي ترفع شعارات الدولة المدنية والمؤسسات الوطنية الموحدة قد تتبنى خطاباً يفضي إلى المساواة بين الجيش والمليشيا في المشروعية، دون تقديم تفسير متماسك لكيفية بناء دولة مدنية تحتكر السلاح والقرار العسكري. فالدولة المدنية تقوم على خضوع القوات المسلحة للسلطة الدستورية والقانون، وعلى وحدة المؤسسة العسكرية ومنع قيام تشكيلات مسلحة مستقلة عنها. وأي مشروع سياسي يتجاوز هذه الأسس يواجه تناقضاً بين غاياته المعلنة والوسائل التي يتبناها لتحقيقها، ويستدعي مراجعة موقف أصحابه من طبيعة الدولة التي يدعون إلى بنائها.
أما مليشيا الدعم السريع، فقد تجاوزت الحرب الراهنة معها مسألة الخلاف حول طبيعة تشكيلها أو ظروف تأسيسها. فقد وثقت بعثة الأمم المتحدة الدولية المستقلة لتقصي الحقائق بشأن السودان، إلى جانب منظمات حقوقية دولية، انتهاكات جسيمة بحق المدنيين ارتكبتها مليشيا قوات الدعم السريع، شملت القتل والعنف الجنسي والتهجير القسري والاعتداء على الممتلكات، مع توثيق انتهاكات منسوبة إلى أطراف أخرى في النزاع. وتفرض هذه الوقائع مساءلة قانونية وفق المسؤولية الفردية والقيادية، وتؤكد خطورة استمرار التشكيلات المسلحة خارج القيادة العسكرية الموحدة. وقد استنفدت تجربة مليشيا الدعم السريع مبررات وجودها المؤسسي، وأصبح مستقبل أفرادها مسألة تتعلق بالعدالة والمحاسبة والترتيبات الأمنية والقانونية، مع ضمان عدم إعادة إنتاج بنية عسكرية موازية للدولة.
ومع ذلك، تقتضي الموضوعية التمييز بين أنماط الحياد التي تعلنها القوى السياسية. فهناك من يرفض الانحياز إلى أي قيادة عسكرية مع اعترافه بشرعية مؤسسات الدولة، وهناك من يتبنى خطاباً قد يساوي بين الجيش والمليشيا في المركز القانوني والمشروعية المؤسسية، وهناك من يستخدم الحياد تعبيراً عن رفض الحرب والدعوة إلى حماية المدنيين. وهذه المواقف تختلف في منطلقاتها ونتائجها، ولا يصح اعتبار مجرد رفض الانحياز دليلاً على معاداة الدولة أو إقرار مشروعية التمرد. وإنما ينبغي تقييم كل موقف وفق مضمونه الفعلي، وما يطرحه من تصورات بشأن وحدة الدولة ومستقبل مؤسساتها.
وتكمن الخطورة الاستراتيجية في أن يتحول الحياد السياسي إلى مدخل لإضفاء مشروعية على تعدد مراكز القوة المسلحة، بما ينعكس على ترتيبات إنهاء الحرب وإعادة بناء الدولة. فالتسويات التي تتجاهل مبدأ وحدة المؤسسة العسكرية واحتكار الدولة للسلاح قد تنجح في وقف القتال مؤقتاً، لكنها تترك أسباب النزاع قائمة، وتؤسس لتوازنات هشة تعيد إنتاج الصراع تحت مسميات سياسية وأمنية جديدة. وفي المقابل، فإن دعم القوات المسلحة في أداء واجبها الدستوري لا يستلزم منح قيادتها تفويضاً سياسياً مفتوحاً، كما أن رفض التمرد لا يسقط حق المواطنين في المطالبة بالحكم الرشيد والرقابة المدنية والمساءلة القانونية.
إن السودان، وهو يواجه واحدة من أخطر الأزمات في تاريخه الحديث، يحتاج إلى وعي سياسي يميز بين الدولة والحكومة، وبين المؤسسة وقيادتها، وبين النقد المشروع والعداء المؤسسي، وبين السلام الذي يعيد بناء الدولة والتسوية التي تعيد توزيع القوة المسلحة خارج سلطانها. وتظل مسؤولية القوى السياسية أن تقدم تصوراً واضحاً لمستقبل الجيش والدولة، وأن تجعل الإصلاح والمحاسبة ووحدة المؤسسة العسكرية ركائز لأي مشروع وطني.
فالحياد عن الصراع على السلطة موقف سياسي قابل للنقاش، أما الحياد عن مبدأ بقاء الدولة ووحدة مؤسساتها واحتكارها المشروع للقوة، فيمس الأساس الذي تقوم عليه الحياة السياسية نفسها. ومن دون دولة تحمي القانون وتخضع له، لن تجد السياسة مؤسسات تحتكم إليها، ولن يجد السلام ضمانات تحافظ عليه.



