الرواية الأولى

نروي لتعرف

من مفكرتي / اللواء م. الهادي بشرى هموم وقضايا / السفير د. معاوية التوم

الحرب مع إيران وإعادة حسابات القوة الأمريكية:هل بدأت واشنطن مراجعة استراتيجيتها في الشرق الأوسط!؟

السفير د. معاوية التوم


لم تكن الحرب الأخيرة مع إيران مجرد مواجهة عسكرية محدودة بين خصمين، بل تحولت إلى محطة استراتيجية دفعت النخبة الأمريكية إلى إعادة طرح أسئلة قديمة بصيغة أكثر إلحاحًا: ما جدوى الوجود العسكري الأمريكي الكثيف في الشرق الأوسط؟ وهل ما تزال أدوات القوة التقليدية قادرة على حماية المصالح الأمريكية في منطقة تتغير توازناتها بوتيرة متسارعة؟
ورغم أن الإدارة الأمريكية لم تُبدِ أي مؤشر رسمي على نيتها الانسحاب من المنطقة، فإن حجم النقاش الدائر داخل مراكز التفكير والجامعات ووسائل الإعلام الأمريكية يوحي بأن واشنطن دخلت بالفعل مرحلة مراجعة عميقة لاستراتيجيتها الإقليمية، ليس بهدف التخلي عن الشرق الأوسط، وإنما لإعادة تعريف طبيعة انخراطها فيه بما يتناسب مع أولوياتها العالمية الجديدة.
ولعل الدلالة الأبرز على اتساع هذا النقاش تمثلت في المقال الذي نشرته مجلة Foreign Affairs، إحدى أكثر المنابر الفكرية تأثيرًا في دوائر السياسة الخارجية الأمريكية، حيث دعا المستشار السابق في إدارة بايدن مايكل فوكس إلى إعادة النظر جذريًا في فلسفة الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط. ولا يمثل هذا الطرح الموقف الرسمي للإدارة الأمريكية، لكنه يعكس اتساع تيار داخل المؤسسة الاستراتيجية الأمريكية يرى أن الحرب الأخيرة كشفت حدود القوة العسكرية، وأن الدبلوماسية والشراكات الاقتصادية قد أصبحت أكثر أهمية من الانتشار العسكري الدائم.

مراجعة لا تراجع
من الخطأ المبكر تفسير هذا النقاش باعتباره مقدمة لانسحاب أمريكي من الشرق الأوسط. فالمصالح الأمريكية في المنطقة ما زالت قائمة، سواء فيما يتعلق بأمن الممرات البحرية، أو أمن الحلفاء، أو مكافحة الإرهاب، أو منع الانتشار النووي، واستقرار الأسواق العالمية.
لكن ما يبدو واضحًا هو أن واشنطن تعيد تقييم الوسائل التي تحقق بها هذه الأهداف. فبدلًا من الاعتماد على القواعد العسكرية والانتشار الواسع، تتجه الاستراتيجية الأمريكية تدريجيًا نحو مفهوم “النفوذ المرن”، القائم على الردع بعيد المدى، والشراكات الأمنية، والتعاون الاستخباراتي، والدبلوماسية، والضغوط الاقتصادية. إنها مراجعة لأدوات القوة، لا مراجعة للمصالح نفسها.

كلفة الخيار العسكري
الحرب الأخيرة أعادت إلى الواجهة سؤال الكلفة، ليس فقط من حيث الإنفاق المالي، وإنما من حيث استنزاف القدرات العسكرية الأمريكية وأثرها على الداخل الأمريكي.
فخلال السنوات الأخيرة، وجدت الولايات المتحدة نفسها مطالبة بدعم أوكرانيا، وتعزيز وجودها العسكري في منطقة المحيطين الهندي والهادئ لمواجهة الصين، والحفاظ على التزاماتها تجاه حلف شمال الأطلسي، وفي الوقت نفسه إدارة أزمات الشرق الأوسط.
هذا التعدد في مسارح العمليات فرض ضغوطًا متزايدة على المخزون الأمريكي من الذخائر الدقيقة وأنظمة الدفاع الجوي والقدرات اللوجستية، وهو ما تناولته تقارير وتحليلات في صحف أمريكية كبرى، مشيرة إلى أن استمرار إدارة الأزمات عبر الأدوات العسكرية وحدها لم يعد خيارًا منخفض الكلفة أو مضمون النتائج.
ولم يعد السؤال المطروح داخل واشنطن: هل تستطيع الولايات المتحدة خوض حرب جديدة؟ بل أصبح: ما الثمن الذي ستدفعه مقابلها، وما أثر ذلك على قدرتها في مواجهة التحديات الكبرى الأخرى، وجدوى هذه الحروب؟

مضيق هرمز… اختبار حدود القوة الأمريكية
أضافت أزمة مضيق هرمز بعدًا اقتصاديًا واستراتيجيًا جديدًا إلى الجدل الأمريكي حول جدوى القوة العسكرية. فمنذ حرب الخليج الأولى، ارتبط الوجود الأمريكي في الخليج بهدف أساسي يتمثل في حماية حرية الملاحة وضمان تدفق الطاقة عبر أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
غير أن المواجهة الأخيرة أظهرت أن التفوق العسكري الأمريكي، رغم حجمه وقدراته، لا يوفر ضمانة مطلقة لمنع اضطراب حركة التجارة والطاقة في حال اندلاع مواجهة واسعة.
فمجرد التهديد بإغلاق المضيق انعكس سريعًا على الأسواق العالمية، وأثار مخاوف من ارتفاع أسعار النفط والغاز، وزيادة تكاليف الشحن والتأمين، واضطراب سلاسل الإمداد التي تعتمد عليها الاقتصادات الصناعية. وتكمن أهمية هرمز في أنه ليس مجرد ممر نفطي إقليمي، بل شريان اقتصادي عالمي يمكن أن تمتد تداعيات أي تعطيل طويل الأمد فيه إلى التضخم والنمو الاقتصادي في مختلف القارات.
وهنا برزت المعضلة أمام واشنطن: فالقوة العسكرية الأمريكية قادرة على الردع وفرض تكاليف على الخصوم، لكنها لا تستطيع وحدها ضمان استقرار دائم للممرات الحيوية إذا بقيت جذور الأزمة سياسية وأمنية. في ظل احجام اوربا عن المشاركة في مجريات الردع الجارية.
ومن هذا المنطلق، تعزز داخل دوائر صنع القرار الأمريكية الاتجاه نحو الجمع بين الردع العسكري والدبلوماسية الإقليمية، وبناء ترتيبات أمنية تقلل احتمالات المواجهة بدل الاكتفاء بإدارة الأزمات بعد وقوعها. لقد أصبح مضيق هرمز رمزًا للتحول الجاري في التفكير الاستراتيجي الأمريكي: من التركيز على القدرة على التدخل العسكري، إلى البحث عن وسائل أكثر استدامة لحماية المصالح الأمريكية بأقل تكلفة ممكنة.

الداخل الأمريكي… اللاعب الأكثر تأثيرًا
لا يمكن فصل هذه المراجعات عن التحولات داخل الولايات المتحدة نفسها.
فالانتخابات، والاستقطاب السياسي، وارتفاع الدين العام، والضغوط الاقتصادية، كلها عوامل جعلت الناخب الأمريكي أكثر تحفظًا تجاه الانخراط في حروب طويلة ومكلفة.
كما أن التجارب الممتدة في العراق وأفغانستان تركت أثرًا عميقًا في الوعي الأمريكي، وأنتجت مزاجًا عامًا يميل إلى تجنب المغامرات العسكرية، والتركيز على القضايا الداخلية، دون التخلي عن المكانة الدولية للولايات المتحدة.
وهذا يضع أي إدارة أمريكية أمام معادلة معقدة: كيف تحافظ على القيادة العالمية دون الانزلاق إلى صراعات تستنزف الموارد والقدرات؟

بين واشنطن وتل أبيب… تباين في الوسائل لا في التحالف
أظهرت الحرب مع إيران أن التحالف الأمريكي الإسرائيلي ما زال ركيزة ثابتة في السياسة الأمريكية، غير أن ذلك لا يمنع وجود تباين متزايد في تقدير كيفية إدارة التهديدات الإقليمية.
فبينما تنظر إسرائيل إلى إيران باعتبارها تهديدًا مباشرًا يبرر اللجوء إلى القوة العسكرية كلما اقتضت الضرورة، تبدو واشنطن أكثر ميلًا إلى الجمع بين الردع والاحتواء الدبلوماسي، إدراكًا منها أن أي حرب إقليمية واسعة ستكون لها تداعيات تتجاوز الشرق الأوسط لتطال الاقتصاد العالمي وأولويات الأمن القومي الأمريكي.
ومن هنا، فإن التباين لا يتعلق بأهداف التحالف، بل بطريقة تحقيقها، وبحسابات الكلفة والعائد لكل خيار.

الشرق الأوسط في ظل الأولويات الجديدة
تتجه الاستراتيجية الأمريكية بصورة متزايدة إلى إعادة توزيع مواردها بما ينسجم مع المنافسة الاستراتيجية مع الصين، واستمرار المواجهة مع روسيا، والتحديات المتصاعدة في الفضاء السيبراني والتقنيات المتقدمة.
وفي هذا السياق، لم يعد الشرق الأوسط يحتل الموقع ذاته الذي شغله خلال العقود الماضية، وإن ظل جزءًا مهمًا من معادلة الأمن الدولي.
ولهذا، فإن واشنطن تبدو أقرب إلى تشجيع القوى الإقليمية على تحمل مسؤولية أكبر في إدارة أمنها، مع احتفاظها بدور الضامن للتوازنات الكبرى، والداعم لحلفائها عند الضرورة، بدلًا من الانخراط المباشر في كل أزمة.

قراءة في الاتجاه القادم
تشير المؤشرات إلى أن الولايات المتحدة لا تتجه نحو مغادرة الشرق الأوسط كلية، وإنما نحو إعادة هندسة حضورها فيه وفق حسابات المتغيرات.
فالقواعد العسكرية قد تُعاد هيكلتها، والانتشار العسكري قد يصبح أكثر انتقائية، بينما ستتزايد أهمية الأدوات الدبلوماسية والاقتصادية، والشراكات الإقليمية، والاستخبارات، والتكنولوجيا العسكرية بعيدة المدى. وهذا التحول لا يعكس تراجعًا في المكانة الأمريكية، بقدر ما يعبر عن محاولة للتكيف مع نظام دولي أكثر تعقيدًا، تتوزع فيه مصادر التهديد بين أكثر من إقليم، وتتزاحم فيه الأولويات على الموارد نفسها.

خاتمة
لقد كشفت الحرب مع إيران أن معضلة واشنطن لم تعد تكمن في امتلاك القوة، وإنما في كيفية استخدامها، وفي ترتيب أولوياتها بين الشرق الأوسط وأوروبا وآسيا، وفق معطيات الاقليمي الحالي.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد: هل ستنسحب الولايات المتحدة من الشرق الأوسط؟ بل: كيف ستعيد صياغة دورها فيه؟
إن ما يجري اليوم يبدو أقرب إلى مراجعة استراتيجية شاملة لأدوات النفوذ الأمريكي، تفرضها كلفة الحروب، وضغوط الداخل، وتصاعد المنافسة بين القوى الكبرى، ومخاطر الأسواق العالمية.
وإذا كانت هذه المراجعة لم تصل بعد إلى مرحلة تغيير الأهداف، فإنها بلا شك بدأت تعيد رسم الوسائل، وهو ما قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الحضور الأمريكي في الشرق الأوسط، عنوانها إعادة التموضع لا الانسحاب، وإدارة النفوذ بأدوات أكثر تنوعًا وأقل كلفة من القوة العسكرية المباشرة.
ويبقي التحول الاستراتيجي الأبعد فيما يتصل بوجهة امريكا من واقع الحرب وتداعياتها أنها : “لم تغيّر الولايات المتحدة الشرق الأوسط بقدر ما أعادت تعريف موقعها فيه؛ فالانسحاب من بعض الأدوار لا يعني غياباً، بل انتقالاً من إدارة مباشرة للأزمات إلى إدارة توازنات القوى من خلف المشهد.

اترك رد

error: Content is protected !!